جون كريان درس ألماني في الإدارة للشرق والغرب

السبت 2015/07/11
جون كريان يسعى لإعادة الثقة إلى "دويتشه بنك" بعد أن هز سمعته الفساد

من آمن العقوبة أساء الأدب، ومن يشعر بنفسه أنه فوق القانون يقوم بخرقه وليجني ثروات محرمة، فالفساد لا يهبط دفعة واحدة، بل يأتي على مراحل، والفساد البنكي لا يأتي بشكل مفاجئ، بل يحتاج إلى تخطيط دقيق لخرق إجراءات الحوكمة في البنوك، ويحتاج إلى هيمنة قوية من متنفذين داخل البنوك لنصب أفخاخ تشكل خروقا خطيرة لاصطياد الثروات السوداء، وفي التعامل البنكي السريع اليوم عبر القارات، ترتكب الجرائم المالية في لحظة واحدة، ما يستدعي إجراءات أكثر اقترابا واقعيا من العالم الافتراضي.

بصلة إنكليزية على الأنف الألماني

أعلن بنك الاستثمار الألماني في السابع من يونيو هذا العام اختيار الإنكليزي جون كريان، المدير المالي السابق لمجموعة “يو بي إس” لمنصب المدير التنفيذي للبنك الألماني العريق، في محاولة من البنك لتجاوز الصعاب التي تواجهه أمام أكثر من سلطة قضائية في العالم وفضائح تلاعب بأسعار الفائدة.

فماذا ينتظر حملة أسهم البنك الألماني الذين كسروا على أنوفهم بصلة باختيار المحاسب الإنكليزي الصارم لإخراج أسهمهم من الأزمات المريرة التي توالت على البنك من جهات الأرض الأربعة؟

تشير سيرة المحاسب جون كريان إلى ذكائه في مواجهة الأزمات وقدرته التحليلية العالية واستيعاب دماغه لحركة المليارات من الدولارات عبر الأقنية الاستثمارية ولعل أهم ما يميزه في علاج البنك الألماني الذي أعياه الفساد مقدرته المجربة على إقناع البنوك العملاقة بتناول الأدوية مريرة الطعم لمواجهة أزماتها الصعبة.

يأتي كريان إلى دويتشه بنك وفي ذهنه معرفة وخبرة عميقة ودقيقة بأعمال البنك الذي التحق بالمجلس الرقابي له في عام 2013، حيث شغل منصب رئيس لجنة التدقيق والمراجعة وعضوا في لجنة تقدير المخاطر.

سجل كريان في مواجهة أزمة 2008

يسجل لكريان عام 2008 مع تعمق الأيام السوداء للأزمة المالية التي تسببت بها الفقاعة العقارية، تولي منصب المدير المالي لدى مجموعة يو بي إس UBS المالية السويسرية التي تعرضت لعملية إعادة هيكلة شاقة وجذرية وأجبرت فيها على شطب ما قيمته 50 مليار دولار من مجمل أصولها مما أسفر عن حصيلة إيجابية خلّصت المصرف من تبعات الأزمة المالية، وأعادت المصرف السويسري للمسار الصحيح.

السلطات القضائية الأميركية تجري ومنذ العام 2009 تحقيقات متواصلة مع البنك الألماني دويتشه بنك لمعرفة إن كان قد حول مليارات الدولارات لحساب إيران التي خضعت لعقوبات دول 5+1 التي فرضت خلال السنوات العشر الماضية على البنوك الإيرانية والمؤسسات والشركات بهدف الضغط على إيران لوقف برنامج التخصيب النووي

لهذا يحدو الكثير من المساهمين الكبار في البنك الألماني الأمل في أن كريان، وهو المصرفي الذي عمل في مؤسسات مالية كبيرة من قبل، سيأتي بمنظور جديد من حيث الميزانية العمومية واستراتيجية البنك الكلية.

وينتظر من جون كريان الإداري المنضبط الحازم، الانتقال بدويتشه بنك من إحدى الفرق الإدارية ضعيفة الكفاءة، من زاوية المستثمرين، إلى واحد من أكثر الفرق المتمتعة بالمصداقية كما ينتظر منه إجراء تغييرات مهمة في دويتشه بنك كزيادة رأس المال وأن يقلص بقوة أكبر من الخسائر المستمرة التي خلفتها فضائح الإدارة السابقة.

