جون ستيوارت ذائع الصيت حيث السخرية سلاح الأميركي الوحيد

السبت 2015/03/07
نجم شهير يعطي لتقاعده بعدا آخر في فضاء الإعلام

كنتُ حاضراً في إحدى جلسات منتدى الإعلام العربي في دبي، عندما تحدَّثَ باسم يوسف مُقدِّم برنامج البرنامج الأكثر شهرةً ومتابعةً بين البرامج العربية، بعد أن سألَهُ طوني خليفة مدير الندوة وقتذاك عن الأميركي جون ستيوارت مقدّم البرامج التليفزيونية، ولن أجد حرجاً حين أقول إني في تلك اللحظة لم أكن مُلمَّاً بالكثير عن جون ستيوارت الذي وصفَهُ باسم يوسف بالأب الروحي للبرامج الساخرة في العالم.

وبعيداً عن جون ستيوارت وباسم يوسف، فيمكننا بنظرةٍ أعم وأشمل أن نجد أنَّ الإعلام العربي منذ انطلاقتِهِ في خمسينات القرن الماضي ابتعد كليَّاً عن البرامج الساخرة فاتَّجَهَ نحو التقديس والتلميع المطلق دون الاصطدام بحاجز البحث عن السخرية سبيلاً للإصلاح، وامتدت العقود بمحاولاتٍ خجولةٍ حتّى قام الطبيب المصري عقب ثورة يناير بإطلاق برنامجه البرنامج في إشارةٍ إلى الإغراق في السخرية عبر اليوتيوب ومن لحظتها بدأ الجمهور العربي أو المتلقي العربي بالتعرُّف على جون ستيوارت وبرنامجه باعتباره النسخة الأصلية للبرنامج الذي يحبونه.

ارتبط اسم باسم يوسف بجون ستيوارت و ساهم الأخير بدعمِهِ من خلال المواقف التي أطلَقَها تِباعاً عبر برنامجه أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي لدعم التجربة العربية التي ما لبثت أن توقّفت وانطفأت معها شعلةٌ جديدةٌ كانت ستضيء جانباً مهمَّاً في الحقل الإعلامي العربي.


النيويوركي المتهكم


البحث عن أصل البرامج الساخرة التي وصلت إلى الشرق العربي نجد أن جوناثان جون ستيوارت هو المؤثِّر في جميع من أقدموا على خطوة الإعلام الساخر، جون الذي وُلد في الولايات المتحدّة الأميركية عام 1962 وتحديداً في نيويورك التي شهدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ودرسَ مراحلَهُ كلَّها هناك إلى أن التحق بالعمل التليفزيوني عبر برنامج “ذا ديلي شوليكون” منذ عام 1999 العنصر الرئيس في البرنامج الجماهيري حيثُ يُقدِّم الأخبار بطريقة ساخرة سعياً لرسم البسمة على الوجوه المُتعَبَة.

الإعلام العربي ومنذ انطلاقته في خمسينات القرن الماضي يظهر وكأنه قد ابتعد كليا عن البرامج الساخرة فاتجه نحو التقديس والتلميع المطلق دون الاصطدام بحاجز البحث عن السخرية سبيلا للإصلاح

هو الرجل الذي ينتقدُ الجميع دون أن يُداهِن أحدا وآخر سهامه أصابت بنيامين نتنياهو الذي ألقى خطبةً صفَّقَ له فيها أعضاء الكونغرس الأميركي وقوفاً أكثر من خمسة وعشرين مرة وجلوساً أكثر من خمس عشرة مرة بينما اعتبره ستيوارت مهرجان إهاناتٍ للرئيس باراك أوباما الذي تمَّ التخطيط لدعوةِ رئيس الوزراء الإسرائيلي دون علمِه.

بعد خمسة عشر عاماً من الظهور المتواصل في برنامجه الشهير لم يظهر عليه التقدُّم في العمر هو البالغ من العمر أكثر من اثنين وخمسين عاماً، ما يزال يتَّبِعُ الخطوات المرسومة بدقَّةٍ بالغةٍ على أرضيةٍ صلبةٍ وصولاً إلى التأثير بالدائرة الصغيرة لصناعة القرار الأميركي.

سر ستيوارت

لا بدَّ من التساؤل عن سرِّ نجاح ستيوارت في الحفاظ على موقِعِه في هرم البرامج الساخرة في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها منذ عام 1999 لحظة استلامه إدارة برنامجه الشهير لنصل فوراً إلى نقاطٍ أساسية تتركّزُ في انطلاق ستيوارت في مضمارٍ يسيرُ في مجتمعٍ راسخٍ منذُ عقودٍ طويلةٍ حيثُ السخريةُ والنقد اللاذِعُ لا تسبِّبُ لصاحبِها الغياب في الظُلُمات، ففي الفضاء الذي انطلق فيه ستيوارت لا نظام يخافُ من النكتة التي يصفُها بالمُسالِمَةِ التي لا تركبُ درّاجةً ناريَّةً بخاريةً و تضربُ الناس بالهراوات ولا تطلِقُ قنابل الغاز المسيل للدموع، إنها مجرّدُ حروفٍ لا أكثر.

