جياني إنفانتينو بلغاته السبع يقلب الطاولة على مونديال قطر 2022

إنفانتينو يعتبر أن كأس العالم ليس مجرد بطولة إنما هو مناسبة يجتمع حولها العالم.
الثلاثاء 2019/03/12
رئيس جمهورية الفيفا يبدأ عهداً جديداً بمشروع وحيد

شهدت الأسابيع القليلة الماضية تحولات نوعية في مسار الفيفا وملف تنظيم قطر لكأس العالم 2022، وذلك بعد القرار المفصلي الذي اتخذه جياني إنفانتينو رئيس المنظمة الدولية لكرة القدم بقلب الطاولة على الفساد المستشري في جمهورية كرة القدم.

عبّر إنفانتينو عن مخاوفه من عدم قدرة قطر على استضافة المونديال بصيغته الجديدة التي قد تضم 48 منتخبًا بدلاً من 32، ولعل اختياره دبي لإطلاق هذه التصريحات والمخاوف له دلالاته ومؤشراته، فإنفانتينو يرى أن حل هذه المشكلة يكمن في استضافة دول أخرى في الخليج مجاورة لقطر عددًا من مباريات البطولة.

يقول إنفانتينو راميًا الكرة في ملاعب دولية عديدة “ما زال أمامنا الوقت لقرار مشاركة 48 فريقا في مونديال 2022، سنحاول إقناع بعض الدول الخليجية المجاورة باستضافة عدد من مباريات المونديال، وهو أمر يسهم في التواصل بين الدول. سنعمل في إطار كرة القدم، وقدرتها على إرسال رسالة إيجابية إلى العالم. آسيا ستستفيد من قرار زيادة الفرق، وستكون لها 9 مقاعد ونصف المقعد، لقد حان الوقت لتطوير بطولة كأس العالم للأندية ومنح الفرصة للفرق من جميع أنحاء العالم للتنافس والمشاركة”.

هذا التحول في تصريحات إنفانتينو لا يبدو مفاجئًا لمن يتابع أخبار وفضائح وفساد الفيفا على مدار السنوات الماضية، ولعلّه اختار ملف الفساد الأبرز والأكثر إثارة للجدل، وهو الملف القطري الذي يعتبر علامة على الفساد المستشري في عهد خلفه سيب بلاتر، والذي سُلطت عليه الأضواء كثيراً من قبل وسائل الإعلام العالمية، ليثبت للجميع أنه يعالج أكثر الملفات فسادًا.

وبمجرد أن إنفانتينو أعاد إحياء فكرة زيادة المنتخبات المشاركة في المونديال إلى 48 منتخبًا أخذ هذا الأمر يتحول إلى تحد وانقلاب على جزء خفي من فساد بلاتر الذي طوى ملف زيادة عدد المنتخبات في مونديال 2022 وتعنت في تمريره قبل أن يجد حلاً وسطا بقبوله الفكرةَ على أن يتم تطبيقها اعتبارا من مونديال 2026، وستتقاسمها كلٌ من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وستقام المباريات في 16 مدينة من تلك الدول، وكل هذا ليجنب بلاتر قطر عبء استضافة 48 منتخبًا. لقد كان هذا بمثابة اعتراف ضمني منه بعدم قدرة قطر على تنظيم البطولة الأكثر شعبية في عالم كرة القدم، فقد كان يدرك حينها بدهائه أن الموافقة على هذا القرار ستفتح ملفات تنظيمية لن تستطيع قطر الإيفاء بشروطها.

وعلى ما يبدو فإن إنفانتينو التلميذ تغلب على أستاذه أخيرا، فشرّع الأبواب على قضايا الفساد في الملف القطري من الخاصرة الرخوة للتنظيم، وهي زيادة عدد المنتخبات المشاركة وضرورة مشاركة دول أخرى في التنظيم والاستضافة، ما أعاد ملفات الفضائح إلى بدايتها، وقد كان مقررا بالفعل عقد اجتماع للفيفا في لوس أنجلس لإقرار توسيع مشاركة الفرق في 15 مارس الجاري ولكن تم تأجيله إلى يونيو القادم.

