جو بايدن مهندس "قمة الديمقراطيات"

المرشح الأميركي يتعهد بإصلاح نظام العدالة الجنائية وتخصيص الموارد لحماية النظام الانتخابي، وهي إشارة إلى التدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية عام 2016، والذي جرت تحقيقات موسعة في موضوعه قادها المحقق مولر.
السبت 2019/08/24
بايدن.. المرشح الديمقراطي الأوفر حظا لمعركة العام 2020

“نحن اليوم نخوض معركة استعادة روح أميركا. لقد حان الوقت لنستعيد شخصيتنا: نحن الأميركيين شعب حازم ومرن في آن. ودائما يقودنا الأمل. نحن الأميركيين نتعامل مع بعضنا البعض بكرامة. دعونا نُعِدْ بناء الطبقة الوسطى التي تميّز مجتمعنا بتنوع أعراقه وقومياته وأصوله من أسود، ولاتيني، وأبيض، وآسيوي، كلنا يد واحدة. دعونا معًا نمنع الانتهاكات الهائلة للسلطة السياسية التي نراها اليوم. دعونا نفكّر جميعًا بعمق ونستشرف أفضل أيامنا التي لم تأت بعد”.

هكذا كتب جو بايدن في تصوير رؤيته السياسية والاجتماعية لمستقبل أميركا ما بعد دونالد ترامب، تلك الرؤية التي نشرها على موقع خاص استحدث حصرًا لحملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية في عام 2020.

إذًا، دعونا نستذكر معًا تاريخ جو بايدن السياسي الذي جعل منه واحدا من أوفر المرشحين عن الحزب الديمقراطي الأميركي للفوز بترشيح الحزب منافسًا لغريمه السياسي دونالد ترامب على شغل المقعد الرئاسي في البيت الأبيض.

مواجهة شرسة

ولد بايدن في 20 نوفمبر عام 1942. وهو سياسي مخضرم، وعضو في الحزب الديمقراطي، وميوله السياسية ليبرالية معتدلة. مثّل ولايته ديلاوير في منصب عضو في مجلس الشيوخ من عام 1973 حتى عام 2008 حين وقع عليه اختيار المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في ذلك العام، باراك أوباما، ليكون نائبه في الانتخابات الرئاسية، وذلك نظرًا إلى أقدمية عضويته في مجلس الشيوخ، ولكونه على اطلاع ودراية واسعين بشؤون السياسة الخارجية والدفاع الوطني الأميركي.

وقد تمكّن الرجلان، أوباما وبايدن، معًا من تحقيق نصر كبير، ووصلا إلى الحكم واستمرا فيه لدورتين رئاسيتين متتاليتين حتى عام 2016. وبتاريخ 12 يناير لعام 2017، وقبيل أيام قليلة من مغادرة الرئيس أوباما منصبَه بعد فوز ترامب بالرئاسة، قلده أوباما أعلى وسام مدني أميركي تمنحه الرئاسة وهو “وسام الحرية”، وذلك ضمن حفل مهيب أقيم في البيت الأبيض قبل أن يغادر الاثنان معًا فاسحين المكان لخصومهما الجمهوريين.

وتعتبر انتخابات الرئاسة القادمة ثالثة الحملات الانتخابية التي يطلقها بايدن؛ فقد سبق وأن رشح نفسه عن الحزب الديمقراطي مرتين. أما القاسم المشترك الأعظم في الحملات الثلاث فهو جموح بايدن المستمر للوصول إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. فهل ستثمر مساعيه في هذه الجولة الانتخابية ويصل إلى حكم الولايات المتحدة؟ علمًا أن عمره، في حالة فوزه، سيكون 78 عاما لحظة تنصيبه، ما يعيدنا إلى طبيعة ميول الناخب الأميركي الذي يصوت عادة لمرشح يجده مناسبا بالعمر والكفاءة.

إثر قضائه أسبوعين في التنافس مع مجموعة من المرشحين الديمقراطيين من خلال المناظرات العلنية والبرامج السياسية لكسب تأييد حزبهم الديمقراطي للترشح باسم الحزب لمنافسة ترامب، سعى بايدن لتبوؤ مركز الصدارة من خلال تقديم برنامجه عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في حال فوزه، حيث ألقى خطاب السياسة الخارجية الشامل الذي شجب فيه بشدة سياسة ترامب باعتباره غير قادر على القيادة العالمية، ودعا إلى التزام جديد لأميركا بانتهاج سياسة خارجية تعتمد على التعددية الدبلوماسية.

وبجلاء وحزم وعبارات منمّقة، ألقى بايدن خطابه مؤخرا في مدينة نيويورك، محددًا المبادئ الرئيسيّة التي ستسم سياساته في العالم وعلاقات أميركا الدولية. وطبعًا، وكما جرت العادة خلال التنافس الانتخابي في أميركا، يفتتح المرشح عادة خطابه بالتركيز على عيوب خصمه ومساوئه في السياسة، ليعرج بعد ذلك على مزاياه الخاصة وحسناته مقارنة بالخصم. وتبعًا لهذه الثقافة التنافسية المتعارف عليها بين رجال السياسة الأميركيين فقد استهل بايدن خطابه بتقديم تقييم لإدارة ترامب التي نعتها بأنها كانت “الأكثر سوءًا”. 

