جياني إنفانتينو أمل بلاتر وذراع بلاتيني الحالمة بمحاربة الفساد

السبت 2016/03/05
فيلسوف كرة القدم الذي قفز على عرش الفيفا من المجهول

برلين - رحم الله الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو مؤلف كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل” والذي وضع فيه تعريفات لكل مفاصل لعبة كرة القدم، لو أن القدر أتاح لغاليانو ليقدم تعريفا دقيقا بمواصفات رئيس الفيفا “أن يكون أوروبيا ويرسم حملته على مكافحة الفساد وينسى تاريخه المرتبط برموزه”، أقصد هنا بكل تأكيد السويسري جياني إنفانتينو خليفة بلاتر الذي قفز على عرش الفيفا من المجهول..

جياني واللعب المالي النظيف

في الثالث والعشرين من شهر مارس عام 1970، ولد السويسري جياني فينسينزو إنفانتينو في بلدة بريج غيليس السويسرية لأب وأم إيطاليين، لم يرتبط بكرة القدم لاعبا أو مدربا بل أكمل تحصيله العلمي ليتخرج من جامعة فرايبورغ السويسرية حاملا إجازة في القانون. دخل المجال الإداري عبر بوابة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عندما عين موظفا مساعدا على رأس فريق مكون من أكثر من 400 موظف ساهموا في تعزيز مستوى كرة القدم الأوروبية على مستوى الأندية والمنتخبات، وشهد عهده تنامي دور الاتحاد الأوروبي في تطوير اللعبة.

وفي يناير من العام 2004 عيّن مديرا للشؤون القضائية والتراخيص بقسم الأندية وبقي في هذا المنصب حتى العام 2007، وعرف بدوره الريادي في توطيد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ومجلس أوروبا والسلطات الحاكمة، ثم رقّي مع وصول ميشيل بلاتيني ليصبح السكرتير العام للاتحاد الأوروبي لكرة القدم في أكتوبر من العام 2009.
اشتهر إنفانتينو بعلاقته المميزة مع الأندية الأسبانية والإيطالية والسويسرية عندما كان مستشارا للعديد منها، لذلك فهو يعرف كل خبايا الأندية وأسرارها المالية، وشغل منصب الأمين العام لمركز الدراسات الرياضية “CIEC” في جامعة نوشاتيل السويسرية قبل انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث كانت خطواته الأولى في المجال الرياضي، وأصبح في عهد الرئيس السابق لمنظمة الدوري الأسباني الممتاز “لا ليغا” بيدرو توماس موفدا أوروبيا لبطولة الليغا الأسبانية.

وفي موسم 2009 لاحت في الأفق الأوروبي فكرة جديدة في محاولة منهم لإيقاف التضخم المالي في سوق الانتقالات والذي خلف أزمات مالية وديونا خانقة للاتحاد الأوروبي، لذا ابتكر ميشيل بلاتيني ومساعده جياني فكرة قانون اللعب المالي النظيف، وفي الحقيقة يقال إن جياني هو صاحب الفكرة إلا أن ميشيل بلاتيني تصدر المشهد. قام قانون اللعب المالي النظيف الذي أشرف عليه جياني بهدف تحقيق توازن بين الصادرات والواردات في خزائن الأندية الأوروبية، بحيث تنفق الأندية في سوق الانتقالات أموالا توازي أرباحها واستثنى الإنفاق المالي بناء الملاعب الرياضية والبنى التحتية، لتشجيع الاستثمار في الأكاديميات وتنمية المواهب الشابة.

وبحسب إحصائيات أعدها جياني عام 2009 بناء على خبرته الطويلة، فإن 655 ناديا أوروبيا كانت نسبة 20 بالمئة منها على وشك الإفلاس وبدأ التطبيق تدريجيا منذ العام 2011، وأعد من جديد إحصائيات أخرى بداية من العام 2012 تقول إن ديون الأندية الأوروبية قاربت المليار ونصف مليار يورو و75 بالمئة منها غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
جياني يعمد إلى إظهار نفسه باقتراحات غير مألوفة وتثير جدلا باستمرار، كان آخرها قرار زيادة المنتخبات الأوروبية المشاركة في كأس الأمم الأوروبية من 16 منتخبا إلى 24 ابتداء من البطولة القادمة في فرنسا 2016، مبررا ذلك بإفساح المجال أمام عدد أكبر من المنتخبات للمنافسة على اللقب

ومضى جياني في تنفيذ مخططه على الرغم من الاعتراض الكبير الذي واجهه من كبرى الأندية الأوروبية والتي وجدت في أفكار جياني قيودا تهدد مصالحها الكروية والمالية في آن واحد. وفي التاسع والعشرين من شهر يونيو من العام 2015، أجرى إنفانتينو تعديلات جديدة على قانون اللعب النظيف واستمر في الدفاع عن فكرته وقدم برهانا على صحتها بإحصائيات رسمية، مشيرا إلى تراجع سقف ديون الأندية المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي بمعدل وصل إلى حدود 70 بالمئة، وكان الفرق قد بدأ من 1.67 مليار يورو إلى 487 مليون يورو منذ المضي على تطبيق إجراءات قانون اللعب النظيف قرابة أربع سنوات.

