جون ضاحي: الظلاميون يلفقون برسم الغرب صورا ونصوصا جديدة للمقدس

الأحد 2016/10/02
جون ضاحي: الأدب يحكي بصوت الإنسان العادي ولا بد من إيصال هذا الصوت إلى العالم

تفتح الترجمة بوابة نحو فهم الآخر، وخصوصاً ترجمة الأدب بوصفه الصوت البعيد نسبياً عن طغيان الإعلام والهيمنة السياسية، من هذا المنطلق، تعمل جون ضاحي المترجمة الدنماركية-السوريّة على تخليص “السوري” من الصورة النمطية الملاصقة له. فضاحي حاصلة على الدكتوراه في اللغات الساميّة، وتعمل في جامعة كوبنهاغن كمدرّسة للآداب العربيّة، وإلى جانب عملها الأكاديمي، عملت على ترجمة العديد من الأعمال الأدبيّة من العربية إلى الدنماركية، كنصوص محمود درويش وواسيني الأعرج، إلى جانب نصوص لسوريين، أبناء بلدها الأصل، مثل رنا زيد وأحمد باشا، كما شاركت في تأسيس المركز الثقافي السوري في الدنمارك للتعريف بالثقافة السوريّة، وخلق تقارب بين المجتمع الدنماركي والسوريين، “العرب” التقت جون ضاحي وكان معها الحوار التالي عن الترجمة والهجرة والثورة السوريّة.

لطالما كان السؤال عن الترجمة مرتبطا بالخيانة، خيانة المُترِجم للنص المُترجَم، لكن ضاحي ترى أن هذا المفهوم عن الترجمة لا يعنيها كثيرا، ويصعب عليها التعامل مع عالم الترجمة من منطلق الخيانة، إذ من الممكن أن يكون فيه بعض الصحة، والأكيد برأيها أن المترجم يكتب نصّه، وهو يمتلك حرية أن يقرر مدى التزامه بحرفية النص الأصلي وتضيف “بالنسبة إليّ عندما أترجم أشعر أن عليّ أن أخلص للنص، وأعيشه لأتحرك براحة بين اللغتين والنصين، وكثيرا ما يحصل نوع من التماهي مع ما يمكن أن نسميه محرِّك النص”. وعن معيارها الشخصي لاختيار النص الذي ستترجمه تقول “إذا كنت أنا من أختار، فيتوقف الأمر على تردد النص في داخلي: هل يتلاقى مع شيء أعرفه من نفسي ولا أستطيع أن أحدّده مثل ما حصل مع مجموعة ‘ملاك متردد’ لرنا زيد، لكن هناك نصوص أيضا تشعر بأهميتها وضرورة ترجمتها لأنه من المهم أن يصل مضمونها الإنساني إلى جمهور جديد، مثل رواية ‘القوقعة’ لمصطفى خليفة ورواية ‘باب الشمس” لإلياس خوري وغيرهما من الأعمال الأدبية”.

الترجمة خطوة

هناك متخيّل غربي عن الشرق لا يمكن تجاهله، وخصوصاً في ظل هيمنة الإعلام، والتشكيلات التي تنشأ في المنطقة والتي تولّد الصور والنصوص الخاصة بها كـ”داعش” وبروبغاندا الأنظمة الدكتاتورية والقمعية، هل ترى ضاحي أن الترجمة كافية لتفكيك هذا المتخيل عبر إغناء لغة “الآخر” بنصوص ذات أصل عربيّ، تعقب بقولها أن الترجمة الأدبية لن تكفي، لكنها قد تساعد بعض الشيء على تنويع المتخيّل الإيجابي، لأنّ من يقرأ تلك الأعمال المترجمة من العربية هو بالأصل مهتم بالمنطقة خارج أوروبا والفضاء الغربي، ولكن مجرد وجود الأعمال المترجمة تعني التنوع في المشهد الأدبي العام، وحالياً سوريا تثير اهتمام الكثيرين.

