جون كيري.. وجه أبيض لرئيس أسود تتدلى من عنقه ميدالية رسم عليها قديس سوري

السبت 2013/12/14
كيري سيفرض الرؤيا التوراتية على خرائط السياسة العالمية

يمكن العثور على معلومات عن عضو منظمة «الجمجمة والعظام» المتطرّف جون كيري بوضع الكلمات التالية على محرك البحث غوغل «John Kerry Admits Skull and Bones Membership» حينها سيظهر جون كيري متحدثا لبرنامج تلفزيوني وهو لا ينكر تاريخه وانتماءه لتلك المنظمة السرية التي ضمّت في من ضمتهم الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش قائد مرحلة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.

كان ظهور جون كيري في المشهد هو آخر ما ينتظره العرب في ذروة نزاع المحاور في المنطقة، بعد تحوّل الثورة السورية من ثورة شعب ضد حاكم إلى لعبة وجود أو عدم وجود بالنسبة إلى إيران وروسيا من جهة والمحور العربي من جهة أخرى، وحين خلف كيري وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على المنصب، ظهر وكأنه يصرّ على رفع صوته بشعارات مطمئنة للعرب والمسلمين وكذلك السوريين، في الوقت الذي شق الشهور العشرة الماضية ببراعة ودهاء محوّلا الموقف الأميركي من راع صاحب مصالح عليا واستراتيجية في المنطقة إلى ضيف خجول آخذ في الانسحاب من هذا الملف أو ذاك.

جون كيري الأميركي المحظوظ الذي يرتدي قلادة لأحد القديسين السوريين طيلة الوقت تتدلى من عنقه برسم للقديس ربروبس (كريستوفر) الذي تمّ تعذيبه على يد الرومان في القرن الثاني الميلادي، ثم قطعوا رأسه بالسيف، وهو المسيحي السوري الكنعاني الذي عاش في كيليكيا، وطوّبته الكنيسة «شفيع المسافرين»، كان كريستوفر قد قاد جون كيري إلى لقاء بشار الأسد ست مرات من قبل، وتناول معه الغداء في المطاعم الدمشقية، وارتبط معه بصداقة عائلية، حين أرسل مندوبا عن الإدارة الأميركية لإعادة تأهيل الديكتاتور السوري مجددا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وإجبار الجيش السوري على الانسحاب من لبنان، ليعود إلى بلاده كل مرة مدافعا عن صديقه الأسد في الأوساط الأميركية، وقام بدور الوسيط خلال العامين 2010 و2011 بين بشار الأسد وإسرائيل لاستئناف محادثات السلام، وكان من المؤيدين لفكرة أن «دبلوماسية الاشتباك» Engagement Deplomacy مع سوريا سوف تساعد على تغيير توجه النظام السوري بعيدا عن من كل إيران و«حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية، وكثيرا ما روّج لفكرة أن بشار الأسد يعدّ رئيسا «إصلاحيّا».


المحامي والتغيير المطلوب

جميع الملفات التي أطلقها كيري في أفغانستان وسوريا وفلسطين وإيران.. قنابل موقوتة قد تنفجر في وجهه في أي لحظة


ولد جون كيري في العام 1943 لوالد متطوع في سلاح الجو الأميركي، وأحد المشاركين في الحرب العالمية الثانية، لينشأ مع أسرته في ماساتشوسيتس، حيث درس بعدها في جامعة يال الشهيرة التي خرّجت معظم السياسيين والمسؤولين الأميركيين، حتى العام 1966، ثم في بوسطن بعد عشر سنوات، وشارك في حرب فييتنام الأميركية الشهيرة، تخصص في المحاماة، واتجه إلى السياسة ليصبح حاكما لولايته في العام 1983، وعضوا في مجلس الشيوخ في العام 1984، وأظهر اهتماما في قضايا الطفولة والتعليم والاقتصاد، وتمكن من اكتساح جميع المنافسين الديمقراطيين من أعضاء حزبه متقدمأ لمنافسة جورج دبليو بوش في انتخابات الرئاسة، ولكن بوش الابن انتصر عليه، فابتعد كيري عن سباق الرئاسة مفسحا الطريق أمام الثنائي كلينتون وأوباما، ليصل في الوقت المناسب في شباط ـ فبراير من العام 2013 إلى منصب وزير الخارجية الأميركية محدثا التغيير المطلوب.

