جون ماكين ودوره الاستراتيجي في تجميل صورة أميركا

السبت 2014/02/22
ماكين يلعب دورا في إظهار الوجه الآخر لأميركا

“أرجو من زملائي ألا يشيحوا الطرف عن صور ضحايا نظام الأسد التي سأعرضها، إنها صور المعاناة الحقيقية التي يعيشها السوريون في ظل حرب نظام الأسد على شعبه، إنها 55000 صورة لـ11000 ضحية سورية التقطها رجل في الشرطة العسكرية أرشفها بين مارس 2011 وأغسطس 2013 ثم انشق وانضم للمعارضة. فهو وثّق الإجرام الذي يرتكبه نظام الأسد بحق المعتقلين السياسيين. شُوهدت تلك الصور وصُدّقت من قبل جهات دولية معتمدة وذات مصداقية”.


جون ماكين في شهادته أمام الكونغرس الأميركي


كانت هذه كلمات أحد الطيارين الأميركيين الذين شاركوا في حروب الولايات المتحدة المختلفة على امتداد قارات العالم، أصيب وأسقطت طائرته ووقع في الأسر وتعرض للتعذيب، وغادر الجيش إلى السياسة، ولكنه ما يزال يحمل معه الحلم الأميركي، حتى في زمن أوباما الذي يصرّ على تكريس انسحاب أميركا التدريجي من كل نقاط التوتر في العالم، الأسكتلندي الأصل جون ماكين الذي تلقى علوم الحرب في الأكاديمية العسكرية، ليصبح طياراً مقاتلاً بدءاً من العام 1960، ويسكن في حاملات الطائرات الأميركية التي تجوب البحار.

ذكرت الواشنطن بوست أن السيناتور الأميركي جون ماكين يفكر في الترشح مرة أخرى في انتخابات الرئاسة عام 2016، وسيكون عمره حينها 80 عاما، ونقلت الصحيفة عن ماكين قوله: “أنا أفكر جديا بالترشح، وبإعطاء الأميركيين فرصة للتصويت لي أو ضدي من جديد”، ينوي ماكين خوض الانتخابات القادمة ليقدّم ما لديه للشعب الأميركي، ويعتبر أن تلك مهمة ليست أقل من مهماته العسكرية في الماضي، ولكن السؤال اليوم هل فعلاً جلس جون ماكين بلا تأثير أو مهمة طيلة هذه السنوات؟ وما هو الدور الذي يلعبه في المسرح الأميركي من خلال هجومه العنيف على الإدارة الرسمية الأميركية؟ وهل صحيحٌ أن شخصاً بحجم ماكين لا يدرك أن تحركاته بظاهرها ليست أكثر من تنفيس لاحتقان الشعوب وغضبها على مواقف البيت الأبيض مما يحدث كل يوم في أكثر من بقعة في العالم؟ وليترك انطباعاً أن هناك حكومة ظل وطبقة سياسية أميركية غير موافقة على ما يتخذ من قرارات وينتهج من سياسات.

ظهر ماكين في تونس وسوريا وليبيا ومصر وأوكرانيا مؤيداً للثورات ونادباً على الضعف الأميركي في أنحاء العالم


ماكين ومغامرات فيتنام


اليوم تقدّر ثروة ماكين بقرابة اثني عشر مليون دولار ولكن في أواخر الستينات كاد هذا المليونير يفقد حياته حين انطلق صاروخ نحو طائرته في خليج تونكين، فوقعت سلسلة انفجارات أدت إلى مقتل 134 جندياً أميركياً على الفور وكان ماكين الوحيد الذي نجا من الموت، فتلقى ماكين العلاج وعاد إلى المعركة، ولكن طائرته تعرضت للتدمير مرة أخرى فوق هانوي، فتم إسقاطها مما أدى إلى تكسير يدي ماكين ورجليه وغرقه في بحيرة، قبل أن يأسره الفيتناميون ويوسعوه ضرباً وطعناً بالسكاكين، ثم تم حبسه في سجن “هوالو” حيث تعرّ ض للتعذيب تحت التحقيق، وتمكّن من النجاة بعد سنتين بفضل مكانة والده في الجيش الأميركي وخرج إلى الحرية في العام 1973.


