جيرار ديشان فنان الرسم بلا أصباغ

فضاء الفن المعاصر بمدينة دنكيرك الفرنسية يحتفي بأعمال الفنان الفرنسي ديشان.
الاثنين 2021/08/23
مقاربة فنية ملموسة للواقع

في فضاء الفن المعاصر بمدينة دنكيرك الفرنسية يتواصل حتى التاسع عشر من سبتمبر القادم معرض الفنان الفرنسي جيرار ديشان، أحد رموز تيار “الواقعية الجديدة” التي تميزت بمقاربتها الملموسة للواقع. 

جيرار ديشان فنان عصامي فرنسي، ولد في مدينة ليون عام 1937، واختار منذ سن السادسة عشرة التردّد على أروقة شارع السين بباريس بدل الالتحاق بمؤسسة أكاديمية، حيث بدأ يمارس فنه باستعمال الفرشة والألوان الزيتية كسائر الفنانين، ثم عمل على مزج الألوان ببعض الموادّ، غير أن التحوّل الجذري في مسيرته حصل بعد أدائه الخدمة العسكرية في الجزائر في أواسط الخمسينات، فعندما عاد كانت فرنسا تعيش بذخ الستينات والاستهلاك الجماهيري الواسع.

عندئذ اتخذ من الفن شهادة على العصر، ووسيلة فضح ومقاومة، فصارت المادّة تنفلت من لوحاته لتصبح هي نفسها لوحة، ثم استعاض عن الفرشة بالأقمشة والألبسة وحتى الملابس الداخلية النسائية المستعملة، نظرا لغلائها في تلك الفترة، ليصوغها في تشكيلات بديعة ويصنع منها لوحات. وفي هذا يقول “لم أهجر الرسم الزيتي، غير أني اكتشفت أن الفن التشكيلي لا يوجد فقط في أنابيب الألوان”.

جيرار ديشان: الفن التشكيلي لا يوجد فقط في أنابيب الألوان

انخرط ديشان فور نهاية أدائه الخدمة العسكرية وعودته إلى فرنسا في تيار “الواقعية الجديدة” الذي ظهر في نهاية الخمسينات كأول تيار وُصف بالفن المعاصر في الساحة الفرنسية. وكان يضمّ مجموعة من الفنانين برغم اختلاف أساليبهم الفنية، أمثال أرمان فرنانديز، وفرنسوا دوفرين، وإيف كلاين، وجان تينغيلي، وجام فيلّيغلي، قبل أن ينضم إليهم سيزار، وميمّو روتيلّا، ونكي دو سان فال، وكريستو، ومارسيال رايس، ودانيال سبويريّ. ولم يكن هناك فنان آخر ينتج ما تنتجه جماعة الواقعية الجديدة التي كانت تعدّ اثني عشر فنانا يستعملون موجودات المعيش اليومي لخلق لوحات فنية، وقد تبنّوا كلهم ما أسموه “مقاربة جديدة للواقع”.

ولئن اختار كلاين الاشتغال على اللون الأزرق وقد ابتكر أزرق خاصا ينسب إليه، مثلما اختار أرمان حاويات النفايات، وروتيلّا المعلقات المشروطة، وكريستو التعبئة والتغليف، ونكي دو سان فال رشّ اللوحات ببندقية محشوّة ألوانا، فإن ديشان اتجه نحو عرض أشياء ذات طبيعة مختلفة، يقوم بتجميعها وتحويرها ومزجها لخلق لوحات تجريدية، ولكن باستعمال المواد بدل الألوان.

وكان لتجربة ديشان في الجزائر أثر كبير على أعماله منذ 1961 حيث أنجز سلسلة جعل اللوحات المعدنية مادتها، وأقحم فيها آثار رصاصات، إضافة إلى اشتغاله على صفيح مطليّ بألوان قزحية، ومنحوتات من أجنحة الطائرات، وأغطية “باش” عسكرية.

