جيريمي كوربين عدو الرأسمالية الذي يحلم بتغيير العالم

الأحد 2015/08/16
كوربين ينوي محاكمة بلير على احتلال العراق

استنفر رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مؤخراً وأدلى بدلوه منتقداً التوجه اليساري لحزب العمال البريطاني، وهو الذي يقود التيار الوسطي داخل صفوفه، ولم يكتف بهذا الانتقاد بل حذر وبشدة من أن إقدام العماليين على انتخاب جيريمي كوربين لرئاسة الحزب هو بمثابة انتحار، وقال بلير إن الحزب يتجه مغمض العينين مباشرة نحو هاوية في أسفلها صخرة مسننة.

فاتورة الحرب

لا يبدو أن استنفار توني بلير، ينحصر في توجه الحزب اليساري وحسب، بل في شخصية كوربين على وجه الخصوص، فبين الرجلين عداء قديم يعود إلى الفترة التي أعقبت مشاركة بريطانيا في حربي أفغانستان والعراق، فقد تصدر كوربين المشهد وقتها معارضاً التوجه إلى الحرب، وانتخب رئيساً لتحالف أوقفوا الحرب، عام 2001 واستطاع أن يحشد المعارضة لهاتين الحربين تحديداً، وقد لعب دوراً كبيراً في تنظيم أكبر مظاهرة احتجاجية سياسية في تاريخ بريطانيا ضد حرب العراق عام 2003.

وقد وعد كوربين أكثر من مرة بمحاسبة أولئك الذين كذبوا على البريطانيين وورطوهم في تلك الحروب، وهو يقصد على وجه التحديد توني بلير.

بالنسبة إلى مؤيديه فإنّ كوربين يمثل نفساً جديدا وعودة إلى جذور حزب العمال اليساري كحركة للطبقة العاملة بعد سنوات من سياسة صديقة للسوق، أثناء حكم توني بلير رئيس الحكومة السابق.

فيما يرى ديف وايد أمين عام نقابة عمال الاتصالات أن الوقت حان للتغيير فهناك “فيروس داخل حزب العمال وجيريمي كوربين هو الدواء” حسب تعبيره.

فقراء بريطانيا

يصف جيريمي كوربين نفسه بأنه مناضل اشتراكي وهو يسعى لمكافحة الفقر، ويضع برنامجاً لا يخلو من بعض الأحلام اليسارية التي تؤمن بالعدالة الاجتماعية والمساواة، وهو ما يقول إن بريطانيا باتت تفتقده، ويعيد السبب في كل ذلك إلى السياسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ ثمانينات القرن الماضي والتي أدت إلى إغلاق مئات المصانع.

كوربين كشف عن مساعيه في حال فوزه برئاسة حزب العمال وهو ما ترجّح معظم مراكز الأبحاث حدوثه، عن أنه سينتهج سياسة تقشف بطريقة مختلفة في السنوات الخمس المقبلة، أما بشأن فقراء بريطانيا فقد أكد كوربين أن على الأغنياء أن يدفعوا المزيد، والفقراء سيتحسّن وضعهم نتيجة ما يقترحه من سياسات، نافياً سعيه لرفع الضرائب على أصحاب الدخول المتدنية أو المتوسطة. معتبراً أن هناك كثيرين يعملون بجد ليبقوا على قيد الحياة ويوفروا أدنى متطلباتها، ولكن القضية تصبح هل علينا رفع الحد الأدنى للأجور أم يكون لدينا نظام ضمان اجتماعي يقدم الفرص ويعين المعوّقين وما إلى ذلك؟

كوربين يكشف عن برنامجه في حال فوزه برئاسة حزب العمال، وهو ما ترجح معظم مراكز الأبحاث حدوثه، عن أنه سينتهج سياسة تقشف بطريقة مختلفة في السنوات الخمس المقبلة، أما بشأن فقراء بريطانيا فقد أكد كوربين أن على الأغنياء أن يدفعوا لهم المزيد

ولا تخلو توجهاته وأحلامه من انتقاد ما يعتبرها مشاكل في الأنظمة البريطانية إذ يرى أن نظام الرعاية الصحية الوطني يعاني الكثير من المشاكل ويتعرّض للهجوم، لكنه يبقى حقا من حقوق الإنسان وينبغي البناء عليه وتحسينه.

