جون مالكوفيتش ممثل يخرج من عقله ليصبح صورة للآخرين

السبت 2014/11/29
مالكوفيتش رغب بالتضحية بروبرت فيسك وتفهم دوافع الحادي عشر من سبتمبر

رغم أن جون مالكوفيتش كان قد أجاب على سؤال يخص رغبته بالقتل بُعيد أحداث الحادي عشر من أيلول، بالقول إنه “يرغب بالتضحية بالصحفي البريطاني روبرت فيسك” إلا أن هذه الإجابة التي كثيراً ما ذكرها فيسك كدليل على تعرضه للتهديد، لم تنزع عن مالكوفيتش أسطورته الشخصية المحببة للكثيرين من عشاق المسرح والسينما.

فقد بدأ ومازال ممثلا متفردا، يشار إليه دائما على أنه صاحب نزعة خاصة في صناعة الشخصية الدرامية، إن كان على الخشبة، أو أمام الكاميرا.

رغبة مالكوفيتش بالتضحية بروبرت فيسك، بدت لمن يعرفون تجنبه الحديث بالسياسة علنا، ولمن تابع تصريحاته في العام 2001، غريبةً وغير متوقعة، إذ أنه وفي الفترة ذاتها وعبر أحد اللقاءات الصحفية قدم تفسيرا مفارقا للأحداث قال فيه لصحفية طلبت رأيه: “هنالك مجموعة من البشر تحس وتدرك الظلم الواقع عليها، هذه المجموعة ترى أن رفع هذه المظالم يتم بقتل الذين صنعوها، ويتم ذلك بطريقة مليئة بالجنون والأخطاء، إذا راجعتِ تاريخنا المعاصر ستجدين أن هؤلاء يؤمنون بأن الحل هو القتل الجماعي، أي نوع من القتل”.

ربما لا يمكن لمالكوفيتش أن يرى الأمور أبعد من هذا، طالما أن المسلمين أنفسهم يدينون ما حدث، فهل يمكن أن يطلب منه أن يرى الأمور بأفضل من هذا.


كيف نعيش؟


تَرَصُدُ أقوال مالكوفيتش ومتابعتها، لم يأت من اهتمامه بالسياسة، فهو غير معني بها بوصفها تفاصيل الحاضر، قدر رؤيته لها على أنها جزء من التاريخ الممتد من الماضي إلى الحاضر.

ولكن هذا الترصد جاء من موقع الممثل الأميركي في المشهد السينمائي ذاته، ومن مكانته الراسخة في هوليوود، التي يرفض أن يسكنها ويُفضلُ أن يبقى بعيداً عنها، رغم عمله بأفلامها، إضافةً لعدم اهتمامه بأن يزيد من أرباحه عبر تمثيل الأفلام، مكتفيا بما يأتيه من مشاريع تجارية وخدماتية يمتلكها في بريطانيا وفرنسا.

ارتسمت ملامح جون مالكوفيتش على وجوه شخصيات مثل مارلين مونرو، وآندي وارهول، وأينشتاين وبيكاسو وسلفادور دالي

ولد جون مالكوفيتش في إلينوي بالولايات المتحدة الأميركية، في 9 ديسمبر 1953، وعمل منذ البداية كممثل مسرحي، فحصل من خلال أول ظهور له في مسرحية “الغرب الحقيقي” لسام شيبرد على جائزة أوبي، عام 1978، ثم توالت أدواره في مسرحيات عديدة مثل “وفاة بائع متجول” و”زلة لسان”، و”حالة من الصدمة”، التي ألفها سام شيبرد، وليشارك بعد ذلك بعشرات المسرحيات، التي جال بها الكثير من المدن الأميركية.

كما عمل منتجا للعديد من أفلام السينما المستقلة وغيرها، وبالإضافة إلى تمثيله في أكثر من 60 فيلما طيلة خمسة وثلاثين عاما، فإن مالكوفيتش توجه إلى إخراج الأفلام سينمائية ابتداء من فيلم “الرقص في الطابق العلوي” في العام 2001، بالإضافة إلى عمله في السينما الوثائقية، حيث حازت تجربته التي تحمل عنوان “كيف ترسم أرنبا”، الذي يستعرض حياة الفنان راي جونسون جائزة لجنة التحكيم في مهرجان سندانس السينمائي عام 2002، وجائزة الجمهور في مهرجان السينما بباريس، قبل أن يترشح لجوائز الروح المستقلة في سانتا مونيكا عن فئة أفضل فيلم وثائقي لسنة 2003.