كريان يصفه زملاؤه في بنك إس جي واربورغ في لندن بأنه عقلاني، وهادئ، ومفكر عميق، وليس من عشاق المظاهر وأنه يعبر عن الصورة المضادة للنموذج الشائع لكبار المتداولين أو الرؤساء التنفيذيين بالبنوك الكبرى.

المحاسب المخضرم، كان قد التحق بالعمل لدى بنك إس جي واربورغ في عام 1987. وظل في عمله هناك حتى صار البنك جزءا من مجموعة يو بي إس المالية. وعاش كذلك في ألمانيا لفترة خلال حياته المهنية ويتحدث الألمانية بطلاقة، مما قد يفيده كثيرا في منصبه الجديد حيث أن دويتشه بنك هو أكبر بنوك البلاد قاطبة.

كان كريان جزءا من فريق الخدمات المالية المصرفية. وقد تقدم بنصائحه لصالح بنك إيه بي إن أمرو الهولندي، خلال دفاع البنك ضد جهود الاستيلاء والسيطرة عليه في عام 2007. كما كان مصرفي العلاقات الرئيسي لدى بنك ستاندرد تشارترد حيث عمل على الكثير من عمليات الاستحواذ، ومن بينها الاستحواذ على مانهاتن كارد بواسطة بنك مانهاتن تشيس في عام 2000 وبنك ناكورنثون في تايلاند عام 1999 وكان وكيل الاكتتاب العام المبدئي في بنك الصين.

غادر كريان منصبه في مجموعة يو بي إس UBS في عام 2011 بعد ترقيته إلى منصب المدير المالي للمجموعة، فضلا عن رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لفرع المجموعة في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي العام التالي، صار مدير فرع أوروبا في تيماسيك، وهو صندوق الثروة السيادية الضخم لدولة سنغافورة، حيث بقي هناك لمدة عامين.

استقالة الفساد

وقد أعلن دويتشه بنك الشهر الماضي عن استقالة كل من يورجن فيتشن وإنشو جين، الرئيسين التنفيذيين المشاركين السابقين للبنك، في استجابة مباشرة، في جزء منها، إلى الضغوط الممارسة من قبل المساهمين الذين وجهوا للبنك الكثير من الانتقادات بشأن استراتيجيته المالية، وعوائد الأرباح الباهتة، بالإضافة إلى الأزمات القانونية المتواصلة. وقد أعرب المستثمرون عن قلقهم من أن البنك لم يعمل بصورة كافية على علاج قضاياه القانونية أو ميزانيته العمومية.

وتعتبر استقالة جين (52 عاما) نافذة المفعول اعتبارا من نهاية يونيو الفائت، غير أن فيتشن (66 عاما) سوف يستمر في متابعة مهام عمله لعام آخر ضمانا لانتقال سلس لسلطاته إلى كريان حسبما أفاد بذلك دويتشه بنك وهذا يعني أن كريان سيقود أعمال البنك برفقة فيتشن حتى نهاية العام القادم، ومن ثمة يستأثر بمفرده بمهام الرئيس التنفيذي للبنك العملاق.

يتوقع أن يقلص البنك على يد كريان أصوله المحسوبة بالوزن النسبي للمخاطر بنحو النصف لتصل إلى 150 مليار يورو وتقليص قاعدة التكاليف البنكية بمقدار 3.5 مليار يورو، أي ما يعادل 15 في المئة من التكاليف السنوية

كثيرا ما نال جين الكثير من الانتقادات إثر رئاسته لبنك الاستثمار ضمن دويتشه بنك قبل سيطرته الكاملة على البنك. و كان بنك الاستثمار السبب الرئيس لغالبية المشاكل الحالية التي تواجه دويتشه بنك.

جاء رحيل جين بمثابة مفاجأة كبيرة، رغم كافة مآسي وأزمات البنك. حيث إن المجلس الرقابي قد منحه مؤخرا المزيد من الصلاحيات للإشراف على عملية إعادة هيكلة أخرى يُقصد منها تبسيط البنك وحفظ مبلغ يقدر بـ3.5 مليار يورو أو ما يساوي 3.9 مليار دولار. ولم تلق تلك الخطة قبولا أو استحسانا.

دبي تطلق صافرة الإنذار

في منتصف مارس 2015 أعلنت الهيئة التنظيمية للمنطقة المالية الحرة في جبل علي فرض أكبر غرامة في تاريخ منطقة جبل علي بدبي بسبب ما وصفته الجهة الرقابية المالية أنه “خروق خطيرة” ارتكبتها وحدة إدارة الثروات التابعة للبنك الألماني في الإمارة الخليجية.

