جياني إيميليو.. التلميذ المخلص للواقعية الإيطالية الجديدة

الأحد 2015/07/12
جياني إيميليو: ولد من رحم "الواقعية الجديدة" ثم أعاد لها الروح

لم يكن المخرج الإيطالي جياني إيميليو Gianni Amelio من سعداء الحظ من أبناء جيله، فقد بدأ الإخراج بعد نهاية “العصر الذهبي” في السينما الإيطالية، أي بعد أن تضاءل الاهتمام كثيرا بإنتاج الأفلام الكلاسيكية الكبيرة، وانصرف الجمهور إلى التليفزيون، كما أن أصول إيميليو الريفية وبيئته الفقيرة، لم تتيحان له التمتع بما أتيح من فرص لسينمائيين مثل برناردو برتولوتشي وماركو بيللوتشيو، القادمين من أوساط الطبقة المثقفة الثرية.

انتظر إيميليو وقتا طويلا منذ أن بدأ الإخراج عام 1970 إلى أن نجح في اختراق حدود المحلية، لتنطلق شهرته العالمية مع فيلمه الأشهر “سارق الأطفال” (1992)، الذي لعب دورا كبيرا في إعادة الاهتمام بالمدرسة الواقعية في السينما الإيطالية، سينما التعبير عن الواقع، والنقد الاجتماعي غير المدفوع بالانتماء الأيديولوجي اليساري بالضرورة، بل يمكن القول إن النزعة “الإنسانية” لدى إيميليو، هي المحرك الأساسي لإبداعه السينمائي، كما أن التأثيرالأكبر عليه جاء من أفلام دي سيكا وروسيلليني.

إيميليو مهموم بالعلاقة بين الأب والإبن، وبين الطفل والأب البديل، وهذه العلاقة المركبة تشغل الكثير من أفلامه منذ فيلمه الأول “نهاية اللعبة” La Fine del Gioco ثم في “أبواب مفتوحة” و”سارق الأطفال” و”لاميريكا” و”مفاتيح المنزل”. ويعود اهتمامه بدراسة هذه العلاقة، إلى نشأته، فقد ولد لأسرة فقيرة عام 1945 في قرية جبلية تقع في أقصى الجنوب الإيطالي، في مقاطعة كلابريا، وهي منطقة متخلفة، جافة، قياسا إلى مقاطعات الشمال والوسط. وعندما بلغ السادسة من عمره ترك والده الأسرة وذهب للعمل في الأرجنتين، ولم يعد إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما كان جياني في السادسة عشرة من عمره. ورغم سعادته الكبيرة بعودة والده إلا أنه لم يستطع أن يقيم علاقة سوية معه.

إضافة إلى ذلك الاهتمام الكبير الذي يوليه إيميليو للعلاقة بين الآباء والأبناء في أفلامه، فهو يركز اهتمامه على تصوير التناقض بين الجنوب والشمال في إيطاليا، ويصور الجنوب في صورة أبعد ما تكون عن تلك القوالب النمطية التي شاعت في الكثير من الأفلام الإيطالية المليئة بالمبالغات الميلودرامية. وفي عدد من أفلامه يهتم إيميليو أيضا برصد تغير المناظر الطبيعية المحيطة بالشخصيات وبالحدث الدرامي، من خلال أسلوب “فيلم الطريق”. ويمكن اعتبار أفلام مثل “سارق الأطفال” و”أميريكا” و”مفاتيح البيت” من أفلام الطريق النموذجية، يقطع خلالها البطل، الأب البديل الذي تفرض الأقدار عليه القيام بدور الأب، رحلة كتبت عليه، نتأمل عبرها تناقضات المحيط الاجتماعي وفوضى العيش في إيطاليا المعاصرة.