رسوخ تجربة مالكوفيتش الإبداعية إن كان في المسرح أو في السينما، جعله حاضرا في كليهما، ولهذا كان من الطبيعي أن تعهد إليه الهيئة الدولية للمسرح التابعة لليونيسكو كتابة رسالة “يوم المسرح العالمي” ولكن مالكوفيتش صدم جميع المسرحيين، بكثافة وقلة عدد الكلمات التي خاطب بها المسرحيين في العالم، إذ اكتفى بالقول: “فليكن عملكم قويّا ومميّزا. فليكن عميقا، ومؤثّرا، وتأمّليّا، وفريدا. فليساعدنا على طرح سؤال الجوهر الإنساني، ولتكن تلك التأمّلات مسيرة من طرف القلب، والصدق، والبراءة الأولى، والنبل. فلتتجاوزوا الخصومة، والرقابة، والفقر، والعدميّة، التي سيجد بعضكم نفسه مضطرا إلى مواجهتها. فلتبارككم الموهبة والصرامة، لتنورونا عن خفقات القلب الإنساني، في كل تعقيداته، وتواضعه، وفضوله، ما يجعل من إبداعكم نتاج حياة، ولتوظّفوا أفضل ما فيكم لطرح السؤال الأساسي، (كيف نعيش؟). أتمنّى لكم من كلّ قلبي أن تجدوا إلى ذلك سبيلاً”.

جون مالكوفيتش
ولد جون غافن مالكوفيتش بكرستوفر ألينوي في الولايات المتحدة الأميركية في 9 ديسمبر 1953 تزوج من جليني هيدلي حتى عام 1988 ثم تزوج بنيكوليتا بيران عام 1989، عمل جون كممثل ومخرج ومنتج على مدى 35 سنة فأنتج أعمالا كثيرة بدءا من أعمال المنتجين المستقلين إلى الإنتاجات التجارية الضخمة.

بعد تكوينه شركة إنتاج، التحق مالكوفيتش بالفرقة المسرحية لمدينة شيكاغو "ستيبنوولف" فسجل حضوره في التشخيص والإخراج المسرحي حتى 1982، بل وقام أيضا بتصميم ديكورات البعض منها. حصل مالكوفيتش من خلال أول ظهور له في مسرحية "الغرب الحقيقي" لسام شيبارد التي أداها بنيويورك على جائزة أوبي.

ثم توالت أدواره في مسرحيات عديدة مثل “وفاة بائع متجول” و”زلة لسان”، و”حالة من الصدمة”، التي ألفها سام شيبرد.

كما عمل منتجا للعديد من أفلام السينما المستقلة وغيرها، وبالإضافة إلى تمثيله في أكثر من 60 فيلما طيلة خمسة وثلاثين عاما.

توجه إلى إخراج الأفلام سينمائية ابتداء من فيلم “الرقص في الطابق العلوي” في العام 2001، بالإضافة إلى عمله في السينما الوثائقية، حيث حازت تجربته التي تحمل عنوان “كيف ترسم أرنبا”، على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان سندانس السينمائي عام 2002، وجائزة الجمهور في مهرجان السينما بباريس، قبل أن يترشح لجوائز الروح المستقلة في سانتا مونيكا عن فئة أفضل فيلم وثائقي لسنة 2003.


كيف تكون مالكوفيتش


في السينما، وبغض النظر عن حصول جون على العديد من الجوائز الهامة، وترشحه لغيرها، إلا أنه يبقى الممثل الوحيد الذي شارك في فيلم يحمل اسمه ذاته، وقد حمل الفيلم عنوانا لافتا هو “أن تكون جون مالكوفيتش”، وربما يصلح التجوال قليلا في طبيعة هذا الفيلم لأن يكون مدخلا لقراءة طبيعة الأداء عنده، فالقصة كلها بالنسبة لكاتب السيناريو الأميركي شارلي كوفمان كانت البحث عن صيغة فيلمية سردية تتجاوز ما هو متاح وتقليدي، ولهذا فإن الدخول إلى دماغ جون مالكوفيتش، وجعله نبع أسرار، كانت فكرة تستحق المخاطرة، التقط فرانسيس فورد كوبولا ومضتها المجنونة ووجهها إلى زوج ابنته المخرج الشاب سبايك جونز ليصنع الإثنان؛ الكاتب كوفمان والمخرج جونز، فيلماً مهماً حفل بالاشتغال على جعل العقل مادة للتفكير، ليس من خلال حمولته فقط، بل أيضاً عبر شكل الوصول إلى داخله، فالتلصص على العقل من داخله، شيء جذاب حتى لصاحب العقل ذاته.

عقل جون مالكوفيتش كموضوع في الفيلم، يصبح مادة لصاحبه، وهكذا تصبح الفكرة أبسط من أن يعقّدها النقاد الذين تصدمهم عادةً انقلاباتُ العودة إلى ألف باء الإبداع بطريقة مبتكرة، العودة إلى العقل تعني بشكل أو بآخر، ميلا لرفض السطحي الخارجي، فالممثل الذي يبدع في الاشتغال على شخصياته بمنطق الخروج من الداخل إلى الخارج، يكشف بنيته الذهنية مع شخصياته، وقراءة الشخصية هنا هي قراءته هو، وشكل القراءة هو شخصيته. ولكن الممثل الذي يتعاطى مع الشخصيات من خلال خارجها، ليعيد تشكيلها وإنشاء دواخلها يصبح عمله أكثر براعة وأقل بذلا لشخصيته هو ذاته.