وفرضت يومها سلطة دبي للخدمات المالية غرامة بلغت 8.4 مليون دولار أميركي في صفعة تنظيمية للبنك الذي مقره فرانكفورت الذي فتحت له ملفات قضائية وتسويات محتملة بمليارات اليوروهات تسبب بها التلاعب في أسعار الفائدة وأسعار الصرف الأجنبي القياسية.

وقال بيان لسلطة دبي إن الغرامة التي فرضتها أتت وفقا لمراسل رويترز في دبي بعد التحقيق في أنشطة دويتشه بنك في الفترة من أول يناير 2011 حتى 22 يناير 2014 وهو ما كان دافعه الأصلي بواعث قلق من أن العملاء لا يستفيدون من الحماية التي تكفلها لهم قواعد الجهة التنظيمية.

وكانت سلطة دبي “اشتبهت بداية بأن دويتشه بنك أخفق في تصنيف بعض زبائنه كعملاء وفق أنظمة سلطة دبي للخدمات المالية مما أدى بالتالي لحرمانهم من الحماية الممنوحة لهم في النظام التنظيمي المعتمد من سلطة دبي للخدمات المالية”.

و”أثناء التحقيق تبين للسلطة وجود إخفاقات أوسع لدى دويتشه بنك إيه جي فرع مركز دبي المالي العالمي”. فتوسعت سلطة دبي للخدمات المالية في تحقيقاتها التي أظهرت أن دويتشه بنك “كان على علم من أن قسم إدارة الثروات الخاصة كان يمارس أعماله مخالفا متطلبات سلطة دبي للخدمات المالية إلا أنه لم يتخذ الخطوات اللازمة لمعالجة الخلل”.

وأوضحت السلطة أن خروقات دويتشه بنك تشمل “تضليل سلطة دبي للخدمات المالية بالإضافة إلى إخفاقات متعددة في الحكومة الداخلية لدويتشه بنك وفي أنظمته وضوابطه وفي إجراءاته المعتمدة لقبول العملاء ومكافحة غسيل الأموال”.

وقال إيان جونستون الرئيس التنفيذي لسلطة دبي للخدمات المالية، لوكالات الأنباء إن جزءا كبيرا من الغرامة يتعلق بطريقة تعامل البنك مع السلطة في بادئ الأمر وهو ما يظهر أهمية الشفافية في التعامل مع الهيئة التنظيمية. ونتيجة التعاون الذي أبداه دويتشه بنك في التحقيقات قررت دبي منحه تخفيضات على الغرامة 20 بالمئة إثر موافقة البنك على التسوية.

الاتهامات التي أتت من غرب الأرض وشرقها عكست على سمعة البنك مما أدى إلى تراجع الثقة بهذين المسؤولين اللذين حصلا في مايو الماضي على 61 في المئة فقط من أصوات المساهمين

لذلك فقد طلبت سلطة دبي من دويتشه بنك حينها، تحسين مستويات الحوكمة لديه، للتأكد من أن الإدارة العليا مطلعة على الأنشطة الجارية في كل ميادين عمل البنك وبما يكفل دقة المعلومات المقدمة للسلطة الرقابية.

البنك الألماني يساعد الإيرانيين

أجرت السلطات القضائية الأميركية منذ العام 2009 تحقيقات عدة مع البنك الألماني دويتشه بنك لمعرفة إن كان قد حول مليارات الدولارات لحساب إيران التي خضعت لعقوبات دول 5+1 التي فرضت خلال السنوات العشر الماضية على البنوك الإيرانية والمؤسسات والشركات بهدف الضغط على إيران لوقف برنامج التخصيب النووي.

وفي الشهر الرابع من هذا العام أعلنت إدارة الخدمات المالية في نيويورك أن مصرف دويتشه بنك وافق على دفع غرامة قدرها 2.5 مليار دولار للسلطات الأميركية والبريطانية وذلك على خلفية فضيحة التلاعب بأسعار الفائدة.

بعد أن وافق مصرف دويتشه بنك على دفع غرامة قدرها 2.17 مليار دولار للسلطات الأميركية، تجنبا للملاحقة الجنائية حول التلاعب في أسعار الفائدة بين المصارف بينها معدلات ليبور.

