جون ذبّاح داعش وأزمات العالم المقنعة

الأحد 2015/03/15
اموازي عربي بلا جنسية هاجر مع مشكلته إلى الغرب ليتحوّل إلى إرهابي

كانت صحيفة العرب وقبل سنة من الآن، أول من أشار إلى تلك الفئة من المهاجرين من فقراء العالم الثالث، إلى أوروبا وغيرها، الذين انتقلوا من جحيم إلى جحيم، ليعيشوا في مدن العالم المتقدم ولكن على هامش حياته، وفي أحزمة الفقر المحيطة بالمراكز الحضرية، معزولين مجهّلين، قابلين إلى التحوّل إلى قنابل موقوتة في أيّ وقت، حين تسنح الفرصة.

وكانت الفرصة، هي تلك التي صنعها الرئيس الأميركي أوباما، بإصراره على تحويل سوريا إلى “مصيدة ذباب” تجذب كل المرضى النفسيين بالثأر والأحقاد التاريخية، وكل من يسهل التحكّم به وإدارته من المجمع البشري المتناثر في العالم، ومن بين هؤلاء الذين هاجروا هجرتهم الثانية المعاكسة، نحو الشرق، والتحقوا بالتنظيمات الإرهابية، أشهر شخصيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والأكثر ظهوراً في رسائل التنظيم المتلفزة، الذباح الذي يبعث بالرسائل إلى رؤساء العالم وبرلماناته وحكوماته، مهدداً بنبرة إنكليزية خاصة، ملوّحاً بخنجره، ومنفذاً حكم الإعدام بالرهائن الغربيين الذين ألّبوا العالم على داعش وزادوا التحالف الدولي تماسكاً في الحرب عليه.


المقنع والذبيحة


يظهر رجل مقنّع، وبيده خنجر، ومعه الذبيحة التي سيقدمها للعالم كل مرة، ويلقي خطاباً يبعث من خلاله برسائل واضحة لهذه الجهة أو تلك، في شريط سينمائي عالي الدقة، مدعّم بكل أشكال التقنيات المتطورة في المونتاج والمؤثرات الغرافيكية والتقطيع الذكي، والجسور وحوامل الكاميرات، بما يخالف كلياً النظرة المعتادة لأفراد تنظيم داعش، وما عرف عنهم من همجية في التصرفات ووحشية في اتخاذ القرارات، فيكون التناقض الأول في العلاقة مع الحداثة، فكيف لأناس يتهمون بالكفر من يلتقط صورة أو يتعامل مع برنامج على الكومبيوتر والإنترنت، أن تكون لديهم هذه الصلة المحترفة مع أرقى التقنيات في عالم التكنولوجيا البصرية؟ لكن هذا ليس كل شيء، بل سيكون المحتوى المنطوق لجون ذباح داعش، كما يعرف الآن في أنحاء العالم، دالاً جديداً ومتواصلاً على خلل الرواية، فجون الذي يتنقل ويصوّر أفلامه ورسائله بين المناطق المكشوفة التي يسيطر عليها داعش، بوسعه فعل هذا دون أن تلتقطه الأقمار الصناعية الأميركية والغربية التي تمشّط المنطقة جيئة وذهاباً على مدار الأربع والعشرين ساعة منذ الخريف الماضي، بعد إعلان التحالف الدولي العسكري ضد التنظيم، لكن هذه الأقمار سترصد ذباح داعش بعد تنفيذه عدداً من جرائمه، كما أفادت المصادر البريطانية، التي قالت إن طائرات من غير طيار رصدت جون، وتعقبته، لكنها لم تمنعه من إتمام أيّ من مهماته، وتزيد المصادر بأن جون عثر عليه يتحرك في منطقة الرقة السورية على ضفاف نهر الفرات، ومعه بعض الرهائن ممن يرتدون الزيّ البرتقالي الذي يظهرون فيه أثناء تنفيذ عمليات الإعدام بحقهم ذبحاً، ولكن وحسب المصادر ذاتها فإن كبار الضباط استبعدوا فكرة إنقاذ أولئك الرهائن في الوقت الحالي، لأن قائد القوات الخاصة كما قالت الديلي ميل، يخاف من عواقب فشل أيّ محاولة للقبض على جون أو حتى قتله، وأضاف القائد البريطاني الكبير إنهم سيستهدفون البنية التحتية لمدينة الرقة خلال الفترة القادمة، كي يمنعوا داعش من شن أيّ هجوم مضاد قبل البدء بإنقاذ الرهائن.

