جيريمي ريفكين صاحب الثورة الصناعية الثالثة

الأحد 2016/11/27
مفكر أميركي يبشر بنهاية العمل ومجتمع التعاطف

باريس - الرأسمالية خلقت قاتلها بيديها. ميزانية مالية كبيرة للدعم العلمي، أنتجت ما يلزم لإنهاء المنظومة المالية الراهنة. كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وهل فعلا سنشهد قريبا نهاية العصر الرأسمالي؟ هل انتصرت الشيوعية رغم انهيار الدول الداعمة لها؟ كيف للرأسمالية أن تموت رغم أنها مازالت تنتج وتضخ كميات مالية عملاقة مع كل ساعة في السوق العالمية؟

عام 2014 صرف الاتحاد الأوروبي أكثر من سبعمئة مليار يورو على البنى التحتية الخاصة بالمنظومة الصناعية التقليدية. حينها اعتبر الباحث الاقتصادي والمستقبلي الأميركي جيريمي ريفكين هذه الأموال هدرا عامّا. أموال وضعت في غير مكانها. صرفت في بنية مالية وصناعية وتجارية وصلت إلى ختامها، أي أن النظام الصناعي والاقتصادي الحالي بلغ الذروة الإنتاجية له ولا يمكنه الاستمرار بالمزيد.

الثورة الصناعية الجديدة

ريفكين الباحث الاقتصادي الذي جمع بين التنظير الفكري والعمل الميداني تدريساً وفعلاً اجتماعياً ومدنياً، في محاضرة له بألمانيا التي تعرفه جيداً، قال إن “العالم اليوم يشهد ولادة الثورة الصناعية الثالثة. الثورة التي ستنهي الحالة الرأسمالية العملاقة وستعلن العشرات من الشركات الكبرى إفلاسها”. ضرب ريفكين مثلا بالصحف التي بدأت تنهي إصداراتها المطبوعة. رغم جميع المحاولات الترويجية بأن تحصل على الاشتراكات المجانية من صحيفة النيويورك تايمز -على سبيل المثال- التي توفر لك عشرات المقالات المجانية شهرياً.

الإعلام بات مجانياً. بل بات الإعلام صناعة فردية. كل إنسان قادر على إنتاج المعلومات والأخبار والفيديوهات وبثها والحصول منها على الأموال. وبات المواطن بطريقة أو بأخرى مواطنا صحافياً لمجرّد توفر المعدات اللازمة. الهواتف الذكية الرخيصة ستوفر الإمكانيات لأيّ مواطن في العالم ليكون مصدر إنتاج البيانات والمعلومات والأخبار والفيديوهات وفي المراحل القادمة سيولد الأعظم من كل هذا.

تابع ريفكين على مدى ساعة كاملة من الكلام، طرح الأمثلة. الموسيقيون اليوم ينشرون أعمالهم مجانا عبر الإنترنت. التلفزة اليوم تتجه إلى الإنترنت. الجامعات تتحول إلى منصات تعليمية عبر الإنترنت. المدارس والمعاهد ومراكز البحث، كلها باتت محملة على الإنترنت. الجميع يتجه إلى مجانية المعرفة والمنتجات كلها ستكون بقيمة إنتاجية أساسية قريبة جدا من الصفر.

إنترنت الأشياء

يكفي اليوم أن تملك هاتفاً ذكياً متصلاً بالإنترنت، وطابعة ثلاثية الأبعاد، ومصدرا معرفيا مفتوحا، لتنتج كل ما تريد بكل بساطة وسهولة. من إعادة تدوير المواد وتحويلها إلى مواد أولية يمكن أن تعيد إنتاج طاولة من نفاياتك المنزلية. ثمن الهاتف الذكي قارب عشرة دولارات أميركية بحسب ريفكين، بالطبع من إنتاج الصين التي تستعين بأفكاره لتطوير بنيتها الاقتصادية وحوامل الطاقة فيها. والصين اليوم تعمل أيضا على إنتاج الطابعات ثلاثية الأبعاد وأيضا بأسعار مقاربة للهواتف الذكية. إذن نحن اليوم بصدد مصانع صغيرة بتكلفة زهيدة.