ووصلت الغرامة المالية 2.51 مليار دولار بعدما أضيف إليها مبلغ 344 مليون دولار فرضها المنظمون الماليون البريطانيون، وفقا لما روته وزارة العدل الأميركية بعد أن وافق يومها مصرف الاستثمار الألماني على الاعتراف بذنبه وبفشل أنظمة الرقابة لديه.

أمام محكمة الغش الألمانية

شكل الثنائي أنشو جين و يورغن فيتشن رئاسة تشاركية للبنك الألماني، الذي يئن منذ فترة تحت تهم فساد وغسل أموال وتلاعب بعامل الفائدة مما دفع محكمة ميونيخ لمكافحة الغش لإحضار يورغن فيتشن برفقة رؤساء سابقين لمصرف دويتشه بنك للمثول أمام قوس محكمتها، الأمر الذي جعل المصرف يمر بأوقات عصيبة، لا تبدو لها نهاية في الأفق. خاصة مع ظهور اتهامات جديدة من روسيا تتعلق بغسيل الأموال.

وعكست الاتهامات التي أتت من غرب الأرض وشرقها على سمعة البنك مما أدى إلى تراجع الثقة بهذين المسؤولين اللذين حصلا في مايو الماضي على 61 في المئة فقط من أصوات المساهمين، علما بأنه من المعتاد أن تحصل رئاسة البنك في مثل هذه الانتخابات على 95 بالمئة من الأصوات بعد تقلص رصيد جين وفيتشن إثر توالي الزج بالمصرف في فضائح كثيرة، ما أجبره على دفع غرامات تقدر بالمليارات وتضرر الصورة العامة للمصرف بشكل حاد.

سيرة المحاسب جون كريان تشير إلى ذكائه في مواجهة الأزمات وقدرته التحليلية العالية واستيعاب دماغه لحركة المليارات من الدولارات عبر الأقنية الاستثمارية ولعل أهم ما يميزه في علاج البنك الألماني الذي أعياه الفساد مقدرته المجربة على إقناع البنوك العملاقة بتناول الأدوية مريرة الطعم لمواجهة أزماتها الصعبة

وكان لنتيجة تصويت المساهمين في نهاية اجتماعهم دوي الصفعة على الخد: فقط حوالي 60 بالمئة من المساهمين من صوّت لصالح إدارة المصرف، وهو ما يعد نتيجة كارثية، وكان من الواضح أنه لا يمكن ببساطة الانتقال إلى جدول الأعمال وكأنّ شيئا لم يحدث. في الوقت الحالي زاد ضغط المساهمين الكبار على مجلس إدارة المصرف للتفاوض، وهم الذي كانوا لوقت قريب إلى جانب جين وفيتشن.

كريان و إخراج دويتشه بنك من الحفرة

بالإضافة إلى بيئة التنظيم المالي والإداري المُتشددة على نحو متزايد، يواجه كريان بعض المسائل الاستراتيجية العميقة التي يتعين عليه حسمها، أهمها إعادة الأمل والثقة لكبار المساهمين أولا والبدء بتنفيذ استراتيجية استمرار دويتشه بنك في دوره كبنك شامل نشط على المستوى العالمي في القطاعات الأربعة التي كان يعمل بها من قبل وهي المصرفية الاستثمارية، وإدارة الأصول والثروات، ومصرفية التعاملات التجارية، ومصرفية التجزئة وكذلك تقليص حجم البنك.

ويتوقع أن يقلص البنك على يد كريان أصوله المحسوبة بالوزن النسبي للمخاطر بنحو النصف لتصل إلى 150 مليار يورو وتقليص قاعدة التكاليف البنكية بمقدار 3.5 مليار يورو، أي ما يعادل 15 في المئة من التكاليف السنوية.

وسيحتاج كريان أيضا إلى إعطاء إشارة بالتوجه الاستراتيجي الواضح، واستعادة الروح المعنوية المتضررة لدى الموظفين، ومما يُعَقِّد عمل كريان اجراءات التدخل التنظيمي الموجودة إلى جانب فضيحة التلاعب في معدلات ليبور، يواجه دويتشه بنك أيضا تحقيقات في ادعاءات بأنه كان يتلاعب في أسواق العملات الأجنبية، ويتلاعب في أسعار المعادن الثمينة، ويخالف قوانين العقوبات الأميركية. فهل يستطيع جون كريان المدير الجديد لدويتشه بنك إعادة ترتيب الأوراق بشكل جيد لإخراج البنك من الحفرة التي أسقطه فيها الفساد؟

13