هذه الحروف التي استطاع جوناثان ستيوارت إطلاقها دون أيّ قيدٍ لكنها فشِلَت في البقاء حيَّةً في الشرق للأسباب نفسها التي أدَّت لنجاح العرض اليومي في الولايات المتحدة الأميركية.

ميشال جانيليس رئيسة شبكة كوميدي سنترال قالت عن ستيوارت إنه بفضلِ صوتِهِ و قُدرتِهِ على إدارة محاور أخبارِهِ اليومية ورؤيتِهِ استطاع أن يُصبِحَ معياراً ثقافياً لملايين الجماهير من خلال الكوميديا السوداء التي تُعرِّي الواقع وتجعلنا في صدام حقيقيٍّ معهُ.

الصدام مع الواقع الذي انتهجَهُ ستيوارت منذ استلامِه البرنامج الذي غدا شهيراً كانت الخطوة الأولى التي أقنعت متابعيه بالجعبةِ التي يُقدِّمها وإذا علمنا أنَّ الكوميديا السوداء أو الصدام مع الواقع لها جذورها البعيدة والعميقة في الأدب العربي والشعر الذي احتفظ بتراث الأمَّة وتاريخها نكون أمام مُفارقةٍ عجيبةٍ فالأمَّةُ التي ابتدعت في آدابها السخريةُ لم تستطع بعد كل هذا التقدُّم بين أمم البشر أن تحتفظ بمقعدٍ لها يواجِهُ واقِعها بالسخرية منه، فهل تكون السخرية دواءً أو علاجاً يُساهِمُ في التفكير التحليلي أو التركيبي لكل ما يعترضنا؟

الفضاء الذي انطلق فيه ستيوارت لا يوجد فيه نظام يخاف من النكتة والتي يصفها بالمسالمة التي لا تركب دراجة نارية بخارية وتضرب الناس بالهراوات ولا تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع، إنها مجرد حروف لا أكثر

يعتقد جون ستيوارت جازماً بالإجابة بنعم عن السؤال السابق وهذا واضحٌ لمن يُتابعه عبر إطلالاته المختلفة التي وقف فيها ضدَّ الظلم فنادى بضرورة الدفاع عن المسلمين الذين يُتَّهمون بالإرهاب نهاراً وليلاً وأفرد فقرةً كاملة للحديث عن ضرورة بناء مساجد إسلامية في المكان الذي انهار فيه برجا التجارة في نيويورك، هذه الجرأة هي التي ميَّزت ستيوارت عن غيرِهِ فجعلتهُ واحداً من صنَّاع الرأي العام ليس في الولايات المتحدة الأميركية بل في العالم أجمع.


ستيوارت والشرق


بعد الحرب الأخيرة التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزّة دخل جون ستيوارت بيوت العرب من بابها الكبير حين قام بتعريةِ السياسة الأميركية تجاه ما يحصل في القطاع الذي تعرَّض لعمليّات إبادة مُمنهجة من قِبَل القوات الإسرائيلية فقد وصف ستيوارت الولايات المتحدة الأميركية بتاجر المخدّرات الذي يحاول مساعدة إسرائيل الإقلاع عن التعاطي ولكنَّهُ يُزوِّدها بالمخدِّر في الوقت نفسِه.

عبر مقاطع فيديو متتالية ربَطها بخبرةٍ إعلامية واسعة النظير كشفَ قيام الولايات المتحدة الأميركية بتزويد إسرائيل بالسلاح الذي قتلت به الفلسطينيين في غزَّة خلال العدوان الأخير رغم إصرار باراك أوباما الرئيس الأميركي على إحلال السلام.

بهذه العقلية استطاع جون ستيوارت أن يحظى بمحبَّةِ مُتابِعيهِ في الشرق العربي بعد أن استضافَهُ باسم يوسف في برنامج “البرنامج” حيث دخل ستيوارت إلى مسرح سينما كايرو مُقتاداً برفقةِ حُرَّاسٍ وضعوا غطاءً على رأسِهِ وكأنَّهُ معتقلٌ مطلوبٌ للعدالة فكان التماس المباشر مع المشاهد العربي الذي استطاع أن يلمس قدرة ستيوارت على جذب الأنظار إليه من خلال التأثير في متابعيه و جمهوره.

