جيان ماريا فولونتي الممثل الذي سقط في "نظرة عوليس"

الأحد 2015/01/25
فولونتي ممثل عبقري من زمن الكبار وحال استثنائية في تاريخ السينما

احتفلت الأوساط والمؤسسات السينمائية الإيطالية مؤخرا بالذكرى العشرين على وفاة الممثل الإيطالي جيان ماريا فولونتي الذي توفي عام 1994 عن 61 عاما أثناء تصوير دوره في فيلم “نظرة عوليس″ للمخرج الراحل أنجلوبولوس.

عشاق السينما في العالم العربي يعرفون فولونتي تحديدا من خلال دور رامون روخو، زعيم العصابة المكسيكي في فيلم “من أجل حفنة دولارات” (1964) ثم فيلم “من أجل مزيد من الدولارات” (1965) وهما من أشهر أفلام “الويسترن سباغيتي” للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني.

إلا أن أدوار فولونتي في الأفلام السياسية الإيطالية التي ذاع صيتها في السبعينات، هي الأدوار الأهم والأكثر عمقا، وهي التي قدمت للعالم الموهبة الحقيقية لفولونتي، بل ويمكن القول إن تيار الأفلام السياسية الذي بني على تراث الواقعية الجديدة ونقله نقلة كبيرة إلى الأمام على أيدي مخرجين كبار مثل فرنشسكو روزي وإليو بتري وجوليانو مونتالدو وجيلو بونتيكورفو، وغيرهم، ارتبط إلى حد كبير بشخصية جيان ماريا فولونتي كممثل من الكبار يمكنه تجسيد الشخصيات المتنوعة المركّبة بأعلى درجة من درجات الأداء.


شخصيات متنوعة


قام فولونتي بتجسيد شخصية العامل الايطالي فانزيتي في فيلم “ساكو وفانزيتي” للمخرج فرنشيسكو روزي، وبدور العامل لولو ماسا في فيلم “الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة” لإيليو بتري، وبدور ضابط شرطة في “تحقيق مع مواطن فوق مستوى الشبهات” لإيليو بتري أيضا، وبدور إنريكو ماتيه في الفيلم الشهير “قضية ماتيه” لفرنشيسكو روزي، وبدور زعيم المافيا لاكي لوتشيانو في الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه من إخراج روزي، وبدور رئيس الوزراء الإيطالي الذي اختطف وقُتل عام 1978، “ألدو مورو” في فيلم “قضية مورو” للمخرج جيوسيبي فيرارا، وبدور الطبيب اليساري المنفي كارلو ليفي في ملحمة روزي السينمائية “المسيح توقف في إيبولي”، كما قام ببطولة عدد من أشهر الأفلام السياسية لمخرجين فرنسيين ومن أميركا اللاتينية وأسبانيا، منها على سبيل المثال دوره كزعيم للعمال المضربين في الفيلم الشيلي “رسائل من ماروسيا” لميغيل ليتين، وفيلم “تيرانو بانديراس″ للمخرج الأسباني خوسيه لويس غارثيا سانشيز، وكان هذا الفيلم آخر الأفلام التي قام ببطولتها عام 1993.

توفي فولونتي فجأة بنوبة قلبية في 7 ديسمبر 1994، فاضطر المخرج اليوناني ثيو أنجلوبولوس إلى إسناد دوره للممثل السويدي الكبير إيرلاند جوسيفسون. لكن فولونتي ظل في ذاكرة عشاق سينما الفكر والفن، وخصوصا السينما المعارضة التي تسلط الأضواء على الفساد السياسي، وتفضح الانتهاكات على صعيد القانون في إيطاليا (الديمقراطية).

وحتى يومنا هذا لم تعوض السينما الايطالية فولونتي، بموهبته الكبيرة التي مكنته من القيام بأدوار شديدة التنوع، من مجرم قاتل، إلى زعيم عصابة، إلى طبيب ومناضل يساري، إلى عامل نقابي، ثم رئيسا لشركة النفط الحكومية الإيطالية “ماتيه” الذي قتل في ظروف غامضة، إلى ضابط شرطة قاتل.