ورغم مظاهر الفرحة التي يبديها مناصروه والذين يرون فيه منقذاً إلا أن أياين بيغ بروفسور السياسة في كلية لندن للاقتصاد يرى أنّ أحد أسباب نجاح كوربين هو أنّ خصومه الأكثر ميلا إلى الوسط هم من الدرجة الثانية ولا أحد منهم يعدّ مصدر وحي.

ويرى بيغ أن كوربين سيكون كارثة على حزب العمال، لافتاً إلى أنّ العديد من آرائه كانت هي سياسة الحزب في 1983 عندما فاز العمال بـ28 بالمئة من الأصوات في الانتخابات العامة، ما يعني أن الفشل سيكون مصيره في انتخابات عام 2020 إن استمر في ترديد المقولات والأفكار نفسها.

انتخب جيريمي كوربين عضوا في مجلس النواب البريطاني أول مرة عام 1983 عن إزلينغتون الشمالية وانضم فوراً لمجموعة حملة الاشتراكية، وبعد فترة وجيزة من انتخابه بدأ كتابة عمود أسبوعي في morning star، والذي ما زال مواظباً على كتابته حتى يومنا هذا، وقد أعيد انتخابه لعضوية مجلس النواب سبع مرات متتالية، طرح مجموعة من الأفكار التي أثارت لغطاً في الشارع البريطاني ومن أبرز هذه الأفكار تفضيله أن تتحول بريطانيا إلى جمهورية، وإلغاء مجلس اللوردات والمساواة في التمثيل بين الرجال والنساء في مجلس النواب، إلا أنه يرى أنه هذه الأفكار ليست طارئة ويمكن تأجيلها في الوقت الحالي.

عرف عن كوربين عداؤه الشديد لنظام الفصل العنصري الذي كان سائداً في جنوب أفريقيا، وقد ألقي القبض عليه عام 1984 أثناء تنظيمه احتجاجاً أمام البيت الجنوب أفريقي في العاصمة لندن، وما لبث أن أطلق سراحه بعد ذلك.

أيّد بشكل لافت جمهورية إيرلندا الاتحادية رغم تعارض موقفه هذا مع سياسة حزب العمال الذي ينتمي إليه، وقد لاقت مواقفه هذه انتقادات داخل الحزب لكنه لم تفقده شعبيته التي ضمنت له البقاء عضواً في مجلس النواب، رغم الصعوبات التي عانى منها الحزب في الانتخابات الأخيرة، والنتائج المخيّبة للآمال التي دفعت رئيس الحزب إيد ماليباند للاستقالة من منصبه.

جائزة غاندي الدولية للسلام للعام 2013، تمنح لكوربين وقد ورد في حيثيات منحه الجائزة قبل عامين، أنه بذل جهودا حثيثة خلال فترة عمله البرلمانية لمدة 30 عاما لإعلاء قيم غاندي للعدالة الاجتماعية ونبذ العنف

يعتبر جيريمي كوربين من الأعضاء البارزين في منظمة العفو الدولية وقد قاد عام 1985 حملة عالمية لمحاكمة دكتاتور تشيلي السابق الجنرال بينوشيه، كما أنه لا يخفي دعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية وينظر إليه على أنه واحد من أهم مناصري القضية الفلسطينية في المملكة المتحدة.

ورغم معارضته الشديدة لامتلاك الأسلحة النووية، بل إنه يعتزم التصويت عام 2016 على أن تتخلى بريطانيا عن ترسانتها من السلاح النووي إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يطالب وأكثر من مرة بضرورة رفع العقوبات التي كانت مفروضة في السابق على إيران، معتبراً أن العقوبات لن تجدي نفعاً، وأن المجتمع الدولي ينبغي أن يبحث عن وسائل لا تكون لها انعكاسات سلبية على الشعوب، حسب رأيه.