تجربته الطويلة في عالم الاقتصاد والسياسة لم تمنع ريفكين من أن يكون من بين القلة المتفائلة بمستقبل البشرية. ليخالف الكثير من السياسيين والاقتصاديين والمستقبلين بنزعته التبشيرية بعودة منظومة قيم التضامن والتعاطف بين بني البشر من أجل مواجهة المخاطر التي أصبحت تهدد الجميع بدون استثناء

اكتشاف منظومة طاقة وتكنولوجيا اتصالات جديدة يدفع التحول الجذري في الاقتصاد ومن ثم في شبكة العلاقات والقيم والإنسانية الوليدة، جميعها. كما تتميز ثورة ريفكين التي وافق عليها البرلمان الأوروبي في العام 2007، بآليات ومصادر طاقة ونمط جديد، يتم العمل عليها من قبل وكالات مختلفة داخل الاتحاد الأوروبي، وأسس ريفكين لهذا الغرض المائدة المستدير لأعمال الثورة الصناعية الثالثة، والتي يلتقي فيها أكثر من مئة خبير عالمي ورائد في الطاقة المتجددة والصناعة وشركات المهندسين المعماريين والعقارات، والعاملين في المجالات التجارية والتكنولوجية والاتصالات والنقل والخدمات اللوجستية.

طرح واضح وبسيط. اكتشفت منظومة الطاقة والتكنولوجيا الجديدة، وربطت جميعا إلى شبكة الإنترنت في جيلها الجديد، وهذه الأخيرة ربطت الأفراد بكل ما في المحيط.

هذا المختصر النموذجي يعلنه ريفكين ثورة اقتصادية ثالثة ونموذجا اقتصاديا جديداً، يعمل عليه اليوم مع فريق عالمي للتنمية الاقتصادية وينسق العمل مع المدن والجهات، والحكومات الوطنية لوضع خطط رئيسية للانتقال بالاقتصاد إلى ما بعد مجتمع الكربون، تهيئ البنيات التحتية للثورة الصناعية الثالثة.

ضد النفط

لم يتوقف ريفكين عن العمل النّظري والميداني. ففي العام 2009، طور مع فريقه برامج وخطط تنزيل الثورة الصناعية الثالثة لمدن مثل سان أنطونيو (بتكساس) وروما (بإيطاليا) من أجل الانتقال باقتصاد المدينتين إلى المناطق الأولى الخالية من الكربون في العالم.

قبلها أسس ريفكين “مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية” ومقرها في واشنطن، حيث يقوم عمله على الرصد والاستشراف والاستكشاف.

يعود اهتمام ريفكين بالشّأن السياسي الإنساني والاقتصادي إلى ستينات القرن الماضي. في ذاك الزمن البعيد ساعد في الدفاع عن حرية التعبير ضد حرب فيتنام، والمشاركة في حركة السلام ضد الحرب. اهتم بالقانون الدولي والدبلوماسية، وحصل على درجة الماجستير في عام 1968 في الشؤون الدولية في كلية فليتشر “للقانون والدبلوماسية” في جامعة تافتس.

انتقل ريفكين من العمل السياسي الإنساني إلى الاقتصاد والطاقة المجانية. في سبعينات القرن العشرين أيضاً، نظم احتجاجات حاشدة ضد شركات النفط في عام 1973، وعمل نشطاء على رمي براميل النفط فارغة في ميناء بوسطن. كان ذلك أعقاب ارتفاع أسعار البنزين من جرّاء حظر أوبك على النفط.

ألمانيا التي تعرفه جيدا، يعلن منها ريفكين أن "العالم اليوم يشهد ولادة الثورة الصناعية الثالثة. الثورة التي ستنهي الحالة الرأسمالية العملاقة"

كما لفت ريفكين مبكرا إلى العمل في المستقبليات والاستشراف حيث أسس في العام 1977 برفقة تيد هوارد مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية، وهي مؤسسة استشرافية اهتمت بالتحديات البيئية والاقتصادية والمناخية في السياسات العمومية للولايات المتحدة وغيرها من البلدان. تدرس المؤسسة الظواهر الناشئة والاتجاهات الرئيسية وتأثيرها على البيئة والثقافة والاقتصاد والمجتمع. كما انخرطت في قضايا العدالة، والتعليم العام، والأنشطة التعاونية لخدمة أهداف المؤسسة.

رغم تجربته الطويلة في عالم الاقتصاد والسياسة يبقى ريفكين من القلة المتفائلة بمستقبل البشرية. يخالف الكثير من السياسيين والاقتصاديين والمستقبلين بنزعته التبشيرية بعودة منظومة قيم التضامن والتعاطف بين بني البشر من أجل مواجهة المخاطر التي أصبحت تهدد الجميع بدون استثناء. فهو يعتبر أن القرن الماضي سادت فيه نزاعات “جيو-سياسية” كبيرة بسبب الطمع في السيطرة والاستحواذ على الطاقات بخلاف القرن الحالي الذي يرى بأنه سيكون أكثر أنسنة. ولكنه لا يبشر بنهاية المنظومة الاقتصادية الحالية إلا بتطوّرها وانتقالها إلى شكل جديد وطور أحدث من سابقه. طور تختفي فيه المؤسسات العملاقة لتولد المؤسسات الصغيرة والفردية.