تأثير الواقعية الجديدة

يكرر جياني إيميليو في أحاديثه دائما أن الفيلم الذي ترك التأثير الأكبر عليه هو فيلم “سارقو الدراجة” (1948) لفيتوريو دي سيكا، وهو أحد كلاسيكيات الواقعية الجديدة. وليس هذا غريبا، فرغم أن الفيلم يصور الواقع البائس في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، واقع البطالة والجرائم الصغيرة، والظلم الاجتماعي، إلا أن أساس هذا الفيلم الشهير، كما يرى إيميليو، تلك العلاقة الخاصة التي تربط بين الإبن والأب.

ورغم اهتمام إيميليو بتلك العلاقة في إطار نقد الواقع الايطالي، إلا أنه تناول أيضا مواضيع سياسية، مثل الإرهاب (ضربة في القلب) ومتغيرات الصين الحديثة (النجم المفقود) والوحدة القاتلة التي تفرضها البطالة في أوساط الطبقة العاملة وكيف تؤدي إلى تفسخ الأسرة، وتدمير الحب (في فيلمه الأحدث “قلب وحيد”).

يعيد إيميليو الطفل الصغير كبطل موازٍ للبطل الكبير، في فيلمه الأول “نهاية اللعبة” (1970) الذي أخرجه للتليفزيون، بحيث يقيم توازنا بين الشخصيتين الرئيسيتين، مصورا العلاقة المعقدة بين العالمين، وكيف يكون الطفل أكثر نضجا من الكبير الذي يتصور أنه يدرك أكثر، وكيف يتجرد “الكبير” من الأخلاقيات ويحاول استغلال الطفل.

"لاميريكا" ملحمة واقعية مذهلة عن فزع التحول وسقوط الأنظمة

يدور الموضوع حول صحفي تليفزيوني يصاحب طفلا يتيما، يريد أن يعيده إلى قريته في الجنوب الإيطالي، لكي يصور فيلما تسجيليا عنه في بلدته الأصلية، وكيف ينعدم التواصل بين الإثنين، ففى حين يسعى الطفل للتحرر من أسر عالم الكبار وزيفه، يجاهد الكبير للسيطرة عليه من أجل تحقيق مشروعه الشخصي. ويقدم إيمليو صورة مدهشة للجنوب كما لم تظهر من قبل في الأفلام الإيطالية طول حقبة الستينات، كما أن الخط السردي الذي يتبعه هنا، ويقوم على “الرحلة” أو “فيلم الطريق”، هو ما سيمده إيمليو على استقامته في ما بعد في أفلامه التالية، ويجعله أكثر تأثيرا، منتقلا بين الأسلوبين، الروائي والتسجيلي، وبين عالمي الكبار والصغار، وبين الشمال والجنوب، يعتمد على الممثلين المحترفين وغير المحترفين.

الفيلم الثاني “ضربة في القلب” الذي أخرجه إيمليو في 1982، لحساب التليفزيون أيضا، كان فيلما عن “الإرهاب”، ولكنه لم يكن كغيره من تلك الأفلام التي تناولت الموضوع، فقد اختار إيميليو موضوعا ينظر من خلاله إلى كل الأطراف دون انحياز مسبق لفكرة أو لشخصية من شخصياته، مع حرصه على عدم إصدار الأحكام الأخلاقية أو السياسية، بل يبدو متعاطفا بقدر متساو مع جميع الأطراف، وليس معنى هذا أن إيميليو ليس له موقف من الإرهاب، بل هو يحاول أن يصور كيف يمكن أن تصل البارانويا الاجتماعية إلى تلك الحافة الخطرة.

موضوع الفيلم يدور حول صبي يشك في أن والده، وهو أستاذ في جامعة ميلانو، على صلة باثنين من طلابه السابقين، يعدان لعملية إرهابية في إيطاليا. ويبدأ الفتى في مراقبة والده مراقبة لصيقة إلى أن يصل في النهاية لإبلاغ الشرطة عنه.