من السلاح إلى السياسة


مع بداية الثمانينات كان جون ماكين قد اكتشف، أنه يمكن للسياسة أن تحقق ما تحققه الأسلحة، وبدأ بعد وصوله سن التقاعد بترشيح نفسه في الانتخابات النيابية الأميركية، فنجح في تمثيل ولاية أريزونا ثم انتقل إلى الكونجرس بعد أربع سنوات.

وظهر ماكين للرأي العام الأميركي حادّ الطباع نزقاً وصريحاً، وشعبياً أيضاً ،الأمر الذي خوّله من احتلال ساعات البث في البرامج التلفزيونية وصفحات الجرائد، واختاره جون كيري في انتخابات العام 2004 كنائب له حين ترشّح للرئاسة ولكن ماكين رفض وناصر جورج بوش في حملته وفي حروبه على العراق وأفغانستان.

في الكونجرس خالف ماكين حزبه الجمهوري في مرات عديدة، وصوّت ضد قرارات الحزب، وأسياد المال، وهاجم بشدّة دونالد رامسفيلد ومعتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب، وفي العام 2000 حين ترشّح للانتخابات الرئاسية ضد بوش لم يوفّر الهجوم على الزعماء الدينيين الذين دعموا بوش الابن، وصنعوا ما عرف فيما بعد بالمحافظين الجدد، وفاز بوش وخسر ماكين ولكنه ربح الشعبية الكبيرة في أميركا والعالم.

قاتل في فيتنام وأسقطت طائرته وتم أسره وتعرض للتعذيب ثم عاد إلى الحرب وانتقل إلى السياسة


الصوت الآخر


يبدو جون ماكين منحازاً لكونه “الصوت الآخر” في أميركا، فلو ذهب الرؤساء الأميركيون غرباً سيذهب جون ماكين شرقاً، ولو أخذوا موقفاً حذراً من الإخوان، دافع عنهم ماكين بشراسة، ولكنه لا يستطيع إلا أن يكون متوافقاً معهم في دعم إسرائيل، فسيجد المراقب أن جون ماكين لا يكتفي بدعم تل أبيب ولكنه أيضاً يضع اللائمة على الفلسطينيين، ويطالبهم بتنفيذ شروط مستحيلة لتحقيق السلام، وحين زار إسرائيل في العام 2008 قال:” إن هذا هو الوقت المناسب لإعلان مدينة القدس عاصمة أبدية لـ (دولة إسرائيل) ويجب على المجتمع الدولي الاعتراف بهذا الحق”.

ومع بدء ثورات العالم العربي، ساند ماكين التغيير في الشرق، مع أنه كان قد أكّد على ضرورة المحافظة على علاقات الولايات المتحدة مع حكومات قوية ذات قبضة حديدية في بلدانها، مع تردد الولايات المتحدة في دعم تلك الثورات، واختيارها لاستراتيجيات مختلفة للتعامل معها، سواء في تونس أو ليبيا أو مصر وسوريا، وفاجأ الجميع بتسلله عبر الحدود التركية السورية ودخوله إلى معسكرات الجيش الحر، تأييداً لمطالب السوريين بالتغيير، فنقلت وكالات الأنباء صور ماكين وهو يلتقي عددا من قادة المعارضة.

واجتمع ماكين خلال وجوده في سوريا مع عدد من قادة الثوار، وأعضاء في المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر، كما اجتمع إلى شخصيات سياسية معارضة دخلت سوريا خصيصا من أجل الاجتماع به.

وكان ماكين قد طالب مراراً بفرض منطقة حظر جوي في الأراضي السورية المحررة، وتحدّث مع الضباط السوريين عن هواجسه حول تزايد التطرف في سوريا، إلى جانب احتياجات الجيش السوري الحر.

ومع انهيار حكم الإخوان في مصر كان جون ماكين أول الواصلين إلى مطار القاهرة، ليلتقي بالأطراف المختلفة، وخرج غاضباً مما سمعه من المسؤولين، ما تسبب بموجة هائلة من السخط على تصريحاته واتهامه بمناصرة الإخوان.