وأكد حينها أيضا أن 24 ناديا قد خضعت للمراقبة وطبقت بحق دينامو موسكو الروسي العقوبة المتقدمة بحرمانه من الدوري الأوروبي للموسم التالي، وفرضت غرامات مالية كبيرة على أندية المان سيتي وباريس سان جيرمان بسبب تجاوزهما قانون اللعب النظيف إثر تلقيهما مساعدات من رجال أعمال، واستند إلى تجربة بوروسيا دورتموند الألماني الذي تحرر من ديونه كليا بعد أن كان مدانا بـ122 مليون يورو عام 2005.

وأكمل جياني تفوقه الإداري بعد اتباعه سياسة تسويقية جديدة لبطولتي دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي رفع فيها عائدات الأندية من التسويق والبث التلفزيوني بشكل خيالي ووصلت إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في العام 2009 حتى بات جياني يمتلك الثقة لأن يتكلم كفيلسوف كرة قدم، فهو الذي أطلق عبارة تناقلتها وسائل الإعلام وألسنة الرياضيين كما لو كانت دستورا رياضيا أو شعارا أولمبيا “كرة القدم هي الشغف، كرة القدم هي السحر، كرة القدم هي العاطفة، كرة القدم هي التسامح والاحترام”، هكذا وصف كرة القدم داهية المال الرياضي.

أصلع القرعة المستفز

لعب السويسري دورا هاما في الأزمة الرياضية اليونانية العام الماضي، حين أصرت الحكومة اليونانية على اتخاذ تدابير ووضع قوانين للحد من شغب الملاعب الذي تزامن مع الأزمة المالية اليونانية، إلا أن جياني لعب دور الوسيط بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد اليوناني وأوقف التدخلات الحكومية محذرا من نتائج كارثية تصل إلى حد إيقاف الاتحاد القاري عن ممارسة النشاط الرياضي، وبذلك عدلت الحكومة اليونانية عن اتخاذ تلك القوانين.

يعمد جياني إلى إظهار نفسه باقتراحات غير مألوفة وتثير جدلا باستمرار، كان آخرها قرار زيادة المنتخبات الأوروبية المشاركة في كأس الأمم الأوروبية من 16 منتخبا إلى 24 ابتداء من البطولة القادمة في فرنسا 2016، مبررا ذلك بإفساح المجال أمام عدد أكبر من المنتخبات للمنافسة على اللقب.

عرف الجمهور الرياضي جياني بإطلالته الشهيرة والدائمة في مناسبات سحب القرعة الأوروبية حتى بات يعرف بـ”أصلع القرعة”، كما يعرف أيضا بطريقته المستفزة في سحب القرعة ببطء ليحرق أعصاب المتابعين والمدربين واللاعبين. كان جياني بالنسبة إلى بلاتيني الذراع التي يضرب بها في كل مكان، فهو الدبلوماسي المحنك الذي لا يظهر كثيرا إلا حينما يرغب بلاتيني في ذلك، لقد استعان به ليوقف فكرة جدية خطط لها الاتحاد الأوروبي للأندية “ECA” لإقامة بطولة تتفوق على بطولة دوري أبطال أوروبا السلاح المالي لليويفا.

كيف تنصل جياني من فضيحة بلاتيني وهو يده اليمنى، ذلك يضاف إلى الأسرار الخفية وراء ظهوره

من الظل إلى القمة.. إنفانتينو الإمبراطور

مع بداية شهر يونيو عام 2015 أعلن السويسري جوزيف بلاتر عن استقالته من منصبه على خلفية الفضائح التي طالته، داعيا إلى عقد انتخابات مبكرة لاختيار رئيس جديد للفيفا، وأعلن بلاتيني عن ترشيح نفسه لخلافة بلاتر ومنافسة الأمير علي بن الحسين على منصب الإمبراطورية، إلى أن قررت لجنة الأخلاق في الفيفا مطلع أغسطس الماضي إيقاف بلاتيني عن مزاولة أي نشاطات كروية محلية ودولية، على خلفية استغلال منصبه في الحصول على أموال غير مستحقة، وكان إنفانتينو حينها يشغل منصبا في لجنة الإصلاح في الفيفا. وربما يصح القول إن جياني ساهم في الانقلاب على أستاذه الذي علمه الرماية بعد أن قوي ساعده، وتسارعت الأحداث ليظهر من الخلف ودونما سابق إنذار مرشحا رسميا للاتحاد الأوروبي وذلك في السادس والعشرين من شهر أكتوبر من العام 2015.

