جيسون سيلفا مفكر يرصد الإدراك البشري في واقع هجين

الأحد 2016/12/11
فيلسوف العصر الرقمي

دمشق - يقول جيسون سيلفا على قناة ناشيونال جيوغرافيك “تستطيع القصة أن تغمر المُتلقّي عندما تحدث تغييراً يستطيع التعرّف عليه ومتابعته، وذلك كما في الأفلام، عندما تتخذ وجهة نظر شخصية ما وتنسى نفسك، وكما بيّنت صور الرنين المغناطيسي على أشخاص أثناء مشاهدتهم الأفلام، فإنّ السينما هي أقرب ما يمكن الوصول إليه من حالة الحلم وأعيننا مفتوحة، حيث يتضاءل عمل القشرة الجبهية من الدماغ المسؤولة عن الوعي الذاتي، لتندمج في تلك التجربة المسمّاة السينما، وتنسى جسدك، تنسى المسرح وكرسيّك الخاص، وليتحرر العقل من الجسم ويدخل في حالة تشبه التنويم المغناطيسي”.

الوهم والواقع

إذا كان لا بد من تعيين الواقع لإدراكه موضوعيا، وفهمه عقليا، فإن السؤال المهم هو؛ كيف يمكننا تحديده بدقة؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الوهم والواقع؟ وما هو المزيف والحقيقي منه؟ طالما أن إدراكنا له محكوم بمستقبلاتنا الحسية القابلة للخداع أكثر فأكثر.

تحديدا، في ظل الثورة الرقمية، كما أن الإدراك ذاته محكوم بآلية عمل الدماغ البشرية، تلك الآلية التي ترمم النقص الحاصل للصورة ثنائية الأبعاد من خلال تحويلها إلى مجسمات ثلاثية، وفق المخزون المعرفي فيه، فإن هذا الفهم يحيلنا إلى طرح الأسئلة الفلسفية، وكيف نرى العالم في ظل الثورة الرقمية؟ وبأي منظار نراه؟ وهل يبدو لنا كما كان قبلها؟ وهل تكفي أدواتنا الحسية لإدراك المتغير الحاصل؟ ولعل السؤال الأبرز؛ هل بقينا نحن كما كنّا؟ وهل بقيت تصوراتنا عن الوجود وعن أنفسنا كما كانت؟ وما هو تصورنا عن الحياة في المستقبل القادم؟ وتتعدى الأسئلة حدودها العامة لتنتقل إلى الذاتي الحميم بسؤالها المثير: هل بتنا أكثر سعادة، وأقل حزنا؟

بعد أن دخل العصر الرقمي إلى الحاجات الأساسية والوظيفية للأفراد والمجتمعات على حد سواء، وطبع العلاقات الإنسانية بمقتضياته الفاعلة بحكم كونها محمولة على وسائله السريعة والمجدية، بات من الواجب طرح كل تلك الأسئلة من منظورها الفلسفي.

يمكن القول، إن لا شيء بقي على حاله أو مظهره السابق منذ دخل العالم الرقمي إلى صلب حياتنا، متغلغلا في التفاصيل العملية والاستهلاكية اليومية، كمظهر يستتبع تغيير السلوكيات المتبعة، وطرائق التفكير المعتادة، والنظر إلى الوجود الكلي مرورا بتصوراتنا عنه، نافذا إلى أعمق أحلامنا الجديدة التي تتكشف تباعا إمكانية تحقيقها، وسابرا أغوار نزواتنا الخبيئة، وصولا إلى أفكارنا الكبرى عن الوجود والعدم، وعن التطور وظهور الحياة الأولى، وعن حاجة الإنسان أبدا إلى المزيد. يقول سيلفا “ستصبح ثورة تقديم الخدمات حسب الطلب، عالما واسعا حيث ستزيد تحديثات البرامج الحيوية والأدوية المخصصة والذكاء الصناعي من مستوى الرعاية الصحية والرفاهية”.

لا يطرح سيلفا الملقب بفيلسوف العصر الرقمي هذه الأسئلة، وغيرها، فحسب. بل يحاول بناء تصورات أولية لها، في معرض الإجابة عنها، ضمن عملية تشريح تفاعلي لتأثير الثورة الرقمية على الواقعين المادي والاجتماعي، وتحديد التخوم المتحركة بينهما على الدوام، لتشكيل ما اسماه بالواقع الهجين الذي يصعب فيه الفصل بين ما هو داخلي وخارجي بالنسبة إلينا، فبعد الثورة الرقمية لم تعد هناك فواصل واضحة بين الوعي والخارج، ولا بين الذات والموضوع، أصبح الوعي والمكان مترابطين ومتداخلين بصورة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، هو واقع رقمي بإزاء واقع مادي معروف، مشبها العملية بالأوروبوس، والأوروبوس حسب الميثيولوجيا الإغريقية، هو الثعبان الذي يبتلع نفسه ابتداء من ذيله معتقدا بأنه شيء آخر.