وبرأي بايدن أن حكم ترامب قد شوّه سمعة البلاد في الخارج، بل وقوّض قدرتها على تحقيق أهداف سياستها الخارجية. وبالمقابل، قدم بايدن نفسه كمخلّص لأميركا من مطبات سياسات ترامب، موضّحا رؤيته الخاصة للسياسة الخارجية التي قال إنها ضرورية لاستعادة مكانة الولايات المتحدة في سدة القيادة العالمية، بما في ذلك العمل مع دول العالم على تحقيق أهداف جماعية.

يقول بايدن “أعتقد أن التهديد الذي يمثله الرئيس ترامب لأمننا القومي كدولة لَهُوَ على درجة عالية من الخطورة”، منتقدًا الطبع المتعجرف الذي يتّسم به ترامب، واصفا إياه بأنه غير كفء للقيادة العالمية والمحلية.

مجلس الديمقراطيات العالمي

الديمقراطيون ومؤيدوهم يرون أن ترامب قد تسبب في عزلة أميركا عن الغرب حليف أميركا التاريخي، وكذلك قسّم الشارع الأميركي بترفّعه عن الحوار
الديمقراطيون ومؤيدوهم يرون أن ترامب قد تسبب في عزلة أميركا عن الغرب حليف أميركا التاريخي، وكذلك قسّم الشارع الأميركي بترفّعه عن الحوار

أما بالنسبة إلى قضايا الديمقراطية والقيم الأميركية المتأصلة في ضمان الحريات، فقد نادى بايدن بضرورة وقوف المجتمع الأميركي صفًّا واحدا من جديد بعد أن بثت سياسات ترامب الفرقة والانقسام بين أبناء الشعب الأميركي، مشيرا إلى ما هو أصيل في المجتمع من حرية الدين وحرية العقيدة وحرية التعبير. ووعد بإلغاء العديد من قرارات ترامب التي تنزع إلى فلسفة غير مفهومة بالنسبة إلى الكثير من الأميركيين (وعلى رأسها شعار “أميركا أولاً”)، مستشهدًا بتمثال الحرية الذي كان هدية من فرنسا للولايات المتحدة بمناسبة استقلالها.

يقترح بايدن على الناخب الأميركي خطة متكاملة لعقد واستضافة قمة للديمقراطيات في العالم، في عامه الأول من اعتلائه كرسي الرئاسة، “لإعادة تعزيز الديمقراطية في الساحة العالمية” حسب قوله. واللافت أن بايدن كان قد حدّد في خطابه الهوية السياسية للمدعويين إلى هذا المؤتمر في حال انعقاده، فقد قال حرفيّا “يجب على القادة الذين يحضرون أن يكونوا مستعدين للتعاون والتعهد بالتزامات مؤكدة للتصدي للفساد والنهوض بحقوق الإنسان في دولهم”. 

تلك القمة ستشكل، حسب بايدن، تحديًّا للقطاع الخاص، بما في ذلك شركات التكنولوجيا وعمالقة وسائل الإعلام الاجتماعية، من أجل الالتزام بمكافحة الرقابة على المشتركين في منصاتهم، وفِي الوقت نفسه العمل على الحد من انتشار خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي.

 وفي مواضيع ملحّة أخرى يهتم بها الناخب الأميركي قطع بايدن على نفسه وعدًا بأنه سينضم مجددًا إلى اتفاق باريس للمناخ باعتباره أحد مكونات خطته العالمية لمواجهة الاحتباس الحراري وعواقبه على الأرض، كما تعهد بمنع إقامة السور على الحدود مع المكسيك وإنهاء انفصال الأسرة عند الحدود الجنوبية ووقف حظر السفر، وهي قوانين وضعها ترامب تخالف في مجملها الروح التي أرسى دعائمها الآباء المؤسسون. وقال “لقد حان الوقت لنستفيد من القوة والجرأة اللتين كانتا عاملين أساسين في انتصارنا في حربين عالميتين، وأسقطتا الستار الحديدي بين الاتحاد السوفياتي والعالم الغربي”. وستشكل مبادرات بايدن هذه توبيخًا لسياسة ترامب في رفضه الاتفاقيات الدولية وتشويه سمعة مؤسسات مثل حلف الناتو.

 يتعهد بايدن بإصلاح نظام العدالة الجنائية وتخصيص الموارد لحماية النظام الانتخابي، وهي إشارة إلى التدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، والذي جرت تحقيقات موسعة في موضوعه قادها المحقق روبرت مولر.

ويتغنى بايدن بالديمقراطية الأميركية قائلا إن “الديمقراطية هي سقف مجتمعنا ومصدر تجددنا، إنها تقوّي وتمكّن قيادتنا لنبقى متمتعين بالأمن في هذا العالم. إنها محرك ازدهارنا الاقتصادي الذي تصنعه أيادينا البارعة وهي القلب من كينونتنا، والكيفية التي نرى بها العالم والطريقة التي يرانا بها العالم أيضًا”.