أما التغيير المطلوب، فهو ما كان المحافظون الجدد قد بدؤوه بوصول النجم الأميركي ضعيف الثقافة رونالد ريغان إلى البيت الأبيض، وبدء مرحلة الرؤساء المؤمنين بما تؤمن به الجمعيات السرية، والتي عثرت على تكامل رموزها في العقائد الجديدة التي بنت على القديم من الأفكار والإيمانات، فاختلطت المسيحية باليهودية بالإسلام في نماذج تفكّر باليوم الموعود ومعركة نهاية التاريخ «هرمجدون» التي ستقع على أرض بلاد الشام، قال ريغان في لقاء تلفزيوني مع المذيع الإنجيلي جيم بيكر في العام1980: «إننا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون.. لا شكّ أن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون»، وكان أكثر المؤمنين بها الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كتبت عنه مجلة دير شبيغل الألمانية في العام 2008: منذ ذلك الوقت أصبح بوش واحدا من الستين مليون أميركي الذين يؤمنون بالولادة الثانية للمسيح وهذا ما دعاه إلى القول: بأن «المسيح هو أهم الفلاسفة السياسيين في جميع الأزمنة لأنه ساعدني على التوقف عن شرب الخمر»، أما أكثر تصريحات بوش غرقا في هذا الإيمان فكانت في اتصاله الهاتفي بالرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي أوردت تفاصيله «لونوفيل أوبسرفاتور» في العام 2004 قالت المطبوعة الفرنسية إن بوش اتصل بشيراك قبل أيام قليلة من غزو العراق ليحثه على تغيير موقفه من الحرب على العراق، مستعملا كل طرق الإقناع التي يمتلكها، حتى قال: «إن هذه الحرب تنفيذ لإرادة الله» بينما كان شيراك مندهشا لسماع منطق بوش الذي تابع: «اسمع يا صديقي الرئيس لقد أخذتُ على عاتقي تخليص العالم من الدول المارقة والشريرة وسأعمل على خوض معركة هرمجدون بكل ما أوتيت من قوة»، أغلق شيراك سماعة الهاتف والتفت إلى مساعديه سائلا إياهم عن معنى هرمجدون، وحين تمت الاستعانة بأكثر من المستشارين الكاثوليك والبروتستانت لفهم إيمان بوش «التوراتي».

قال كيري إنه يتمنى لو يأتي يوم يركب فيه طائرة إسرائيلية ويتجول فوق أرض التوراة التي ستمتد إلى سيناء وما وراءها

أما كيري فقد وقع تحت هيمنة أكبر الشخصيات المتدينة في الولايات المتحدة منذ زمن، إنه بيلي غراهام ابن الخامسة والتسعين عاما وأكبر قطب إنجيلي توراتي في أميركا، صاحب النفوذ الكبير على الرؤساء منذ جون كيندي وحتى أوباما، فبمجرد وصول جون كيري إلى مكتبه في وزارة الخارجية، قام بتعيين أول مستشاري وزير الخارجية الأميركية من اللاهوتيين، «شون كيسي» الذي يقول عنه توماس فار، أستاذ الدين والشؤون الدولية في جامعة جورج تاون ومدير مشروع الحرية الدينية في مركز بيركلي: «إن هناك سببا كافيا لنتساءل ماهو الهدف من إشراك الدين في عمل وزارة الخارجية الأميركية» ولكن البروفيسور جد بيردسال، وهو دبلوماسي سابق وأستاذ في جامعة كامبريدج، يرى أن السياسة «تشمل الحرية الدينية، الحرية الدينية والمشاركة الدينية مثل الدوائر المتداخلة، مختلفة ولكنها متكاملة، ويعزز بعضها بعضا إذا نفذت بشكل صحيح، ويمكن أن تشجع على المزيد من الاحترام بين الأديان والحكومات».

وهكذا يصبح التغيير المطلوب هو فرض الرؤية الأميركية ليس الاقتصادية هذه المرة ولا السياسية، بل التوراتية على خرائط السياسة العالمية، ومن سيكون الأفضل سوى جون كيري في ظل رئاسة أوباما الأسود الضعيف الذي لن يتجرأ على مخالفة كبار الكهنة في الصرح الأميركي اليوم؟ فكيري النمساوي اليهودي الذي بدّلت عائلته ديانتها إلى المسيحية الأنجيلية، كان ولم يزل شديد الاهتمام بالكتب المقدسة والأفكار والنبوءات التي وردت فيها، وقد عرف عنه صداقته الحميمة لدولة إسرائيل ومسؤوليها الكبار ومنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي زاره كيري في بيته لتقديم العزاء في وفاة والده، وقد تمنى من قبل قائلا: «هل سيأتي اليوم الذي أتجوّل فيه على متن طائرة إسرائيلية فوق أرض إسرائيل التي ستكون ممتدة إلى سيناء وما وراءها؟»