كيف يفكر إنفانتينو

إنفانتينو يعرف تماما ما الذي يتحدث عنه، ويبدو أنه بات لديه دعم كبير من أجل اتخاذ قرار توسيع مونديال 2022، وهو يضع الآن اللمسات الأخيرة قبل الشروع في التنفيذ
إنفانتينو يعرف تماما ما الذي يتحدث عنه، ويبدو أنه بات لديه دعم كبير من أجل اتخاذ قرار توسيع مونديال 2022، وهو يضع الآن اللمسات الأخيرة قبل الشروع في التنفيذ

في الجزء الجنوبي من سويسرا ولد إنفانتينو قبل 49 عاما لأب من جذور إيطالية، أصبح منذ ثلاث سنوات رئيسا لجمهورية كرة القدم لينوء بتركة ثقيلة من الفساد والفضائح تركها له سلفه سيب بلاتر. لكنه بكل شجاعة قَبِلَ التحدي رغم أنه كان يدرك أن قيادة الفيفا مغامرة محفوفة بالمخاطر بعد أكثر من أربعة عقود من سرقة كرة القدم وتحويلها إلى دجاجة تبيض ذهبا لأباطرة المال والأعمال في أوروبا.

لم يكن دخل والده كافيا لدفع تكاليف تعليمه، فاضطر الابن إلى العمل في سكة الحديد ليؤمن مصاريف دراسته. أكمل تحصيله العلمي في جامعة فريبورغ وتخرج فيها محاميا، لكنه لم يفلح في ملاعب الكرة، بل كان لاعبا فاشلا، فاكتفى بالعمل مستشارا قانونيا في الاتحادات الكروية في أوروبا، قبل أن يُعين أمينا عاما للمركز الدولي للدراسات الرياضية في سويسرا.

مع بداية الألفية الثالثة انتقل إلى العمل في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ثم أصبح أمينا عاما له، وبعد صيف عام 2015 الساخن الذي شهد فضائح الفساد في المنظمة الدولية، شُكِلت لجنة إصلاح الفيفا وكان إنفانتينو عضوا فيها، ومع تصاعد وتيرة زلزال الفضائح وتوابعه الذي ضرب كرة القدم فقد الفرنسي ميشيل بلاتيني أحقيته في الترشح لرئاسة الفيفا بعد أن كان المرشح الأقوى، مما دفع الأوروبيين إلى الاتفاق على ترشيح إنفانتينو، وبالفعل فاز بالرئاسة ببرنامج انتخابي قوي ومميز تضمن تخفيض مدة الرئاسة إلى 12 سنة للشخص نفسه، وزيادة المساعدات للاتحادات القارية لتطوير كرة القدم فيها، وإدخال المزيد من التقنيات الجديدة لتوفير العدالة في المستطيل الأخضر، وزيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم، وإقامة البطولة في أكثر من بلد في وقت واحد.

ترميم الصورة

لقد دحرج إنفانتينو كرة الثلج بقوة وها هي المناقشات الرامية إلى توسيع كأس العالم في قطر عام 2022 تكتسب زخما كبيرا، ويبدو من المرجّح أن يحدث هذا بالفعل. فقطر تبدو اليوم واقعيا صغيرة جدا على تنظيم بطولة بهذا العدد الكبير من المنتخبات. وبات تعنتها أمام هذه الحقيقة بابًا يعيد فتح النيران على التباسات طريقة حصولها على الحق في تنظيم البطولة.

وها هو تيم فارون، عضو البرلمان البريطاني ورئيس حزب الليبراليين الديمقراطيين السابق، يطالب رئيسة الوزراء تيريزا ماي بالاجتماع مع إنفانتينو لإجراء تحقيق عاجل حول فضيحة تقديم قطر 880 مليون دولار في ديسمبر 2010 للحصول على تنظيم كأس العالم.

وكشفت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية مؤخرا فضيحة جديدة تتعلق بملف تنظيم قطر مونديال 2022، منها أن قناة الجزيرة التي صار اسمها “بي إن سبورت” قدمت عرضًا ماليًّا لشراء حقوق بث مونديالي 2018 و2022 إضافة إلى مبالغ أخرى إذا فازت قطر بتنظيم المونديال.