توفي فولونتي فجأة بنوبة قلبية في 7 ديسمبر 1994، فاضطر المخرج اليوناني ثيو أنجلوبولوس إلى إسناد دوره للممثل السويدي الكبير إيرلاند جوسيفسون

وخارج السينما السياسية قام فولونتي ببطولة أفلام أخرى مثل الفيلم الموسيقي “وقائع موت معلن” لفرنشيسكو روزي عن رواية ماركيز الشهيرة، و”غادة الكاميليا” للمخرج ماورو بولونيني.

فيلم “تحقيق مع مواطن فوق مستوى الشبهات” (1970) للمخرج إيليو بتري، يقوم فولونتي بدور ضابط شرطة يحصل على ترقية لينتقل من قسم الجريمة إلى القسم السياسي المسؤول عن تعقب الجماعات والمنظمات الفوضوية واليسارية في إيطاليا في تلك الفترة، نراه في بداية الفيلم يذبح بدم بارد عشيقته في مسكنها أثناء ممارسة الجنس معها، ثم يتعمد ترك الكثير من الأدلة التي يمكن أن تقود الشرطة إليه باعتباره القاتل، لكنه “مواطن فوق مستوى الشبهات”، لماذا؟ لأنه يمتلك القوة والنفوذ، وهو أيضا “ابن المؤسسة” وخادمها الأمين، وليس من الممكن الاستغناء عنه أو التضحية به، حتى بعد أن يتضح يقينا أنه هو الفاعل.

يمكن القول إن الفيلم هو فولونتي وفولونتي هو الفيلم، فهو يظهر في كل لقطاته، وكثير منها لقطات قريبة تحصر وجهه أو الجزء الأعلى من جسده، أثناء تحركه الذي لا يتوقف قط، مباهاته بنفسه، استعراضه لقوته، وتدريجيا تعلو حالة البارانويا المسيطرة عليه لتصل الى ذروتها..

ثقة الممثل الكبيرة أمام الكاميرا لا تهتز ثانية واحدة، نظرات عينيه التي يكفي أن يرمق بها من زاوية أحدا من المارة داخل مقرّ الشرطة أو يشير بها إلى آخر أن يفعل ما يريده، لكي تتحقق إرادته..

الوحيد الذي يتحداه الطالب الفوضوي الذي يريد فولونتي في البداية أن يجعل تهمة القتل تلبسه، ثم يكتشف أنه لو فعل لما عادت هناك قيمة لمواطن فوق مستوى الشبهات أي أنه يجب أن يظل في بؤرة الشك دون أن يجرؤ أحد على ملاحقته.

أداء فولونتي فذّ حقا، في فيلم يسيطر عليه هو تماما بشخصيته القوية، وحركة جسده الرشيقة، وأدائه العام الذي يتباين، بين الضعف والذلة أمام العشيقة التي تعتبره “ليس رجلا بما فيه الكفاية” وتهينه وتحقره وتلعب وتتلاعب معه وبه، وبين جبروته أمام أقرانه في الشرطة، وأمام الشباب اليساري المعتقل، وأمام أجهزة الإعلام.


أبواب مفتوحة


إحياء لذكرى هذا الممثل الكبير وأدواره الخالدة عرض متحف السينما الوطني في روما أخيرا، نسخة مرممة جديدة من فيلم “أبواب مفتوحة” الذي أخرجه جياني أميليو عام 1990.

ولا شك أن الاختيار ممتاز، فهذا الفيلم تحديدا الذي عدنا لمشاهدته مجددا، ينحاز لمفهوم العدالة الإنسانية التي قد لا تقبل بتطبيق القوانين العادية دون بحث واستقصاء وتدقيق مرهق، خصوصا لو كانت هذه القوانين “قوانين الفاشية” التي وضعت في زمن الديكتاتورية والسيطرة الكاملة على مقدرات البلاد والعباد، باسم إقرار النظام وإخضاع الفرد للدولة.

ويقوم فولونتي في هذا الفيلم بدور القاضي دي فرنشيسكو، الذي يرفض الحكم بالإعدام على رجل اعترف بارتكاب ثلاثة جرائم بل وطلب إصدار الحكم عليه بالإعدام على الفور.