سبعون عاما حتى جاءت البداية


قرر كيري إعادة فتح ملف مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية من جديد، وقدّم لهذا من خلال استعراض سياسي وجولات عدّة، لم تحرّك ساكنا بعد على مستوى زحزحة صخور كبيرة عالقة في حلق المتفاوضين، وبعد أن أكّدت الإدارة الأميركية استخدام بشار الأسد للكيماوي ضد المدنيين في الغوطتين في ريف دمشق، ظهر كيري ليؤكد أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية، لذا فإن الحل الدبلوماسي هو السبيل الأنسب للحفاظ على مؤسسات الدولة وإحراز تقدم مستقبلي» وأضاف «إن استمرار القتال يعني استمرار الخراب والدمار والكوارث لكل فرد ليس داخل سوريا فحسب ولكن في المنطقة بأسرها».

عين كيري فور وصوله مكتبه مستشارا دينيا يعد الأبرز في وزارة الخارجية الأميركية اليوم

استطاع كيري الذي أكمل سبعين عاما من عمره في العام 2013، أن يحرز تقدما، وفقا لمعاييره، على كل الملفات التي كلّف بإدارتها منذ تعيينها على رأس الدبلوماسية الأميركية، فقد وقع مع الرئيس الأفغاني اتفاق انسحاب للقوات الأميركية من أفغانستان في العام 2014، ورتّب للاتفاق مع إيران لتحديد سقف لتخصيب اليورانيوم، وتمكّن حتى اللحظة من فرض عقد مؤتمر جنيف2 لتطبيق الحل السياسي الذي اتفق عليه مع نظيره الروسي لافروف، وينتقد عضو الكونغرس جون ماكين، أداء كيري، وينتقده العرب والسعوديون، ويعتبرون أن اتفاقه مع الإيرانيين قدّم تنازلات زعزعت ثقة حلفاء الولايات المتحدة بواشنطن، والجميع متفق على أنه لن ينجح في تحقيق ما يعلنه، رغم أن كيري يعترف أن هناك خلافات قد بدأت تنشب بين بلاده وحلفائها، معللا بأن تلك الخلافات كخلافنا مع السعودية ليست أكثر من خلافات تكتيكية، وقال كيري في مؤتمر صحافي في القاهرة الخريف الماضي إن: «هناك بعض الدول التي كانت تريد من الولايات المتحدة أن تفعل شيئا في ما يتعلق بسوريا، لكننا فعلنا شيئا آخر، إننا جميعا نشترك في الهدف، وهو تشكيل حكومة انتقالية يمكنها أن تعطي شعب سوريا الفرصة لاختيار مستقبله، ولا أحد لديه إجابة عن السؤال: كيف يمكن إنهاء الحرب طالما أن الأسد موجود في السلطة» وكان رفض الرياض في 18 أكتوبر من هذا العام 2013 مقعدا غير دائم في مجلس الأمن خطوة غير مسبوقة بهدف الاحتجاج على «عجز» المجلس وعلى موقف واشنطن من التدخل في المأساة السورية، إضافة إلى عدد من الخطوات التي باعدت المسافة ما بين الحليفين التاريخيين.

يأتي كيري في الولاية الثانية لأوباما، ليكون الوجه الأبيض للرئيس الأسود، وليضع حدّا لحلم أوباما في تقديم نموذجه عن الحلم الأميركي، الذي قال يوما للشعب المصري «أنتم ألهمتمونا في ميدان التحرير»، فهناك الكثير من الدوائر الأميركية لا تريد لذلك الإلهام أن يمتد ويتسع ليشكل ظاهرة عالمية.

وترى أنه من الخير حصرها في دول الربيع العربي التي تشهد تداعيات درامية بعد زوال الاستبداد، فكانت لحظة كيري هي اللحظة السورية التي سوف يعمل هو شخصيا على كسر مسار الربيع على صخرتها، رغم تصريحه من باريس بعد استخدام الكيماوي: «إن عدم الردّ على الهجوم الكيماوي سيكون أخطر من الهجوم نفسه».

ولكن كيري لم يدعم الضربة الأميركية، وذهب إلى حل يقضي بتسليم الأسد سلاحه المحرّم دوليا على مراحل، والاستمرار في استخدام الطائرات والدبابات والمدافع، وربما انقلبت الآية على اللاعب الأميركي هذه المرة، فليس كل ما تحسبه وتهندسه الدوائر في واشنطن قابلا للتحقّق.

13