جون رجل مقنع، يظهر وبيده خنجر، ومعه الذبيحة التي سيقدمها للعالم كل مرة، ويلقي خطابا يبعث من خلاله برسائل واضحة لهذه الجهة أو تلك، في شريط سينمائي عالي الدقة، بما يخالف كليا النظرة المعتادة لأفراد تنظيم داعش، وما عرف عنهم من همجية في التصرفات

وبفضل التقنية التي تحدث عنها خبير الطائرات التي يجري التحكم بها من غير طيار، مايك غيثينغ، فإنه يمكن لأجهزة المراقبة في تلك الطائرات تحديد هوية أيّ شخص بمجرد أن يرفع بصره إلى السماء، وهذا ما جعل اكتشاف هوية جون أمراً ممكناً.

محمد اموازي، الذي يقترب من عامه الثلاثين، بريطاني النشأة والجنسية كويتي المولد، والحاصل على شهادة في برمجة الكومبيوترات، هو جون المقنّع، الذي ظهر في أشرطة فيديو إعدام الصحافيين الأميركيين جيمس فولي وستيفن ستولوف، وعامل الإغاثة ديفيد هاينز و22 جنديًا سورياً من جيش الأسد، والصحافي الياباني كينجي، واسم جون أطلق عليه للإشارة إلى لكنته الإنكليزية البريطانية، هو ذلك الشاب الذي أخذ يتردد على جماعة إسلامية متشددة في بريطانيا خلال السنوات الخمس الماضية، وكان قد نظّمه في تلك الجماعة اللبناني بلال البرجاوي خلال تنقلاته المكوكية بين أوروبا وشرق أفريقيا، برجاوي الذي لقي حتفه في غارة أميركية على الصومال قبل ثلاث سنوات، كان قد صنع وحشاً عن سابق إصرار وترصّد، قبل أن يذهب إلى خاتمته، وكان قد بدأ عمله من خلال جمع التبرعات للأعمال الخيرية، في أواسط العقد الماضي، بالتعاون مع المصري محمد صقر، وإلى معسكرات التدريب كان هؤلاء يترحلون كما ترحّل محمد اموازي فيما بعد بذريعة السفر إلى الصحراء للترفيه وقضاء الوقت، بينما كان يجري إعداد جيش كامل في مناطق مختلفة من العالم مثل تنزانيا التي سافر إليها محمد اموازي في العام 2009 لتلقي التدريبات في مومباسا، ليتم توقيفه هناك بعد العثور على أفلام في كومبيوتره الشخصي، تشير إلى تدريبات على العمليات الجهادية، وتفخيخ السيارات.

تم الكشف عن هوية محمد اموازي إذن، وانكشف الغطاء عن أسرته، ورغم أن والده يرفض الاتهامات الموجهة إلى ابنه محمد، إلا أن الأمور تتسارع لتؤكد أن جون هو اموازي، فقد قال جاسم اموازي (الوالد) إن “ما جرى تداوله إعلاميا، خصوصا عبر شرائط للفيديو والأفلام المعروضة من أن المتهم هو ابني محمد ذاته المشار إليه افتراضيا أنه ذبّاح داعش أمرٌ غير مثبت”، ويعيش جاسم اموازي مع ابنة من بناته في الكويت بينما يعيش باقي أفراد الأسرة في بريطانيا، وهو من فئة البدون من عديمي الجنسية في الكويت، وينحدر من أصول عراقية، هاجرت أسرته من الكويت إلى بريطانيا في العام 1990، ليعيش أفرادها فيها حتى اليوم، وقيل إن أسرة اموازي تم استبعادها من لوائح الحصول على الجنسية الكويتية بسبب تقارير تشير إلى تعاون اموازي الأب مع نظام الرئيس العراقي صدام حسين قبل وأثناء الغزو العراقي للكويت.

لكن الوالد عاد وأكّد أن ذبّاح داعش هو ابنه محمد ذاته، بعد أن طالبه نواب كويتيون بالاعتذار عن جرائم ابنه والتبرؤ منه، أو مغادرة الكويت، أما والدة محمد وبقية أفراد أسرته، فقد تم التحفظ على مكان إقامتهم اليوم في بريطانيا، وتعيش والدته كما ذكرت الديلي ميل في بيت تبلغ تكلفة استئجاره 900 ألف دولار أميركي يدفعها مجلس مدينة ويستمينستر، وقد تمّ نقلها إلى مكان آمن تحت العناية الأمنية البريطانية مع أربعة من أبنائها.