عام 2013، مُنح كوربين جائزة غاندي الدولية للسلام وجاء في حيثيات منحه الجائزة أنه بذل جهوداً حثيثة خلال فترة عمله البرلمانية لمدة 30 عاماً لإعلاء قيم غاندي للعدالة الاجتماعية ونبذ العنف.

المتقشف

عام 2009 وخلال ما يعرف داخل بريطانيا بفضيحة النفقات الحكومية، أظهرت التحقيقات التي أجريت أن جيريمي كوربين هو أقل النواب البريطانيين إنفاقاً على الإطلاق، وفي عام 2010 تبين أن حجم إنفاقه كان على الأقل بين 650 عضو برلمان بريطانيا، وخلال تصريحات صحفية قال معلقاً على هذه الموضوع: أنا عضو برلمان قليل الإنفاق بشكل كبير، يجب علينا أن نراقب كل ما ننفقه لأنها أموال الشعب وليست أموالنا الشخصية، وقد ساعد نشر هذه الأحداث عنه في زيادة شعبيته.

وبشأن مشاكل المسلمين في بريطانيا، قال كوربين أنا أمثل دائرة انتخابية في أحياء لندن الداخلية، ولدينا فيها خمسة مساجد وكنائس ودور عبادة لليهود، مؤكداً أن العنصرية تراجعت بشكل كبير داخل المدن، ومستويات التمييز أصبحت أقل وأصبح التمييز مخالفا للقانون. وهو أبدى رغبته في بناء بريطانيا تحترم تعدد الأديان والثقافات، ونحن نريد ذلك للعالم أجمع. كما قال.

عرف عن كوربين عداؤه الشديد لنظام الفصل العنصري الذي كان سائداً في جنوب أفريقيا، وقد ألقي القبض عليه عام 1984 أثناء تنظيمه احتجاجاً أمام البيت الجنوب أفريقي في العاصمة لندن

البداية من اتحاد الخياطين

ولد جيريمي كوربين عام 1949 لأبوين كانا ناشطي سلام إبان فترة الحرب الأهلية الأسبانية، وقد تلقى تعليمه حتى سن الثامنة عشرة، ثم غادر الدراسة ليمضي سنتين في خدمة تطوّعية ما وراء البحار في جامايكا، بعد عودته درس الفنون التطبيقية في مدرسة شمال العاصمة لندن، ثم عمل في الاتحاد العام للخياطين وعمّال الملابس، وأصبح عضواً في هيئة الصحة العامة، وفي عام 1974 انتخب عضواً في مجلس هارينغي، عام 1981 عمل جيريمي في الحملة الدعائية لصالح المرشح توني بين للفوز برئاسة حزب العمل، لكن الحملة لم تتكلل بالنجاح.

تزوج مرة وانهار زواجه، ثم تزوج من المهاجرة التشيلية كلوديا التي أنجبت له ثلاثة أبناء، لكن خلافاً وقع بينهما حول إرسال أحد أبنائهما إلى واحدة من المدارس الحكومية التي تشترط الكفاءة، وقد رأى جيريمي في هذا الشرط نوعاً من التمييز الذي لا يفضّله، وإثر هذا الخلاف انفصل الزوجان، ليعود ويتزوج للمرة الثالثة من المهاجرة لورا ألفاريز.

يشجع جيريمي كوربين نادي أرسنال اللندني الشهير، وهو يقول إنه أفضل نادي كرة قدم في العالم، ويعتبر من الأعضاء البارزين في جمعية حماية الحيوان، وهو نباتي لا يأكل اللحوم أبداً. كما أنه لا يشرب الكحول ولا يشارك في الحفلات والسهرات.

ينظر الكثيرون إلى لحيته الخفيفة على أنها شكل من أشكال المعارضة السياسية، وتعتبر أشهر لحية بريطانية في الوقت الحالي، وأخيراً كتبت إحدى الصحف تصف البساطة التي يتحلى بها كوربين قائلة: إن كوربين يصل إلى مقر الحزب راكباً دراجته الهوائية وعند وصوله يدخل ويسلّم ويجلس وبيده ساندويتش يبدأ الأكل ويسأل عن أحوال الجامعات في بريطانيا.

7