إحياء إنفانتينو لفكرة زيادة المنتخبات المشاركة في المونديال إلى 48 منتخبًا يعتبر تحديًا وانقلابًا على جزء خفي من فساد بلاتر الذي طوى هذا الملف ليجنب قطر العبء، في اعتراف ضمني منه بعدم قدرتها على تنظيم البطولة
إحياء إنفانتينو لفكرة زيادة المنتخبات المشاركة في المونديال إلى 48 منتخبًا يعتبر تحديًا وانقلابًا على جزء خفي من فساد بلاتر الذي طوى هذا الملف ليجنب قطر العبء، في اعتراف ضمني منه بعدم قدرتها على تنظيم البطولة

ويبدو جليًّا أن الرئيس التاسع للاتحاد الدولي لكرة القدم وبعد مرور أكثر من 1000 يوم على اعتلائه سدة الرئاسة، يريد أن يرمم الصورة المهشمة لكرة القدم التي بدأت مع البرازيلي غواو هافيلانغ عام 1974 واستمرت مع بلاتر حتى خروجه مثقلاً بفضائح فساد أفقدت كرة القدم الكثير من جماليتها وبراءتها وبساطتها وشعبيتها.

ولعل تركيز إنفانتينو اليوم على الملف القطري خطوة مهمة ورئيسية لاستعادة نضارة الفيفا وتأكيد كامل على انعدام الثقة في قدرة قطر على تنظيم كأس العالم. والهدف الرئيسي لإنفانتينو استعادة السمعة الطيبة للفيفا من خلال العمل بشفافية وانفتاح على الجميع بعيدا عن الأحقاد والمؤامرات، كما يقول هو نفسه “عندما تسلمت رئاسة الفيفا كانت منظمة ملوثة، مثل الكيان السام الذي يهرب منه الجميع، كان تحديا كبيرا بالنسبة إليّ شخصيّا، في العمل على تغيير سمعة تلوثت كثيرا وتضررت عبر سنوات من الفساد سبقت توليتي المسؤولية، وخلال مدة دامت أكثر من عامين ونصف العام بقليل عملنا على تحسين سمعة الفيفا، واكتساب الثقة أمام الجميع وقد حققنا نجاحا استثنائيا وغير مسبوق في هذا الأمر، ويكفي أننا نجحنا في بناء سمعة عالمية جديدة أكثر شفافية ونزاهة من ذي قبل وأعدنا بناء الثقة، كما قمنا بزيادة دخل الفيفا من 5 مليارات إلى 6.5 مليار دولار، وهو ما يعني زيادة 1.5 مليار دولار في وقت صعب لم يكن لينجح فيه أحد في الوصول إلى هذا الأمر في ظل أزمة هي الأكبر في تاريخ الفيفا، وأقصد هنا أزمة فقدان الثقة في سمعة المؤسسة خلال الفترة الماضية، لكن الآن كل شيء تغير، والعالم بات يدرك أن الفيفا تقاد بأسلوب أكثر عدالة وشفافية وانفتاحا ونزاهة، والهدف
واحد هو كرة القدم للجميع ويشارك فيها الجميع”.

من حق الفيفا أن تطور طموحاتها وأحلامها ويبدو الحلم الأقرب إلى رئيسها أن يكتشف العالم منطقة الخليج كوطن للترحيب بالإنسانية، إذ يقول إنفانتينو “حلمي الآن أن يكتشف العالم عام 2022 منطقة الخليج كوطن للترحيب بالعالم، ومكان لكرة القدم وحياة كرة القدم، فكأس العالم ليست مجرد بطولة، ولكنها مناسبة يجتمع حولها العالم، وتجاوز عدد الذين شاهدوا مونديال روسيا حاجز الـ4 مليارات مشاهد، لذلك يحتاج الأمر إلى سعي من الفيفا لتتحول تلك الأمنية إلى واقع معيش، وهو إعطاء صورة مميزة لمنطقة الخليج، عندما تستضيف كأس العالم المقبلة. والفرصة فريدة ومتاحة بالفعل الآن، فلو نجحت دول الخليج في استضافة مشتركة للمونديال بهذا الحجم في 2022 فسيكون النجاح للعالم العربي كله وليس فقط لدول الخليج”.