ومن غرائب محمد اموازي، حرصه على الاعتذار لأسرته عن الضرر المعنوي الذي سبّبه لها، وإرساله لذلك الاعتذار عبر وسطاء، وقال في رسالته إنه آسف للمشاكل والصعاب التي عرضهم لها، وهذا طبعاً كما ترويه الصنداي تايمز، غير أن جون لم يذكر كلمة واحدة تعبّر عن ندمه على الجرائم التي يرتكبها، أو على العقيدة التي يتبناها.


الصحافة هي الشاهد


السؤال المثير، هو كيف توصلت حزمة من الصحف الغربية إلى تحديد هوية جون ذبّاح داعش، بتلك السهولة، دون أن يكون لديها أقمار صناعية أو طائرات بلا طيار، وهل يعتبر تسريب اسم جون من خلال الحصول على معلومات عسكرية واستخباراتية، تأييداً للحرب على الإرهاب أم إشعالاً لها؟ فحين تجتمع الواشنطن بوست والصنداي تايمز والبي بي سي، والديلي ميل وسواها على حملة للكشف عن أحد أخطر مقنعي الحرب الدائرة اليوم على أكبر مستوى، فهذا يعني ما يعنيه، لأن الإعلام لم يترك القصة تمرّ هكذا، خاصة حين تذكر تقارير وكالة الصحافة الفرنسية العبارة التالية “..وكشفت بي بي سي وكذلك ذي غارديان عن هوية السفاح لكن دون ذكر أيّ مصدر”. بينما حاولت الوكالة الاتصال بريتشارد والتون أحد مسؤولي وحدة مكافحة الإرهاب ولكن الرجل قال “لن نؤكد هوية أيٍّ كان في هذه المرحلة أو نتحدث عن أيّ تطور في هذا التحقيق الجاري حول مكافحة الإرهاب”.

السؤال المثير، هو كيف توصلت حزمة من الصحف الغربية إلى تحديد هوية جون ذباح داعش، بتلك السهولة، دون أن يكون لديها أقمار صناعية أو طائرات بلا طيار، وهل يعتبر تسريب اسم جون من خلال الحصول على معلومات عسكرية واستخباراتية، تأييدا للحرب على الإرهاب أم إشعالا لها؟


أبناء العالم خلف القناع


لكن إلى أيّ درجة يتحمّل العالم الغربي مسؤولية إنتاج جون، وأكثر من خمسمئة بريطاني آخرين كما تقول التقارير الرسمية، يقاتلون في صفوف داعش، مع آخرين من خارطة الكوكب، وهل يمكن أن يكون هذا الخط الجديد في لوحة الصراع بين الحضارات في العالم، مدخلاً لتقسيم كبير يفرز المجتمعات أكثر بدلاً عن خلطها كما تفرض العولمة؟ هل سيستمر العالم قرية صغيرة أم سيتحول إلى مزارع بشرية منفصلة مسوّرة معزولة؟ إن رمزية قناع جون ـ محمد اموازي، تقول الكثير، فكل ما خلف ذلك القناع هو إشكالات العالم التي لم يجر حلها بعد، مجتمعة في مشهد مكثّف، قناع جون، هو الجواب، فيكفي أن تخفي المعلومات وتستر المشكلات الكبرى، لتغطي على خلل الأداء وسلاسل العنصريات المنتشرة في الشرق والغرب التي ستؤدي إلى خلق كائن مثل اموازي، فحين ضربت القاعدة العالم، كان الرد بتحميل الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي مسؤولية ما تفعله طالبان والقاعدة معاً، لكن الأمر يختلف اليوم، مع رؤية منتجات الحضارة الغربية وهي تنخرط في مشروع إرهابي لا يعرف كيف سيفهم صانعو القرار الدولي الخلاصات من الصراع معه، وهل سيقومون بأداء استحقاقاتهم الإنسانية والقانونية التي يمكن أن تحوّل المدنية الغربية والأميركية منها على وجه الخصوص، إلى حضارة بالفعل باستكمال النقص الأخلاقي والقيمي الذي تفتقر إليه القوة في العصر الحديث، بوجود ثغرات كبيرة في العالم، من إسرائيل إلى كوريا الشمالية ونظام الأسد والنظام الإيراني وبعض الأنظمة المتناثرة في العالم هنا أو هناك، وربما لا يكون الأوان قد فات بعد.

7