ورغم الصدمة التي أحدثها الفيلم لدى القائمين على الإنتاج في التليفزيون الإيطالي، إلا أنه أثبت أن إيميليو مخرج يمكن أن يعول عليه. ولكن الأمر اقتضى مرور عشر سنوات قبل أن يصبح قادرا على إخراج فيلم روائي آخر هو الفيلم الذي وضع اسمه على الخريطة السينمائية في العالم، أي “سارق الأطفال” 1992 الذي اعتبر بمثابة عودة الروح إلى “الواقعية الجديدة”. هنا يعود إيميليو مجددا إلى موضوعه الأثير، العلاقة بين عالمي الأطفال والكبار، فكرة العثور على الأب، واستبدال الأب بالأب البديل، وكيف يجد الشرطي الشاب، نفسه وقد أصبح رغما عنه، مرتبطا بالطفلين اللذين كلف باصطحابهما وتسليمهما إلى حيث يجدان الرعاية في بيت للأطفال اليتامى بعد أن قبضت الشرطة على الأم وهي تبيع ابنتها التي لا تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، لتمارس الدعارة مع الرجال.

الشرطي- السارق

الشرطي الشاب عديم الخبرة يتورط في الموقف، يتبرم ويشكو ويحتج، ولكن الفساد الذي يسود الشرطة بل وجميع مؤسسات المجتمع، يحول بينه وبين العثور على من يفهم ويقدر ويتعاطف، فالجميع يتمسكون بالشكليات البيروقراطية، ويجد هو نفسه يقطع مع الطفلين، الفتاة وشقيقها، في رحلة بالقطار من ميلانو إلى أقصى الجنوب في كلابريا، مرورا ببولونيا وروما وأماكن أخرى. يرفض الدير الذي يصل إليه بمشقة قبول الطفلين بدعوى عدم جواز الاختلاط بين الجنسين، وعندما تنتهي الرحلة في الجنوب، في منزل والدة الشرطي التي تبدي ترحيبا كبيرا وتعاطفا مع الطفلين، سرعان ما يتغير الموقف تماما بعد أن يكتشف أهل البيت القصة الحقيقية للفتاة، أي أنها مجرد “عاهرة” صغيرة كما تنشر الصحف، وأن أمها تقضي عقوبة في السجن، ومجددا يجد الشرطي الشاب نفسه بصحبة الطفلين، ولكنه يقع في أزمة مدمرة تتسبب فيها سائحتان فرنسيتان، ليجد نفسه يواجه تهمة اختطاف الطفلين.

رغم بساطة الموضوع، إلا أن إيميليو ينجح في تعميقه والانتقال بين مستوياته المتعددة، فمن ناحية هناك القصة الأساسية التي تعكس تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، واتساع الهوة بين الطبقات مما يجبر الأم على استغلال ابنتها في الدعارة، ومن ناحية أخرى، هناك نقد شديد لغياب سيولة تعامل المؤسسات مع تلك الحالات الإنسانية، بل وحتى الكنيسة ترفض رعاية الطفلين، وجميع الشخصيات التي يلتقيها الشرطي الشاب شخصيات رديئة، ومن خلال الرحلة الطويلة تتجسد التناقضات الكبيرة في مستوى العيش بين الشمال والجنوب.

إيميليو لا يستخدم الشعارات ولا الحوارات الطويلة المباشرة، ولا الرمزية، كما يجعل الفتاة التي نراها أحوج للرعاية في البداية، وقد نضجت قرب النهاية وأصبحت بالفعل الأم البديلة لشقيقها، بعد أن قررت أن تتحرر من قيود المؤسسة، وأن تعثر على طريقها بنفسها.

نجاح إيميليو في تقديم هذه الرؤية النقدية القاسية مع التجليات الفنية في الأسلوب السينمائي، اعتماده الهمس من تحت جلد الصورة، والتعامل بحرية كبيرة مع تفاصيل المكان، وذلك الاستخدام الحذر لحركة الكاميرا، أتاح له توسيع نطاق تجربته في فيلمه التالي الذي يعتبر العمل الأكبر في مسيرته الفنية، وهو فيلم “لاميريكا” 1994.