زوال الشغل

ريفكين المقيم في ضواحي واشنطن عرف كمحاضر، تلجأ إليه العديد من الشركات، وكذلك الحكومات والمنظمات وممثلو المجتمع المدني والجامعات منذ عام 1975 في مجالات الاستشارة والتكوين.

يبشر ريفكين بالثورة الصناعية الثالثة التي جاءت بعد الثورة الصناعية الأولى التي وقعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت نتيجة اقتران صناعة النسيج والصناعات المعدنية. وجاءت بعدها الثورة الصناعية الثانية التي ولدت في أواخر القرن التاسع عشر. الثورة الثانية جاءت ثمرة اكتشافات الطاقة وتطوير محركات الاحتراق الداخلية.

بعد كل هذه الثورات تولد اليوم الثورة الصناعية الثالثة التي تعني بأن العمل المعروف سابقاً ضمن المنظومة العامة بات على أبواب الزوال فاليوم الآلات تقوم بما نقوم به نحن ومع الوقت سنستثمر المعرفة كمصدر مجاني للكسب، نبيع الكهرباء التي تتولد من ألواح الطاقة الشمسية عبر شبكة الإنترنت ونشتري بثمنها ما نريد وأيضا من ذات الشبكة. إذن نحن اليوم على أبواب النهاية من الحالة التقليدية للمجتمع والمنظومة العامة على هذه الأرض.

ريفكين لم يتوقف عن العمل النّظري والميداني

كتابه “الثورة الصناعية الثالثة” صدر عام 2012، ولا أحد يعرف متى يصير واقعاً. رغم أن ريفكين متيقّن من قيام الثورة واستمرارها. يراها واقعاً لا محالة، وخاصة أن ألمانيا والصين تعملان بكل جهد لتطوير حوامل الطاقة فيهما والصناعات وشبكة الإنترنت. بشّر صاحب كتاب “ضمير جديد لعالم في أزمة. نحو حضارة التعاطف” بأن المنظومة الاستهلاكية والرأسمالية القائمة على أبواب النهاية. فهل تنتهي معها الحروب؟ هل تقتل الثورة الصناعية صناعة الحرب؟

لا أحد يعرف إن كانت ستفعل أم لا. ولا حتى ريفكين المولود في دنفر، كولورادو في 26 يناير 1945، في أسرة كانت تشتغل بصناعة إنتاج الأكياس البلاستيكية، ونشأ وترعرع في جنوب غرب شيكاغو. ويعمل منذ ستينات القرن الماضي في الشأن الإنساني وبعده في الشأن الاقتصادي التنموي، وكذلك في ميادين التحسيس بخطورة الاحتباس الحراري منبّها إلى ضرورة استثمار الصناعة السينمائية والموسيقية ومختلف الفنون في الإسهام بنشر الوعي بالمخاطر المحدقة بالإنسان والطبيعة وضرورة التخطيط المسبق للحدّ من آفاتها المتزايدة.

في سنة 1994 أصبح ريفكين محاضرا بجامعة بنسلفانيا. بعد نشر كتابه عن اقتصاد الهيدروجين، عمل ريفكين في كل من الولايات المتحدة وأوروبا للدفع سياسيا بقضايا الهيدروجين ومصادر الطاقة المتجددة، حيث كان له دور فعال في تأسيس “التحالف الأخضر للهيدروجين” بالولايات المتحدة، والذي يضم 13 منظمة بيئية وسياسية، ويسعى هذا التحالف الكبير إلى بناء وتأسيس اقتصاد الهيدروجين الذي يعتمد مصادر الطاقة المتجددة.

ربما تنجح ثورة ريفكين الصناعية الثالثة بخلق المزيد من الرفاهية، ولكنها هل تنهي الظلم في الأرض؟ هل تقضي على الفقر المدقع في أفريقيا؟ هل تنال الشعوب المقهورة والمسحوقة حقها في الحياة؟ هل يتوقف القتل على أساس ديني؟ هل وهل..، وأسئلة كثيرة لا تنتهي، وربما لا يملك ريفكين أيّا من الإجابات عنها رغم كل ما في قلبه وعقله وطروحاته من تفاؤل.

8