ألعاب العقل

سيلفا إذ يعيد صياغة المقولة الشهيرة “ما تأكله هو أنت، وأنت ما تأكل” بقوله إن ما نصممه “يعيد تصميمنا”، دافعا مقولة هيروقليطس “لا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين” إلى بعدها التفاعلي المعاصر، فكما أنتج الإنسان عصره الرقمي، سيعود العصر الرقمي إلى إنتاج الإنسان المعاصر، والمستقبلي، من جديد بطريقة مغايرة، تحدث مزيدا من التحولات.

جيسون سيلفا يحاول بناء تصورات أولية ضمن عملية تشريح تفاعلي لتأثير الثورة الرقمية على الواقعين المادي والاجتماعي، وتحديد التخوم المتحركة بينهما على الدوام، لتشكيل ما أسماه بالواقع الهجين الذي يصعب فيه الفصل بين ما هو داخلي وخارجي بالنسبة إلينا

تقوم رؤية سيلفا للعالم المادي وللوجود كله، بوصفه متحركا وغير متعين بالثابت المادي منه، فما نراه في اللحظة الراهنة ليس سوى الصورة التي أمكننا التوصل إليها حاليا، وكلما توصلنا إلى صورة جديدة يتحتم علينا التفاعل معها وفق مقتضياتها الجديدة، ومنه ينتقل إلى مفهوم الوراثة اللاجينية باعتبار الوسط المحيط عاملا موازيا للشيفرة الوراثية أو الجينات، وهي قابلة للنقل تماما مثلها مثل الجينات الطبيعية، وبإمكانها تحديد الأنماط الفكرية والسلوكية للإنسان وطريقة تعامله ورؤيته للوجود الأكبر وفق تراتيبها.

غير أن سيلفا في الوقت ذاته يركز على الحذر الشديد من التلاعب بطرفي عملية الإدراك، وهما المعلومات المتلقاة من الخارج بوصفها قابلة للتحريف والخداع عبر التكنولوجيا المعاصرة، وكذلك المعالج الرئيس الذي هو الدماغ ذاته، وذلك عبر سلسلته التلفزيونية الشهيرة “ألعاب العقل” التي يقدمها على قناة ناشيونال جيوغرافيك، كما ينصح بالانتقائية الواعية، وتصفية المحتوى الرقمي المناسب، لما يسبب ذلك من تموضع للمتلقي حسب اختياره، لأن الوعي بحسب سيلفا هو ثمرة التفاعل المشترك بين العقل والشيء.

ولد سيلفا في كاراكاس بفنزويلا في العام 1982، وهو أشكنازي يهودي، ولكن وفقا لروايته فإن والديه كانا علمانيين، وكان منزلهما أشبه بأفلام وودي آلن المليئة بالسخرية والكوميديا.

حاز على شهادة الفلسفة والسينما من جامعة ميامي الأميركية، وفي العام 2011 أصبح زميلا في واقع هجين، ليدرس التعايش بين الإنسان والآلة.

سيلفا متحدث دائم في مؤتمرات تيد الشهير، وهي اختصار لتكنولوجيا وترفيه وتصميم، وهي مجموعة غير ربحية هدفها تسليط الضوء على الجديد والاستثنائي المبتكر ومحاولة تعميمه.

بدأ سيلفا الأميركي الجنسية الذي يلقب نفسه بـ”صانع أفلام، مفكر مستقبلي، مدمن على شعور الدهشة بشكل مستمر”، مسيرته العملية تتجسد ضمن برنامج تلفزيوني مع ماكس لوغافير في شبكة التلفزيون الحالي، وهو برنامج تلفزيوني يتحدث عن كل شيء في الحياة من الإدمان والهجرة غير الشرعية إلى تزييف الهويات، واستمر في البرنامج من 2005 إلى 2011.