في فيلم "سارق الأطفال" يتحول البطل الشاب تدريجيا إلى مراقب على فساد المجتمع

الجنة المفقودة

تقع أحداث الفيلم بعد سقوط الحكم الشيوعي في ألبانيا عام 1991، وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين الألبان على إيطاليا بحثا عن عمل. وفي الوقت نفسه وصول عدد من “رجال الأعمال” إلى لاستغلال سياسة الانفتاج الجديدة وحاجة ألبانيا الى الاستثمارات الأجنبية، ويصور كيف يلجأ إثنان منهم إلى تأسيس مصنع وهمي للأحذية والتحايل بمساعدة مسؤول فاسد في الحكومة الألبانية، للحصول على دعم مالي كبير ثم الهرب. لكن قانون الاستثمار يشترط وجود عنصر ألباني في تأسيس المشروع، فيرسي الاختيار على كهل متشرد (سبيرو) غادر المعتقل لتوه بعد أن قضى فيه نحو خمسين عاما. هذا الرجل الحافي القدمين، الرث الثياب يتم اختياره كرئيس للشركة الوهمية، يلبسونه بذلة جديدة، وحذاء، ولكنه لا يدرك حقيقة ما يحدث حوله، فقد أصبح معتلا في صحته العقلية، وفقد قدرته على التركيز والتذكر. ويجد “جينو” أحد رجلي الأعمال المحتالين، نفسه مسؤولا عن إنقاذ سبيرو الذي يردد أنه ليس ألبانيا بل إيطاليا من صقلية، ويعتقد أنه لايزال جنديا في الجيش، ونفهم أنه هرب من الخدمة في الجيش الإيطالي الفاشي، فاعتقل وظل في المعتقل في ظل الحكم الشيوعي وعومل باعتباره ألبانياً.

يفقد “جينو” سيارته ويجرد من المال ويجد نفسه شريدا وحيدا هائما، يتأمل مظاهر الفوضى والاضطراب ويقترب أكثر من معاناة الألبان ويتعاطف معهم، ولكن السلطات الألبانية تعتقله بتهمة الاحتيال، ورغم إصراره على أنه إيطالي، إلا أنهم يصادرون جواز سفره، مع السماح له بالخروج من السجن لينضم إلى آلاف المهاجرين على متن سفينة تتجه نحو إيطاليا. وعلى ظهر السفينة يجد الكهل”سبيرو” مصرا على تحقيق حلمه بالوصول إلى وطنه أخيرا.

هذا بلاشك أحد أهم أعمال السينما الواقعية المعاصرة، بدقة بنائه، بقدرة مخرجه على تجسيد الواقع بحيث يمزج بين العنصرين التسجيلي والروائي، وبين الممثلين المحترفين والأشخاص الحقيقيين، مستغلا تفاصيل المكان إلى أقصة ما يمكن، خالقا ملحمة هائلة عن الفوضى، يقارب فيها بين الفاشية والرأسمالية، وبين التدهور العام في ألبانيا، والحلم الوهمي بالجنة المفقودة في إيطاليا. ينحاز للبسطاء، يتوقف أمام المصيرالفردي الإنساني، في إطار المصير الجمعي. ورغم قتامة الموضوع، يتميز التصوير بالإحاطة المبهرة بالريف الألباني البديع رغم قسوة الظروف.

“لاميريكا” أيضا واحد من أفلام الطريق الكبرى، وفيه تجتمع ثلاث شخصيات لا تنسى: العامل الألباني الباحث عن الجنة الوهمية في إيطاليا، حيث “غسيل الصحون” أفضل من الموت جوعا في ألبانيا، والإيطالي الكهل ضحية الفاشية والشيوعية، والمحتال الإيطالي وهو يجد نفسه مرغما على التسلل إلى بلده بعد أن فقد أوراق هويته، مثله مثل آلاف المهاجرين الألبان.

16