تضيء ضاحي على جانب آخر مرتبط بالترجمة بقولها “الترجمة الشفهية الحيّة لها دور في تفتيت أو تليين المتخيل السلبي والنمطي، منذ فترة ترجمت في لقاء بين لاجئين معظمهم سوريون ومجموعة دنماركيين يهتمون بمساعدة الغير ويفتحون أبواب المجتمع الدنماركي لهم فتقول إحدى الدنماركيات من الحاضرين ‘كانت تجربة شيقة لي أن ألتقي بهذا العدد الكبير من المسلمين وهي المرة الأولى بالنسبة إليّ’، فأنت كمترجم تستحي من مثل هذه الأقوال ولكن لا بد من ترجمتها، فكان رد أحد السوريين سريع حين قال ‘لماذا لا نقول إن اللقاء يتم بين إنسان وإنسان’. حينها أحسست أن للترجمة دورا مهما لأن لولاها لما تم التبادل بهذه السرعة وبشكل مباشر يبدد أفكار التنميط”. وتضيف أن هناك فئات كبيرة وربما ما يقارب نصف عدد سكان المجتمع الدنماركي إلى جانب السياسيين يتكلمون بالتنميط والأحكام المسبقة بشكل علني، فخطابهم السلبي له تأثيره الواضح على “الرأي العام” أو “الرأيين العامين”، فالبلاد مقسومة إلى قسمين.

لطالما كان السؤال عن الترجمة مرتبطا بالخيانة، خيانة المُترِجم للنص المُترجَم، لكن ضاحي ترى أن هذا المفهوم عن الترجمة لا يعنيها كثيرا، ويصعب عليها التعامل مع عالم الترجمة من منطلق الخيانة

صوت المهمشين

الثورات في العالم العربيّ تحاول التأسيس لخطاب أدبي-ثقافي جديد، خطاب خارج عن سيطرة مؤسسات الماضي، مؤسسات القمع، وعن علاقة هذه الثورات والخطاب الذي تؤسس له مع الغرب تقول ضاحي إنه إذا عدنا للمشهد الأول للثورات في العالم العربي، فإن رد الفعل الأوّلي هنا كان التضامن غير المشروط، وتَفهماً مباشراً أَنسى الناس رؤية الماضي القريب للعرب، بوصفهم مسلمين بالدرجة الأولى، فالثورات في العالم العربي التي فضحت مدى سرقة الحكام من شعوبهم، أشعرت الناس هنا بأن المواطن في الدول العربية يشبههم عندما يطالب بحقوقه، التي هي حقوق بديهية وطبيعية في البلدان الأوروبيّة ولا نقاش فيها. ولكن أتت حركات رجعية كما نعلم جميعا، لتسرق المشهد الإعلامي وتغيّر طبيعة هذه الثورات، وهنا أصبح للأدب دور أهم وأصعب، لأن الأدب لا يزال يحكي بصوت الإنسان العادي الذي يبحث عن طرق تعبيره في مشهد عام يهمّشه.

نشهد الآن الكثير من الأصوات السورية الأدبيّة الجديدة، فهل تجد لنفسها صدىً في الغرب، وخصوصاً أن ملامح “الكتابة السوريّة” لم تتضح بعد، تجيب ضاحي عن مدى تلقّي هذه التجارب في الغرب، بقولها إن الحضور في مجتمع آخر يتوقّف على آليات عملية واستعدادات في ذلك المجتمع لاستقبال هذه الأصوات، ولا تكفي الترجمة هنا، بل لا بد من ساحة ثقافية عامة لخلق فسحة للتعبير، إذ نحتاج إلى مؤسسات ثقافية تقيم أطرا عملية وتفتح فسحة للأصوات الحديثة، وتضرب أمثلة على ذلك بقولها “المركز الثقافي السوري أقام بعض الأنشطة الأدبية، كذلك مؤسسة نسيم الطلابية التي تسعى لتوسيع آفاق الرؤية العامة للشرق الأوسط، بالإضافة إلى وجود دور نشر مهتمة بنشر الأدب المترجم، إلى جانب ذلك شهدنا جهودا كبيرة على الساحة الموسيقية في الدنمارك لاستقطاب أصوات جديدة ودمجها في المشهد، وفعلا أنتجت هذه الجهود طرقا موسيقية جديدة للتعبير، وفتحت المجال لموسيقيين مثل ماهر محمود (عازف عود سوري) وشاهر مرتضى (عازف باز سوري) وبلال إرشيد ( عازف عود فلسطيني) وآخرين ليخرجوا إلى الفضاء الموسيقي الدنماركي لإثرائه وتنويعه، شاركت مجددا بالترجمة لمجموعة قصائد للشاعر السوري جان بت خورتو في مشروع جميل جدا حيث تعرض القصائد المترجمة مع مجموعة لوحات تشكيلية للفنانة الدنماركية ترينا كاندبورغ بالتزامن مع إصدار القصائد في كتاب مع صور اللوحات”. وتضيف أن اللوحات نفسها تم رسمها عبر تحويل صور فوتوغرافية التقطها مصور دنماركي العام الماضي في حلب، إذ تمكنت الفنانة في رسومها من إبراز إنسانية الأشخاص بشكل يحاكي الدافع الموجود في القصائد.