شخصية غريبة مثيرة


جون مالكوفيتش هو ذلك الممثل الآخر، الذي يطبق المعادلة الثانية، وعليه فإن شخصيته تصبح غريبة ومثيرة وقد تتحول إلى مادة للبحث وهذا يتسق مع موقفه من التمثيل كحرفة والذي يبدو متناقضاً مع الفهم الكلاسيكي الذي يتبناه الممثلون الآخرون فهو يرى أن “الممثلين منتحلون، بما أن هذه المهنة تقوم على إقناع الآخرين بأن الممثل هو شخص آخر… ثمة عبارة يتداولها كل المشتغلين بالسينما وهي أن “الكاميرا لا تكذب” لكن الواقع بخلاف ذلك، فالكاميرا وجدت لتنتج كذباً، تماما كما في المجالات الأخرى”.

مقاربة الكاتب شارلي كوفمان، والذي لم يشأ أن يصبح واقعيا في عمله فلجأ إلى ذات المبدأ الذهني الذي يحكم عمل مالكوفيتش، تنسجم تماماً مع رؤية هذا الأخير لطبيعة عمله، وعليه يصبح مفهوماً أن تكون مهنة بطل فيلمه هي محرك دمى أطفال أراجوز في الشارع قام بالدور الممثل جون كيوزاك.

ولكن ماذا عن إعادة مالكوفيتش إلى واقعه عبر شكل فني يقارب التمثيل ولكنه لا يقدمه بحركيته؟

رسوخ تجربة مالكوفيتش الإبداعية إن كان في المسرح أو في السينما، جعله حاضرا في كليهما، ولهذا كان من الطبيعي أن تعهد إليه الهيئة الدولية للمسرح التابعة لليونيسكو كتابة رسالة 'يوم المسرح العالمي' ولكن مالكوفيتش صدم جميع المسرحيين، بكثافة وقلة عدد الكلمات التي خاطب بها المسرحيين في العالم، إذ اكتفى بالقول: 'فليكن عملكم قويا ومميزا. فليكن عميقا، ومؤثرا، وتأمليا، وفريدا..'


فوتوغراف مالكوفيتش


الإجابة لم تأت هذه السنة في المسرح، ولم تأت في السينما، بل جاءت عبر الصورة الفوتوغرافية، وعلى طريقة المصور الأميركي ساندرو ميلر، الذي رافق مالكوفيتش كصديق لأكثر من عقد ونصف، فحين قرر أن يعمل على مشروع تكريم “الأساتذة”، أي المصورين الفوتوغرافيين الأشهر في العالم، لم يجد من وسيلة للقيام بذلك أفضل من إعادة إحياء صورهم، التي تحولت إلى أيقونات بصرية، فكان أن توجه إلى صديقه جون وأقنعه بأن يقوم بإعادة تركيب الشخصية المصورة، من خلال صورة جديدة، يكون هو بطلها حين يلبسها ويقف موقفها، ويرسم ملامحها على وجهه هو.

أي فكرة مجنونة تلك التي وافق عليها مالكوفيتش، كي يرضي نزعة ساندرو ميلر؟

النتائج التي قدمها ميلر في معرضه الذي بدأ في Catherine Edelman Gallery بشيكاغو يوم 7 نوفمبر ويستمر حتى 31 يناير، تبدو مذهلةً، إذ لا يمكن للمشاهد الذي سيراها أن يعتبرها حالة كوميدية، أو حتى ساخرة، فبراعة مالكوفيتش تطغى، وكأنه اعتبر كل صورة من صور هؤلاء الأساتذة نصا مسرحيا يستحق أن يبذل فيه أقصى طاقة ممكنة، ليس في سبيل المطابقة مع الأصل، بل في سبيل مماهاة روح الأصل، وبينما يمكن لبرامج التصميم كفوتوشوب أن تريح ساندرو ميلر من المغامرة وتقدم له عملاً يقود إلى المطابقة الكاملة مقابل خسارة اللمسة البشرية الإبداعية، نرى كيف أن النتائج تقدم صورا فوتوغرافيةً خالية من مؤثرات هذه البرامج.

عمل ميلر مع مجموعة من الخبراء على تشريح صور الأساتذة المستهدفة، في سبيل تحصين النتائج من خطر تلقيها بشكل ساخر، يقول ميلر: “كان خوفي الأكبر هو ألا يأخذ الجمهور المشروع على محمل الجد. فأنا لم أرد أن يكون الأمر محاكاة ساخرة لصور الأساتذة، بل كنت جاداً في تكريم هؤلاء المصورين وصورهم التي غيرت وجهة نظري في فن التصوير. وألهمتني طوال مسيرتي وصنعتني”.

“مالكوفيتش، مالكوفيتش، مالكوفيتش: تكريم أساتذة التصوير”. هكذا سمى ساندرو ميلر معرض صوره هذه، ولكن جون مالكوفيتش الصامت لم يتحدث عما صنعه هنا، وربما لن يفعل، فملامحه التي ارتسمت على وجوه شخصيات مثل مارلين مونرو، وآندي وارهول، وأينشتاين وبيكاسو وسلفادور دالي كفيلة بأن تروي الحكاية كلها.

14