يبدأ فيلم “أبواب مفتوحة” في زمن الفاشية الإيطالية بزعامة موسوليني عام 1937، والأحداث تدور في باليرمو عاصمة صقلية، فنرى رجلا يدعى “توماسو سكاليا” يتوجه إلى مقر عمله في مبنى اتحاد العمال والفنانين الفاشيست، حيث يحتج أمام رئيسه على طرده من العمل رغم ولائه وإخلاصه الشديد للفاشية، وتنتهي المناقشة بأن يخرج سكاليا سكينا يقطع بواسطته رقبة رئيسه ثم يتجه إلى مكتبه ليقتل زميله الذي حلّ محله في وظيفته، وعند عودته لمنزله، يصطحب زوجته في جولة بالسيارة ثم يتوقف في مكان خال حيث يغتصبها ثم يقتلها.

فولونتي ممثل لا ينسى

بعد الانتهاء من ارتكاب جرائمه الثلاث، يذهب سكاليا إلى بيته، يداعب ابنته الصغيرة ثم يستلقي على الفراش في انتظار وصول رجال الشرطة. النظام القضائي الفاشي يفضي بالضرورة إلى إعدام سكاليا على جرائمه، لكن القاضي “دي فرنشيسكو” لا يلجأ للطريق السهل بل يسعى لكشف العلاقة بين الجرائم الثلاث، يستجوب عشرات الشهود، يتشكك في رواية المتهم وفي دوافعه، يتعرض للضغوط من جانب زملائه وكذلك من جانب الصحافة والرأي العام المؤيد للفاشية الذي يطالبه بضرورة إقرار النظام بالحسم والصرامة والحكم بإعدام الرجل، لكن “دي فرنشيسكو” لا يتزحزح أبدا عن موقفه، بل ويعلن لزملائه بصراحة أنه يرفض عقوبة الإعدام التي يعتبرها طقسا من الطقوس البربرية.

“دي فرنشيسكو” أرمل، يعيش مع ابنته الصغيرة، يشعر بالوحدة، لكنه رجل مبادئ إنساني النزعة، يذهب لالتماس الدفء مع عائلته في بلدة قريبة فيتعرض هناك لمزيد من الضغوط من جانب أفراد عائلته الذين يطالبونه بإثبات ولائه للنظام الفاشي والحكم بإعدام سكاليا.

الوحيد الذي يتفهم موقفه والده المسن، وهو قاض متقاعد. وأثناء المحاكمة ينطق أحد أعضاء هيئة المحلفين، وهو فلاح، ظل صامتا طول الجلسات، ويعلن رفضه إدانة الرجل والحكم بإعدامه، ويتفق مع القاضي في ضرورة التمسك بالمثل العليا لتحقيق العدالة. وعندما يزوره “دي فرنشيسكو” في بيته يكتشف أنه يمتلك مكتبة ضخمة تمتلئ بالكتب، وأن الرجل مثقف واسع الاطلاع، وبفضل تمكن هذا الفلاح المثقف من إقناع باقي المحلفين، تنتصر وجهة نظر “دي فرنشيسكو”، وتنتهي المحاكمة بإسقاط العقوبة عن سكاليا.

ومع ذلك يشعر سكاليا بالاشمئزاز من سلوك القاضي الذي يريد أن ينقذ رقبته من حبل المشنقة، فهو قد اعترف بجرائمه ويريد الخلاص بالموت، إيمانا منه بشكل مطلق بالمعتقدات الفاشية، بينما يرفض القاضي منظومة القانون الفاشية ويتمكن من هزيمتها رغم ما يتعرض له من تهديدات خفية.

جيان ماريا فولونتي يؤدي دور القاضي بمعايشة كاملة مع الشخصية، ويضفي عليها الكثير من الرصانة والهدوء والسحر، مع ثباته الواضح المثير للإعجاب، مصرا على قطع الطريق حتى نهايته. إنه يواجه نظاما كاملا بهدوء تام ودون أن يرتجف أو يبالغ في الأداء أو الكلام والحركة، فهو ليس “مناضلا” مسيسا، بل رجل قانون يلتزم فقط بالإخلاص للمفهوم الإنساني الذي يراه صحيحا، في تطبيق القانون.

في نهاية الفيلم سنعرف من خلال المعلومات المنشورة عمّا وقع في القضية الحقيقية التي اقتبس عنها الفيلم، أن الادعاء سوف يستأنف الحكم، وأنه سينجح في استصدار حكم بالإعدام على الرجل، وسوف ينقل القاضي “دي فرنشيسكو” إلى مدينة أخرى، فالفرد وحده ليس بمقدوره هزيمة نظام كامل، وهذه هي الرسالة التي تتكرر في أفلام التيار السياسي في السينما الإيطالية.

16