ضبابية الاندماج

الغرب الآن يستقبل أفواجا من اللاجئين والمهجّرين، وتسعى مؤسساته لتوطينهم عبر مؤسسات الاندماج (integration)، فهل ستبقى صورة اللاجئين بسبب هذه المؤسسات محكومة بالدونية بوصفها “مهاجرة”، وهل هي قادرة على تجاوز رؤية الغرب القائمة على اللاتساوي بين الاثنين بحجة الفروق الحضارية، نحو رؤية الاختلاف بالقيم لا الاختلافات الإنسانيّة، تعقّب ضاحي بأننا نرى في هذه الفترة تطورات سلبية سريعة جدا في المجتمع الدنماركي، تتمثل في مبادرات تخون دولة المواطنة بل ودولة الرفاهية، عبر خلق تمييز واضح بين القادم الجديد والمواطنين حيث كان المبدأ في الماضي أن يشمل المجتمع القادمين الجدد كمواطنين سواسية، ومثال ذلك إقامة مخيمات لاستقبال اللاجئين، برغم وجود مكان فسيح لإسكانهم بشكل يليق بمجتمع غنيّ مثل المجتمع الدنماركي.

ضاحي: هناك متخيّل غربي عن الشرق لا يمكن تجاهله

وتضيف “لا تحدث مثل هذه التغييرات إلا لأن هناك قاعدة شعبية تدعم إجراءات التمييز، ولكن في الوقت نفسه، في دولة مثل الدنمارك هناك تقليد تضامني أقيمت دولة الرفاهية عليه، وهذا التقليد ما زال حياً على المستوى الشعبي والمدني، فبالتزامن مع تعالي أصوات التطرف في الدوائر الحاكمة، ينشط المجتمع المدني بشكل لا سابق له، إذ تم تأسيس جمعيات تهتم باستقبال اللاجئين باحترام، ومساعدتهم في فترة تأسيس في مجتمعهم الجديد بشكل معنوي واجتماعي معا، كما أن النقابات واعية بشكل كبير بالمسؤولية الإنسانية تجاه السكان الجدد، فمسألة الدونية المخجلة وبقاؤها يتوقفان على مدى التعامل بين المجتمع المدني وفئات اللاجئين، وقدرة القادمين الجدد على أن يصبحوا جزءا من المجتمع المدني لمخاطبة المؤسسات الرسمية التي هي البلديات في الدرجة الأولى”.

تيارات الظلام

حالياً هناك تنظيم ظلامي في الشرق هو “داعش” يبث النصوص والصور للغرب مستنداً للمتخيّل والمقدس في ذات الوقت، ليصبح تعبير “جنّة الجهاديين” شبه واقعي، كيف تفسّر ضاحي ظهور هذه السردية المهمّشة فجأة بكل عنفوانها، لا بوصفها تنظيما صغيرا، بل “دولة” كما تدّعي، وهل تعتبر ظهور هذا التنظيم الأشبه بشركة دولية مساهمة حدثا طبيعياً، أم ترى فيه جانبا من التلفيق كما يرى البعض، أم أن للقدسيّة التي يمتلكها النص القرآني الذي تستعمله كبيان شخصي دور في ذلك، تجيب ضاحي عن مجموعة التساؤلات هذه بقولها “السؤال معقّد، وأنا شخصياً أحاول الابتعاد عن التحليل السياسي، ولكن أكيد مثل هذا التنظيم الذي ظهر في حالة فيها فوضى وفراغ سلطوي، مشابه لما حدث في أفغانستان بعد احتلال الاتحاد السوفييتي لها، إذ أسس الأميركان مقاومة ضد هذا الاحتلال، واستخدموا الإسلام كعنصر جامع لقواتهم، وهو عمليا بداية تنظيم القاعدة التي أصبحت عدوّهم الأول، إلى حين ظهرت داعش التي تنوعت الأقاويل حول تأسيسه، ولربما كان الأمر تكراراً لقصة أفغانستان، بمعنى أن الغطاء الإسلامي لداعش ليس إلا وسيلة تديرها مصالح أخرى، تغطي على مصالح الدول، وبالنهاية، هذا مجرد إحساسي الشخصي”.