المادّة تنفلت من اللوحة لتصبح هي نفسها لوحة
المادّة تنفلت من اللوحة لتصبح هي نفسها لوحة

وبرغم حضوره المتميز في الساحة الفنية اختار مغادرة باريس في مطلع السبعينات ليمارس فنه في عزلته بجهة بيري، بعيدا عن صخب العاصمة الفرنسية، دون أن يمنعه ذلك من التدخل كلما دعت الحاجة، كرسالته المفتوحة التي اعترض فيها على ما جاء في مقالات الناقد المعروف بيير ريستاني، الذي أنكر أن تكون جماعة “الواقعية الجديدة” هي التي ابتكرت مقاربتها.

وتعتبر أعماله ثمرة بحث متواصل، فيه جانب من الصدفة، حتى في تشكيلات الأشياء في مجموعاته، فهو يقرّ بأنها تتجسّد أحيانا بمفردها، مثلما يقرّ بأن غايته أن يكون شاهدا على مرحلة، ينقل خصائصها ومميزاتها بواسطة أعماله الفنية.

لم يكن ديشان ممّن يقنعون بما تحقّق، فيكرّرونها في شتى أعمالهم، بل كان يداوم التجريب لتطوير أسلوبه وتنويع المواد التي يشتغل عليها. فمنذ العام 1986 بدأ يستعمل الألوان الفوسفورية مع أنسجة جديدة وتشكيلات تحوم حول كرات الشاطئ ولوحات التزحلق والأشرعة.

ديشان يقوم بتجميع أشياء ذات طبيعة مختلفة فيمزجها لخلق لوحات تجريدية، ولكن باستعمال المواد بدل الألوان

وفي عام 2004 انتقل إلى ما أسماه البنى المطاطية التي تختلف تماما عن تجاربه السابقة؛ فقد تخلى عن الأسمال والأقمشة ليختار أشياء يلتقطها من السوبرماركت، كرمز لمجتمع الترفيه والاستهلاك، ويُعيد تشكيلها دون أن يجعل منها أداة إدانة لذلك المجتمع، بل يعرضها أحيانا كما هي مستديرة أو مسطحة، ملساء أو خشنة، ولكن بطريقة فنية تضفي عليها قيمة مضافة، وكأنه يريد من وراء ذلك أن يحفظ علامة من علامات المرحلة كما تحفظ الآثار في متحف.

ويحتوي المعرض المقام له حاليا في فضاء الفن المعاصر بمدينة دنكيرك الفرنسية على نحو مئة عمل فني أنجزها ديشان ما بين عامي 1956 و2000، وتتراوح بين تجاربه الأولى حين كان يكتفي بإعادة تدوير ما يلتقطه من أقمشة وأنسجة وألبسة وأسمال بالية، وبين تجاربه الأخيرة التي تتميّز بإقباله على كل ما يعثر عليه في المحلات التجارية الكبرى من كرات مطاطية ولوحات تزحلق على الماء وأشرعة ومَرتبات مطاطية وحتى مايوهات سباحة، ليخلق منها أعمالا شبيهة بأعمال الأميركي جيف كونز أحيانا.

أي أنه في الحالين يستعمل ما هو متداول بين الناس ولا يعيرونه قيمة، خصوصا إذا بلي، ولا يعرفون له فائدة إلاّ لدى استعماله أول اقتنائه، غير أن ديشان يحوّل كل ذلك إلى تحف فنية تسرّ الناظرين من زوار هذا المعرض.

ويقول ديشان “الواقعية الجديدة هي ما يفعله محافظ متحف: يتناول شيئا عتيقا ويعرضه في واجهة. نحن نقوم بالشيء نفسه باستعمال أشياء أكثر جدّة.. بعد خمسين سنة، إذا أراد شخص ما أن يمارس الواقعية الجديدة فسيكون ذلك في مستطاعه. هل سيكون عمله جميلا؟ لست أدري”.

16