ويتساءل إنفانتينو “لماذا لا ننقل بعض المباريات من مونديال 2022 لتقام في الإمارات على سبيل المثال؟ سيكون أمرا رائعا وأتمنى ذلك، بالإضافة أيضا إلى دول أخرى في المنطقة ليصبح التنظيم مشتركا يحمل معاني سامية للعالم، أنا أرحب بذلك كرئيس للفيفا، وهناك نقاشات دارت مع قيادات في المنطقة بهذا الشأن”.

بداية الاتجاه الصحيح

كرة الثلج التي يدحرجها إنفانتينو تتحرك بقوة، وها هي المناقشات الرامية إلى توسيع كأس العالم في قطر عام 2022 تكتسب زخمًا كبيرًا
كرة الثلج التي يدحرجها إنفانتينو تتحرك بقوة، وها هي المناقشات الرامية إلى توسيع كأس العالم في قطر عام 2022 تكتسب زخمًا كبيرًا

البعض يرى أن إنفانتينو متأخر بتركيزه على ملف مونديال 2022، لكنه في الحقيقة لم يتأخر، فقد انتظر حتى استقر في مركزه على قمة الهرم الكروي في العالم، المنظمة التي كانت، على حد قوله، تعتبر قبل سنوات قليلة فقط  “منظمة إجرامية”، لكن اليوم بات رؤساء أقوى 20 دولة في العالم يصغون لرئيس الفيفا وهو يتحدث عن المستقبل في قمة العشرين (G20).

وهو يعرف التوقيت المناسب لإطلاق مشروعه الكبير هذا، فلم يكن بلا معنى أن يقول إنفانتينو في مؤتمر دبي الرياضي الدولي إن كرة القدم تساعد على حل التوترات وتجلب السلام في المنطقة. قال إنفانتينو إن “هناك توترات في هذه المنطقة، والأمر متروك لقادتها للتعامل مع هذا (الوضع)، ولكن ربما يكون من الأسهل الحديث عن مشروع مشترك لكرة القدم، إن الأمور أكثر تعقيدا”، ما يعني أنه يعرف ما يتحدث عنه. ويبدو أنه بات لديه دعم كبير من أجل اتخاذ قرار توسيع مونديال 2022، فبقوله إن معظم اتحادات كرة القدم في جميع أنحاء العالم “تريد المزيد من الفرق في كأس العالم” إنما يضع اللمسات الأخيرة قبل الشروع في التنفيذ.

هناك الكثير من الإشارات التي تؤكد أن خلف إنفانتينو قوى كبرى في العالم تعمل على الترتيب الجاري لتوسيع مونديال 2022، وهو ليس مجرد مبادرة من إنفانتينو وحده، فقد  طالب اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم بذلك أيضًا. كذلك قال جون هردمان مدرب المنتخب الوطني الكندي إنه إذا تم رفع عدد الفرق المنافسة إلى 48 فريقًا في عام 2022 فمن المؤكد أن منتخب بلاده سوف يتأهل للعب في ذاك المونديال. أما العملاق الصيني بالعدد الحالي فلن يكون مؤهلاً للمشاركة في مونديال 2022، لكن مع التوسع، على الأغلب فإن الصين سوف تتأهل، ما سوف يسمح أيضًا للشركات الصينية بالاستثمار بشكل كبير في ماكينة تسويق كأس العالم. فآخر مرة لعبت فيها الصين في كأس العالم كانت في عام 2002 وحينها شاهد أكثر من 300 مليون صيني المباريات التي لعبت فيها بلادهم، ما يعكس حجم السوق الاستهلاكية التي من الممكن أن تتحقق في حال تم توسيع المشاركة.

إنفانتينو المتزوج من العربية اللبنانية لينا الأشقر والذي يتقن سبع لغات -هي الإيطالية والفرنسية والألمانية والإنكليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية- يدرك أن التحدي الآن كبير أمامه وأن المتربصين به كثر، ولكنه أعلن أنه لم يترشح ليجلس على الكرسي فقط بل لجعل كرة القدم في العالم لعبة أفضل وأكثر قوة وتأثيرا، وهذا الأمر يتطلب عملاً على مستوى عالمي وليس على المستوى القاري فقط، الأمر مرهق ومتعب ولكنه وأعضاء فريق عمله المتجانس مستمرون في الأداء المميز نحو استعادة كرة القدم لتكون كما كانت اللعبة الشعبية الأولى في العالم.

13