الجغرافيا والتأليف

تمتلك ضاحي علاقة مميزة مع الجغرافيا العربيّة، إذ زارتها، وترجمت نصوصاً وليدة فضاءاتها، وعن أثر هذه الزيارات على فعل الترجمة/التأليف تقول “لقد زرت مناطق المتوسط، وأقمت علاقة حميمية مع تضاريسها، وتعرّفت على ألوانها وعلى ناسها، بالإضافة إلى الرابط الشخصي الذي يجمعني معها من جهة الأب والزوج، وهذا ما شكّل في ذهني صوراً عن المدن والقرى والبادية والأنهار، ما ساعد على خلق فسحة للكلمة عندما تُترجم، ومن الممكن أني أضيف هذه الفسحة على النص المترجم، لكني حقيقة، لا أعرف”.

ضاحي: ليقين الوحيد هو أن لا حزب ولا دين يستطيع احتكار ما سيتبلور فهو المعنى الحقيقي لكسر حاجز الخوف

الذاكرة والموت

سوريا الآن تتعرض لهجمات مختلفة تسعى لتدميرها، وكأنها تتلاشى كما نعرفها لتتحول إلى ذاكرة ونصوص، هل هذه النصوص التي توّلد الآن قادرة على تكوين هوية وانتماء للسوريين الذين ولدوا وسيولدون خارج سوريا، أي هل سنجد جسدا ثقافيا -أدبيا يشكّل الانتماء السوري الجديد- بعيداً عمّا يبثه الإعلام، أم أننا في سبيلنا إلى فقدان كل شيء مادامت الشواهد الحجرية القوية الدالة على انتماءاتنا الحضارية تُزال من الوجود اليوم في سوريا والعراق حيث مهد الحضارة الإنسانية تجيب ضاحي “سؤال كبير وأكيد، الإجابة ستتسم ببعض العموميات لأنّنا لا نعرف المستقبل. حقيقة السؤال عن الانتماء والهوية هو سؤال صنع وطن، والسؤال عن الجسد الثقافي أو التراث الفني والفكري والثقافي في رأيي هو مجموع ما يصنعه السوريون في الداخل والخارج، يعني في الخطوط العريضة لتكوين ثقافة يجب أن تجد سوريا طريقة دمج نتائج وذاكرة الحرب التي تجري على أرضها مع تجربة الهجرة الجماعية ودمج ما يُحتفظ من الماضي من التراث المادي وغير المادي. الثقافة في طبيعتها متحركة ومن الصعب حصرها فالخيار لإبقاء الثقافة حيّة هو خلق آليات تستوعب التجربة المشتركة. من المؤكد أن الحرب وتراكماتها ستكون مرجعا مشتركا للسوريين، فسيكون هناك في الذاكرة المشتركة ‘قبل الحرب’ و’بعد الحرب’ لأن الحرب أحدثت تغييرا في حياة جميع السوريين ويشتركون في شعور أنهم تُركوا لمصيرهم دون اكتراث بقية العالم بمعنى أنظمته السياسية في مأساتهم. فالسؤال على المدى البعيد والمهم في تأسيس كيان سياسي جديد اسمه سوريا وستكون قدرة ذلك الكيان على استيعاب التجربة المشتركة”.

وتضيف أن جروح الناس ستكون جزءا مهما من هذا التراث الجديد. وما تقوم به مراكز مثل بيت المواطن في بيروت ومركز هامش في إسطنبول ومؤسسات مثل مجلة بدايات وموقع الجمهورية ومثل حكاية ما انحكت ومؤسسات أخرى من خلق هيكليات تجمع التجارب والحركات الثقافية والفكرية وإفساح المجال لمناقشات ثقافية وسياسية في غاية الأهمية كما ترى، بوصفها ستلعب دورا مهما في كيان سوري جديد مهما كان شكله. وتختم بقولها “اليقين الوحيد هو أن لا حزب ولا دين يستطيع احتكار ما سيتبلور فهو المعنى الحقيقي لكسر حاجز الخوف. السوريون يصنعون ويبدعون ويعيشون كما يريدون ما دام لا يمنعهم من ذلك الصراع اليومي لأجل البقاء أحياء على أرضهم، وكأفراد لا نستطيع إلا أن نجمع ما يتبقى في أذهاننا وفي الإنتاج الثقافي الباقي مثل الإنتاج الأدبي والعلمي الذي يعمل الكثيرون على الحفاظ عليه، ولكن علينا أيضا أن نحترم اللحظة الثورية ورغبة معظم الناس في التغيير ولا نجمد الماضي كصورة مؤطّرة”.

كاتب من سوريا

14