بادين يتقدم الاستطلاعات

منافس ترامب
برنامج بايدن الخاص بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الذي سيطبقه في حال فوزه، عرضه بشكل واضح حين ألقى خطابًا شجب فيه بشدة سياسة ترامب باعتباره غير قادر على قيادة العالم

تشير استطلاعات الرأي الأولية التي تقوم بها مؤسسات مدنية مستقلة مختصة بالاستفتاء الجماهيري، إلى أن بايدن يتقدّم قليلا على منافسه ترامب. ويعزو البعض هذا التقدم إلى الأسلوب غير المعتاد في الثقافة الجمعية الأميركية الذي يدير به ترامب سياسة أميركا المحلية والدولية أيضا.

إذ يرى الديمقراطيون ومؤيدوهم ومعظم القوى الليبرالية أن ترامب قد تسبب في عزلة أميركا عن دول العالم الغربي الذي هو حليف تاريخي لأميركا، وكذلك قسم الشارع الأميركي بترفّعه عن الحوار كحل للمعضلات السياسية، واعتماده لغة الهجوم والتكبّر على خصومه السياسيين، وهو نهجه الذي كان ولا يزال يعبر عنه يإطلاق عبارات طنانة ومسيئة لخصومه على حساب تويتر الخاص به. أما مهاجمة الإعلام ووسائطه من صحافة وتلفزيونات فحدث ولا حرج، فالإعلام الذي ينتقده دون توقّف هو بالنسبة إليه يحمل صفة واحدة لا ثانية لها لطالما أطلقها عليه كالرصاصة “إعلام مزيّف”.

بالطبع، سيستغل بايدن هذه الثغرات، وسيبني على هذا الشعور الشعبي المتزايد والمستاء من جوانب من شخصية ترامب غير مستحبّة، بل ومستهجنة في بعض الأحيان من قبل المواطن الأميركي العادي، وسيتخذها سببًا لأن يتوجه إلى الناخب ويحثّه على التصويت لصالحه، تاركا وراءه انعزالية ترامب وفوقيته التي لا يتقبلها الشارع الذي تأسس على التعددية وقبول الآخر المختلف في مجتمع ملوّن بالمهاجرين إليه من كل أنحاء الأرض، وهو مجتمع كسموبولوتي مفتوح بناه المهاجرون أصلاً، ولا تبتعد عائلة ترامب عن هذه المعادلة حيث ترجع أصول عائلته إلى جذور ألمانية واسكندنافية مختلطة، إذ هاجر جده فريديريك ترامب في شهر أكتوبر عام 1885 من ألمانيا إلى الولايات المتحدة بتذكرة سفر ذهابًا دون عودة.

ما الذي يؤرق بايدن

الناخب الأميركي سيختار بين طريقين؛ القيم الأميركية أو محفظة الدولارات. لأن الاقتصاد الأميركي انتعش بالفعل بصورة غير مسبوقة في عهد ترامب، وانخفضت  نسبة البطالة إلى أرقام قياسية
الناخب الأميركي سيختار بين طريقين؛ القيم الأميركية أو محفظة الدولارات. لأن الاقتصاد الأميركي انتعش بالفعل بصورة غير مسبوقة في عهد ترامب، وانخفضت  نسبة البطالة إلى أرقام قياسية

إلا أن هناك ما يمكن أن يؤرق بايدن من إمكانية الخسارة أمام ترامب، ألا وهو حال الاقتصاد الأميركي الذي انتعش بصورة غير مسبوقة في عهد الأخير، وكذلك نسبة البطالة التي انخفضت إلى أرقام قياسية حيث الوفرة في الوظائف والازدهار المطرد في الأعمال الصغيرة والمتوسطة.

فهل سيكون الاقتصاد هو الحكم بين بايدن وترامب؟ أم أن الناخب الأميركي سيختار العودة إلى القيم الأميركية التي يمثلها معسكر الديمقراطيين في قبول غير مشروط للمهاجرين، وسياسة الحدود المفتوحة، والتمسّك بحرية الإعلام والتعبير عن الرأي التي يصونها الدستور الأميركي، وهو بمثابة كتاب مقدس بالنسبة إلى الشعب الأميركي؟

قد يكون من المبكّر جدا الاعتداد بأرقام الاستطلاعات الأولية، ولكن ما نستطيع أن نجزم به هو أن بانتظار بايدن معركة حامية الأوار سيخوضها بأدوات تقليدية أمام حالة سياسية مستجدّة في البيت الأبيض، رغم كل ما يشوبها من عيوب، إلا أنها جلبت البحبوحة للناخب الذي سيعتمد كلا المرشحين على صوته، وسيكون الخيار صعبا على المواطن الأميركي بين منظومة قيم نشأ عليها ومحفظة دولارات اعتاد جيبه في عهد ترامب على وفرتها.

12