جوهر الخطابة المغتال

الخميس 2013/09/19

تعدّ الخطابة من الفنون الهامّة عبر التاريخ، تنهض بدور كبير في مختلف الظروف، تكون وسيلة فضلى للتواصل والإقناع، لكنّها تخرج في كثير من الأحيان، ولاسيّما في أيّامنا الراهنة، عن أدوارها الجوهريّة، لتنهض بأدوار لا توافق رسالتها الإنسانيّة، وذلك على أيدي بعضٍ ممّن يزعمون امتلاك نواصي القول، دون أن يمتلكوا شيئاً من أذيال الفعل. ولا أقصد هنا الخطابة الدينيّة، كما لا أقصد خطباء الأديان، بل أقصد ذاك النوع المستجدّ من "الخطابة" الإعلاميّة الفضائيّة.

لا نكاد نبرأ من فنّ هابط وأغنيات خادشة للذوق والسمع والحياء، حتّى نصدم بتدبيج الخطب؛ العصماء والبتراء والتوائم معاً، فمن خطبة إلى خطبة، وكلّ خطبة تحتفي بالنصر العظيم المؤزّر، يدأب مدبّجوها على الاستعانة بكلّ فنون الخطابة، كما لا يسهون عن التنغيم في وتائر أصواتهم، حتّى يكون تأثيرهم أكثر نفاذاً في النفوس، لأنّهم ما يزالون سائرين في تخمينهم أنّ الحماسة كافية، وأنّها تثور بخطبة وتخبو بوعيد.

قد تتوافر في الكثير من المندوبين المُتلفزين، مواصفات الخطابة الشكلانيّة كلّها، لكن يقيناً، هذا لا يعني أنّ استحواذ المقدرة الشكلانيّة يعني استحواذ المقدرة الجوهريّة، كما لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة.

ومن باب المفارقة أنّه قد تغدو بعض عيوب النطق، في حالات كالتي نراها (بشار ونصرالله وبعض المتماهين معهما)، مدائح لأصحابها، كأن يُبارَك اللاثغ، ويُوصَف بالفصيح، أو يُثنى على المتأتئ، ويُوصَف بالبليغ السلس الكلام، أو يُحمَد اللادغ على براعته، وهكذا تنقلب الأدوار، وتنقلب الحقائق. بين عالم ينبني على الكلام، ويعتاش عليه، وآخر لا يتكلّم بل تتكلّم أفعاله عنه .

يظنّ المتابع أنّ هذا أو ذاك يخطب على منبر في حشد مليونيّ، ثمّ يكتشف أنّه جالس في الاستوديو يخطب في المشاهدين، منفعلاً مع كلماته، ممثّلاً التأثّر، ولربّما الدموع أيضاً، ومُلوحاً بيديه وأصابعه وسبّحته هنا وهناك.

إذ ليس من المعقول الجري على عادة من يُحقّ الحقّ بالصوت المرتفع، أو بالإنشائيّات التي عفى عليها الزمن، فأن ترفع صوتك، لا يعني أنّك على حقّ، والعكس صحيح، وكذلك أن تكون خطيباً مفوَّهاً، لا يعني أنّك قد حزت الأحقّيّة في تمثيل الآخرين.

بعد انتهاء الظروف الاستثنائيّة العصيبة، تبدأ حروب الخطب والبلاغات، تبدأ حروب الأعصاب، حروب التهنئات بالانتصار التاريخيّ لهذا الأخ على ذاك، حتّى ينتقل هذا الوهم إلى الكثيرين الذين يباركون الفاجعة دون أن يتمعّنوا في نتائجها، ولا يلتفتون إلى وجوب العمل للحؤول دون "انتصارات مماثلة". فالإنسان يحتاج إلى العيش بعيداً عن المهاترات والخطب الجوفاء، يحتاج إلى مَن لا يتحايل عليه، زاعماً الدفاع عنه، انسياقاً وراء وعود خلّبيّة، وإن كان من معاني فَصْل الخِطابِ هو أَن يَفْصِلَ بينَ الحَقِّ والبَاطِل، فإنّ في تفصيل بعض الخطاب الإعلاميّ المعاصر خلطاً مدروساً بين الحقّ والباطل، للتتويه والتمويه معاً.

لا يخفى دور الخطابة البالغ في تحويل الهزائم إلى انتصارات، فعلى أرض الواقع حقائق تقول أشياء كثيرة، لكنّ بعض متسلّقي الخطابة على المنابر الإعلاميّة، يزعمون عكس الواقع المَعيش الملموس.

فمن نصدّق؟ نصدّق أنفسنا والواقع، أم نصدّق المزاعم والخطب الترقيعيّة؟ إلى متى سيدوم اغتيال الخطابة؟ ألا تستعدَى الخطابة مبنى ومعنى في واقع المداهنة والرياء؟

14