ظهر ما كين على فوكس نيوز مع المحاور الأميركي برايان كيلميد، ليشرح مطولاً معنى التكبيرات في الثقافة الإسلامية عند شعوب الشرق الأوسط، قال كيلميد: “نحن أمام مشكلة بمساعدة هؤلاء الصارخين (الله أكبر) عند كل ضربة يقومون بها” فسأله ماكين: “هل ستكون لديك مشكلة مع أميركي يلفظ عبارة “شكرا لله.. شكرا لله..؟ هذا ما يقولونه” وأضاف: “طبعا إنهم مسلمون، لكنهم معتدلون، وأؤكد بأنهم معتدلون.. أعرفهم وكنت معهم”. وأكّد ماكين: أن ما نسبته 7 % فقط من 100 ألف مقاتل هناك متشددون، والباقي معتدلون ويمكننا مساعدتهم”.

ولم يتوقف بعد ذلك هجوم ماكين على الإدارة الأميركية، فانتقد بشدة ملفات السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، واتهمها بالانسحاب وتقويض النفوذ الأميركي، وقال: “إنه يشعر بخيبة أمل عميقة تجاه أداء وزير الخارجية، جون كيري، سواء كان ذلك فيما يتعلق بسوريا، أو إيران، أو العراق، أو أفغانستان، أو عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية”. وأضاف: ” كل هذه الملفات كانت فشلاً ذريعاً، وتأثير الولايات المتحدة في العالم العربي لم يكن أبداً بهذا الضعف، الإدارة فشلت في الشرق الأوسط بكل طريقة ممكنة، خسرنا التأثير، وخسرنا السلطة، ويتم النظر إلينا كضعفاء وعديمي الحيلة، إن صورة الولايات المتحدة هي أسوأ ما رأيته في حياتي”.

قال ماكين: أنا أكبر سناً من القذارة، ولديّ ندوب أكثر من فرانكشتاين، ولكنني تعلمت بعض الأشياء في الطريق


ليبيا أوكرانيا ودور ماكين


يلعب ماكين دور إظهار الوجه الآخر لأميركا، حيث تجري ترتيبات زياراته لمناطق التوتر بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، وليس رغماً عنها، فيكون التشدد في المطالب من طرف ماكين سابقاً لتراخي البيت الأبيض في تنفيذها، لتصوير الانقسام الأميركي الذي بدأ يظهر وكأنه متفق عليه أكثر مما هو وضعية سياسية داخلية، فلم يكن الجمهوريون متوافقين في أي وقت مضى مع ديمقراطي في البيت كما هم متوافقون اليوم مع أوباما.

وبات من اليسير تتبع خطوات جون ماكين إلى جغرافيا العالم، مع نشرات الأخبار، فقد وصل إلى طرابلس الغرب في أواخر العام 2013 والتقى مع رئيس البرلمان الليبي نوري أبو سهمين وناقش معه أوجه التعاون بين البلدين.

وقال ماكين في طرابلس :”جئتُ من أجل تقديم المشورة والمساعدة للشعب الليبي في كافة المجالات التي يحتاجها من أجل بناء دولة ليبيا الجديدة”. وشرح ماكين صعوبة التحولات في ليبيا قائلاً: ” ستكون هناك بعض التحديات في مجال الديمقراطية في ليبيا ونحن نعلم أن هناك عقبات وأن ليبيا سوف تتخطاها بكل يسر ونجاح”.

وفي أوكرانيا، ظهر ماكين في ساحات الاعتصام، وألقى خطاباً طمأن فيه المتظاهرين بأنهم سينضمون إلى الاتحاد الأوروبي، وقال: “يا شعب أوكرانيا، هذا هو وقتكم، وهذا الأمر يخصكم أنتم وحدكم وليس أي أحد آخر، وهو يتعلق بالمستقبل الذي تنشدونه لبلادكم، والمستقبل الذي تستحقونه”. وحذّر الشرطة الأوكرانية من إيذاء المتظاهرين بالقول: ” فلتكن مسؤوليتكم في حماية مواطنيكم هي دافعكم الأساسي”. الواقع أن ماكين لم يستطع تجميل صورة الولايات المتحدة، ولم يكن مقنعاً بما يكفي أمام شعوب تجاوزت ما لدى الأميركيين من تصورات عنها، ولم يقدّم السيناتور أكثر من الحضور الصوتي والشعارات، فيما تنكفئ بلاده إلى شؤون أخرى، غير مكترثة بما يحدث في العالم بعد أن اشتغلت على مدى قرن كامل على تدمير كل مراكز القوى المختلفة فيه والتي كانت تصنع توازناً للرعب والضعف في آن معاً.

15