في خطابه للجمهور العربي عبر برنامج “البرنامج” مع الطبيب المصري باسم يوسف حرص ستيوارت على الاقتراب دون الاحتراق من المشاهد الذي حاول اكتشافه فوَجَدهُ لصيقاً بالتفاصيل الصغيرة ليومياتِهِ العربية حين تحدَّث عن الزحمة الخانقة في شوارع القاهرة وعن ضرورة إلغاء قانون السير فيها، كان ستيوارت في ظهوره على الشاشة العربية ذكيّاً ليؤكِّد ضرورة النكتة حين قال إنْ فكَّرَ أحدٌ ما باحتلال القاهرة فلن يجد جنود المارينز إلى ذلك سبيلاً بسبب عدد البشر الذين لم يتركوا مكاناً لآخر قادم.

كلماتُهُ المنتقاة بعناية مع إصراره على استخدام بعض الحروف العربية المرتّبة في أبجدية ينطقها بصعوبة كانت جواز مرور إلى قلوب المشاهدين المتابعين.

الأنظمة العربية المتحكمة بصناعة الإعلام في بلدانها وضعت قيودا لا يمكن إلا لمغامر بكل شيء أن يتخطاها فضلا عن أن الأرضية الصلبة التي وقف عليها ستيوارت كانت هشة عربيا بسبب غياب العقد الاجتماعي الواعي الذي يدعم هذه الاتجاهات الإعلامية

وهنا يقفز السؤال مباشرةً لماذا فشِلَت النسخة العربية من برنامج العرض اليومي الذي يُقدّمه ستيوارت أميركياً سنحاول فيما يلي أن نستخلص نقاطاً رئيسية صدمت العاملين بالبرنامج الساخر في نسخته العربية.

إن الأنظمة العربية المُتحكِّمة بصناعة الإعلام وضعت قيوداً لا يُمكن إلا لمُغامرٍ بكل شيء أن يتخطّاها فضلاً عن أنَّ الأرضية الصلبة التي وقف عليها ستيوارت كانت هشَّةً عربيَّاً بسبب غياب العقد الاجتماعي الواعي الذي يدعم هذه الاتجاهات الإعلامية وعدم قدرة العربي على تقبُّل السخرية مهما كان دورها علماً أنَّ الهجاء أحد أبواب الشعر التي طرقها الشعراء العرب أصحاب الكلمة الموزونة منذ أن وُجِدَ الشعر، ولكن ربَّما يعود عدم تقبّلها اليوم ناتجٌ عن الفصل الحاد بين الطبقات الاجتماعية والهالة المُقدَّسة التي أُحيطَت بها الدائرة الصغيرةُ الحاكمة للبلاد فكان التوقُّفُ مراراً عن ظهور البرنامج بنسخته العربية بينما استمر خمسة عشر عاماً في نسخته الأميركية بقيادة جون ستيوارت بل تعدّى الأمر إلى مُشاركةِ صنَّاع القرار الأميركي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفنيّاً في حلقات ستيوارت فكان ظهور جورج بوش الابن وباراك أوباما وديك تشيني وغيرهم.

تلك الخلطةُ الممتعة التي استطاع جون ستيوارت الحفاظ على مذاقها الجميل طيلة عقدٍ ونصف من الزمان ظلَّت هي الوجبةُ المُفضَّلةُ للمشاهد الأميركي الذي كان يستقي من ستيوارت مواقفهُ من كلِّ ما يدور حولَه أو يمسّه بشكلٍ مباشر سياسياً واقتصادياً ورياضياً ربّما فمطبخُ ستيوارت لم يكتف بتقديم الوجبات السياسية بل تعدّاها إلى كلِّ ما يهمُّ المواطن في تلك البلاد.

جون ستيوارت أعلَنَ أنَّهُ سيتوقّف عن تقديم الديلي شو في وقتٍ متأخِّر من هذا العام وهذا ما سيتركُ فراغاً كبيراً أمام متابعيه الممتدّين بين مختلف الشرائح العمرية، وهذا أيضاً سيجعل المهمَّة صعبة للغاية أمام شبكة كوميدي سنترال التي ستواجِه صعوباتٍ في إقناع متابعي البرنامج الشهير ببديل عن ستيوارت. تقاعدُ جون ستيوارت يفتحٌ الباب أمام مهمّتِهِ القادمة وهو الذي تنوَّعت إنتاجاتُه الإبداعية بين التمثيل والكتابةِ وصولاً إلى الفيلم السينمائي الشهير الذي أخرجه تحت عنوان “ماء الزهر” والذي تناول فيه قصَّةَ صحفيٍّ إيراني المولِد يُعارضُ السلطاتَ في طهران ليتم سجنه هناك لمدة مئة وثمانية عشر يوماً بتهمة التجسُّس. جون ستيوارت الأميركي الذي ذاع صيته عبر البحار والفضاء فصار أيقونةً لصناعة الرأي العام من خلال السخرية التي وجدها نافذةً واسعةً لتقديم ما يراهُ ويبقى الأمل أن نرى النسخة العربية بالنجاح الذي نالتهُ نسخةُ ستيوارت الأميركية.

15