وخصص الاتحاد الأوروبي لأصلع القرعة مبلغا قدره 500 ألف يورو لتغطية نفقات حملته الانتخابية، لم يكن جياني بحاجة إلى وسيط يبلغ الاتحادات التي زارها ومنها العربية بأهداف حملته التي ركز فيها على مكافحة الفساد وانتشال الإمبراطورية من مخلفات مواطنه بلاتر ومعلمه بلاتيني، فهو يجيد التحدث بالعربية والإنكليزية والإيطالية والفرنسية والألمانية والأسبانية والبرتغالية.

كيف تنصل جياني من فضيحة بلاتيني وهو اليد اليمنى للفرنسي، ذلك يضاف إلى الأسرار الخفية وراء ظهوره، إلا أن السويسري لم يكترث كثيرا لتلك الأصوات المطالبة بتفسير “متلازمة بلاتيني وجياني” التي أصبحت فجأة تحت الستار وداخل صناديق مرصودة كتلك التي خبأ فيها مواطنه بلاتر ملفات الفساد 17 عاما، واكتفى السويسري بالقول “بلاتيني يركز على الدفاع عن نفسه وأنا أركز على حملتي”.

وفي الوقت الذي ركز فيه الشيخ سلمان بن إبراهيم على القارتين الآسيوية والأفريقية، حصد جياني ثقة الأميركيتين والقارة العجوز، ولا بأس إذا بقليل من الأمل في المزيد من الأصوات غير المضمونة، لهذا زار مصر والمرشح الأفريقي سيكسويل في كيب تاون الذي أعلن في اللحظات الأخيرة قبيل الانتخابات عن انسحابه. وقدم إنفانتينو حزمة من الوعود خلال حملته الانتخابية متعهدا بتقديم مساعدات مالية تصل إلى خمسة ملايين دولار لكل اتحاد كروي على مدى أربع سنوات، كما وعد برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم من 32 إلى 40 منتخبا، ولكن كيف أغمض الجميع أعينهم عن تلك الوعود، وكيف أوقف المرشح العربي ابن همام في العام 2011 مدى الحياة بسبب شكوك حول وعود قدمها للاتحاد الكاريبي بقيمة 40 ألف دولار أميركي؟

في موسم 2009 لاحت في الأفق الأوروبي فكرة جديدة تحاول إيقاف التضخم المالي في سوق الانتقالات والذي خلف أزمات مالية وديونا خانقة للاتحاد الأوروبي، لذا ابتكر ميشيل بلاتيني ومساعده جياني فكرة قانون اللعب المالي النظيف

وفي السادس والعشرين من شهر فبراير عام 2016 اتجهت كل الأنظار إلى مدينة زيوريخ السويسرية، حيث عقد كونغرس الفيفا لاختيار خليفة بلاتر أملا بإحداث تغيير جذري في مسار الفيفا، لكن السويسري جياني سحب البساط من المرشحين العربيين الشيخ سلمان بن إبراهيم والأمير علي بن الحسين بعد أن حسم الجولة الثانية من التصويت بحصوله على 115 صوتا من إجمالي 207 من الأصوات توزعت بين البحريني الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة الذي حصد 88 صوتا، والأردني الأمير علي بن الحسين الذي نال أربعة أصوات بينما خرج الفرنسي جيروم شامبين خالي الوفاض من دون أي صوت.

ولم يستطع جياني أن يضمر مشاعره الخفية عقب تربعه على عرش الفيفا وناقض نفسه بعد أن صرح “لدي مشاعر رائعة للسيد بلاتيني”، كما حملت كلمات العجوز السويسري والرئيس السابق للفيفا جوزيف بلاتر التي عبّر من خلالها عن ثقته بأن جياني سيكمل ما بدأه وهو يتابع تربع مواطنه على عرش الإمبراطورية.

إشارات استفهام أجابت عنها عناوين صحيفة الغارديان “الحملة الفعالة لإنفانتينو والتي سارت على نفس نهج وعود بلاتر هي التي مكنته من الفوز” وراحت صحيفة زود دوتشلاند الألمانية إلى ما هو أبعد من ذلك بعنوان عريض لخصت فيه ما يحدث “الرئيس الجديد هو ظل بلاتر والممثل الكلاسيكي للنظام القديم”، في حين اكتفت الصحف العربية بمواساة متابعيها بعد الإطاحة بممثليها بأن السيدة الأولى زوجة إمبراطورية الفيفا من أصول عربية لبنانية.

لجياني من السيدة لينا الأشقر زوجته أربع بنات أليسيا وصابرينا وشانيا وداليا، وكانت علاقة غرامية قد جمعت الطرفين عندما كانت السيدة لينا تعمل كسكرتيرة في الاتحاد اللبناني لكرة القدم.

13