جيرار دوبارديو يروي فصولا من سيرته الذاتية والفنية

الخميس 2015/02/26
دوبارديو: الماضي هو ذلك الشيء الذي يجعلك تشعر بأنك ثقيل وبليد وتلطم نفسك بنفسك

في كتاب جديد ألّفه بالاشتراك مع الكاتب ليونال دوروا، وحمل عنوان “هكذا حدث”، يروي النّجم الفرنسي الشهير جيرار دوبارديو، المولود عام 1949 ، فصولا من سيرته الذاتيّة والفنيّة بأسلوب بديع، وبجرأة مدهشة، متحديا كلّ الممنوعات، وكلّ المحرّمات، ومن دون أن يتحاشى ذكر العيوب والأخطاء والتناقضات التي وَسَمت مراحل مختلفة من حياته.

يتحدث جيرار دوبارديو في كتابه “هكذا حدث”، الذي ينقسم إلى فصول قصيرة، عن طفولته الصعبة، وعن والدته التي أوشكت على التخلّص منه في بدايات الحمل، وعن الشقاء الذي عرفه في سنوات الطفولة والمراهقة.

كما يتحدث عن سنوات المجد والشهرة، وعن أصدقائه من الفنانين والكتاب، وعن غرامياته، وعن عائلته، يقول “لديّ العائلة التي صنعتها. أحيانا تسقط أغصان لأنها ماتت، وثمّة أشخاص يفقدون الحياة، غير أنهم لا يفقدون الحب ذلك لأنهم يعيشون في داخلي”.

والد جيرار دوبارديو يدعى رني، غير أن أصدقاءه والمقربين منه يدعونه “ديدي”. وكان أميّا لا يحسن غير كتابة حرفين: حرف الدال الذي يبدأ به اسم العائلة وحرف الدال الذي يبدأ به اسم الله في اللغة الفرنسيّة. وهو مرصّص. وغالبا ما يقوم بعمله من دون الحصول على أجره.


حياة حرة


كان والد دوبارديو شبيها بـ”هنود أميركا” الذين كانوا يرغبون في التعرف على تقاليد البيض، وعلى قيمهم مقترحين عليهم منحهم ألف امرأة بيضاء مقابل ألف حصان. وكان “يحبّ أن يعتمر قبّعة البحّارة رغم أنه لم يشاهد البحر ولو مرّة واحدة في حياته”، وكان “يسافر بالخيال عبر العالم”.

عنه يقول جيرار دوبارديو “من حسن حظّي أني تربّيت في أحضانه متمتّعا بحريّة مطلقة”. أما والدة دوبارديو فقد كانت امرأة ذات أحاسيس مرهفة، وكان لها طفل قبل أن تتزوّج من “ديدي”.

دوبارديو يتحدث عن أصدقائه من الفنانين والكتاب وعن غرامياته وعائلته

لذلك رغبت في التخلّص من الذي سيكون في ما بعد نجما سينمائيّا. غير أن “حسن الحظ” ساعده على القدوم إلى العالم.

وعندما حصل على الشهرة، أضحت والدته تقول وهي تتنهّد “لحسن الحظّ أني لم أتخلّص منه رغم أنني كنت عازمة على ذلك!”.

عن السينما يقول جيرار دوبارديو: هناك جملة لبيتر هاندكه فيها يقول “أنا لا اعرف عن نفسي أيّ شيء مقدّما. مغامرتي تأتي حين أرغب في أن أرويها”.

ما يهّمني في السينما هو الكافيتيريا التي يلتقي فيها الممثلون والمخرجون والتقنيّون أثناء العمل، مع العاملين فيها.

أنا لا أبحث عن دور، ولا عن مخرج، ولا أذهب إلى السينما. أشاهد المسلسلات الجيّدة، خصوصا المسلسلات الدنماركيّة، أو “Breahing Bad”. لا.. أنا لا أذهب إلى السينما للبحث عن الواقع إذ أن الواقع يتجاوز الخيال أحيانا. يكفي أن ننظر إلى ما يحدث في عالم السياسة. أكاذيب وسائل الإعلام تتجاوز كلّ ما نقدر على سماعه!”.

ويعترف دوبارديو أنه مع تقدمه في السنّ أصبح يميل إلى الوحدة أكثر من أيّ وقت مضى “ثمّة شيء لم يكن بإمكاني تحمله من قبل أبدا ألا وهو أن أكون وحيدا. أما الآن فأنا أتحمّل ذلك جيّدا. بل إنني ألجأ إلى الوحدة. شطر هائل من حياتي أمضيته وأنا أجوب العالم لكي يعجب الناس بي، ولكي يظهروا لي نوعا من التقدير قبل أن أفعل ذلك تجاه نفسي حتى ولو كان بمقدار أقلّ من ذلك بكثير.

أما راهنا فأنا لا أعير مثل هذا الأمر أيّ اهتمام، وليتعامل معي آخرون كما أنا. وأنا لا أدينهم عندما لا يفعلون ذلك، فإن حاولوا تغييري، أكتفي بأن أقول لهم “حاولوا إذن، وأنا لست ضدّ رغبتكم، لكن عليكم ان تعلموا أنه في الطبيعة المتوحشة كل ما تقطعونه لن يلبث أن ينبت من جديد، انظروا إلى العوسج والعلّيق”.


طرد الماضي


يقول جيرار دوبارديو متحدثا عن الزمن “أنا أطرد كلّ الأشياء التي يمكن أن تحيل إلى الماضي، أنا أعيش في اللحظة، في الحاضر. الماضي هو ذلك الشيء الذي يجعلك تشعر أنك ثقيل، بليد، تلطم نفسك بنفسك”.

وكان بيتر هاندكه على حق عندما كتب يقول “الكائنات المخالفة للصواب في حالة انقراض، الماضي هو العائلة، وهو المرارة، والموت، والزّنخ، وأنا أشفق على كلّ الذين ألتقي بهم وهم يزحفون مثل الحلازين، جارّين عائلاتهم فوق ظهورهم، ومعها أمواتهم، وانشقاقاتهم، وتصدّعاتهم، وخيبات أملهم. ويظلون كذلك إلى أن ينهاروا تحت ثقل ذاكرتهم، وإذا ما أنت منحت الفرصة للماضي فإن الأحياء كما الأموات يقتلونك، فهم لا ينتظرون غير ذلك”.

14