سيلفا في خضم حديثة المتشعب عن القضايا الكبرى لا يهمل دور العواطف الإنسانية والدوافع العميقة وراء لهاثنا الأبدي نحو الاكتشاف

صندوق الإدراك

اشترك سيلفا بعد سنوات مع قناة تيست تيوب لإخراج سلسلته الشهيرة “شوتز أوف أو” والتي يعتبرها جيسون بمثابة المقهى الخاص به، ويقول عنها “هي صندوقي الرقمي الصغير، أستعرض فيه جوانب مختلفة من الحالة الإنسانية، المستقبليّة، التقنية، الوجودية، الحب وأشياء أخرى، تستمر لمدة دقيقتين أو ثلاث على شكل رشقات فكرية متواصلة ومترابطة، وتهدف لتحقيق المتعة والنشوة الفكرية عند المشاهد”، وقد لاقت السلسلة نجاحا كبيرا من خلال عدد متابعيها.

وليس لهذا المصطلح الذي استخدمه سيلفا في عنوان برنامجه ترجمة حرفية. ولكن بحسب كاترين فوهز فإنه يعني التجربة الإدراكية الحسية التي تحتاج خرائط عقلية جديدة للتعامل مع الإبهام الحاصل بسببها، وهي كالحوت الأبيض العملاق بلا أسنان، ويطفو بكل انسيابية على سطح الماء، لكنه ما زال مخيفا.

وتندرج المواضيع التي يتحدث فيها سيلفا من ظهور الحياة إلى الحديث عن تطور الذكاء، ومفاعيل التطور التقني على لواقطنا الحسية، وضرورة التطور المشترك بين الذكاءين الصناعي والطبيعي، كتمهيد للنقطة المستقبلية القادمة.

أطلق لاحقا سلسلته الشهيرة “ألعاب العقل”، وركز فيها على الآلية الداخلية التي يفهم فيها دماغنا الوسط المحيط، أو حتى الآلية التي يستعصي عليه الإمساك بمفاصل الفهم في البعض منها.

لا ينسى سيلفا في خضم حديثة المتشعب عن القضايا الكبرى دور العواطف الإنسانية والدوافع العميقة وراء لهاثنا الأبدي نحو الاكتشاف، والذهاب إلى عوالم غير التي بوسعنا إدراكها حاليا، والسعي المحموم وراء مزيد من النهم المعرفي والترفيهي، واصفا الإنسان وكأنه آلة مصممة لترغب في البحث عن المزيد من الرغبات، على الرغم من حيازتها لآفاق لم تكن تحلم فيها قط، ولكنه نهم لا يمكنه الاكتفاء.

مع كل هذا الانفعال والشغف والرغبة في الإمساك بالحياة الحالية والمستقبلية، يعتبر سيلفا نفسه انطوائيا بشكل ما

ومع امتلاكنا لكل شيء حسب سيلفا وفق معايير التقدم والمقارنة مع الماضي، فإن مشاعر متناقضة من الحزن تغمر الإنسان بسبب محدوديته، أو ربما بسبب المجهول القادم الذي لم يمتلكه بعد، والذي يمكن أن يبدو الآن بمثابة الخيال أو السحر كما هو الحال معنا اليوم مقاربة حتى بالماضي القريب.

العجلة والعصر الرقمي

إذا كان اكتشاف البرونز، ومن قبله العجلة، ولاحقا البارود قد غيّر مسارات الحياة برمتها، وتشكل لكل عصر منها مجموعة من المعايير العقلية والفلسفية بحكم التبدل الناشئ جراء هذا الاكتشاف الثوري، فإن العصر الرقمي الذي يجتاح كل جوانب حياتنا، من الأفكار التي تتحول إلى بيانات سيالة، ومنقولة عبر الأثير أو الأسلاك لتفعل فعلها، إلى الانفعالات والعواطف والتبادل التجاري والعلمي، وزخم الصور الذي يتشابك عميقا في تشكيل وعينا عن ذاتنا، وعن الكون الحالي والمستقبلي، بالإضافة إلى شهوة الترفيه المتعاظم.

كل هذا يتزاحم رقميا في فضاء أو شبكة متعددة الوظائف، وذلك ما استدعى ظهور سيلفا ليكون فيلسوف العصر الرقمي، و يروّج عبر نزعة تفاؤلية، باعتبار التفاؤل أساس التنمية الذاتية، إلى الإمساك بروح العصر الرقمي متسارع الانتشار، والتعامل الحركي معه، ومسايرة تحولاته بوصفها جينا لاوراثيا، لا يمكن الاختباء منه أو تجنّبه، وهو ما دفع البعض إلى تسميته أيضا بالفيلسوف المستقبلي.

ولكنه، وللمفارقة، مع كل هذا الانفعال والشغف والرغبة في الإمساك بالحياة الحالية والمستقبلية، يعتبر نفسه انطوائيا بشكل ما.

8