جيش الظلام

حين تودّ القراءة للكتّاب العرب حول المستقبليات، وهي العلوم الواجب طرحها اليوم لتقديم حلول استشرافية للواقع الراهن في ما سيلي من الزمن، ستجد العجب العجاب.
الجمعة 2019/09/20
في أعماق التصوف بوابات معرفة تصلح لكل عصر

يا للتصوف كم أبدع من عبارات الحكمة! في ظاهرها عشق وهيام وفي باطنها تفكير وتمعن في الوجود والظواهر. وقد تجد في التصوف ذلك المناخ البهي من الزخرف اللفظي، ولاسيما الأندلسي منه، ولكن في أعماقه بوابات معرفة تصلح لكل عصر.

انظر إلى الشاعر  الأندلسي التطيلي الأعمى صاحب الموشحات البديعة التي لا ننساها ومنها قوله “ضاحك عن جمان/ سافر عن بدرِ// ضاق عنه الزمان/ وحواه صدري”. وكيف تصف كلماته في ما حوله حين يقول “جيشُ الظلام بالصبح مهزومْ، فقُم يا نديمْ”. ولا يدري القارئ عن أي ظلام يتحدث التطيلي؟ هل عن تلك العتمة التي تحيط به وهو لا يبصر ما حوله؟ أم عن الجهل الدامس الذي يحيط بالكل؟ وهو ظلام الفكر والجهل والعدمية واليأس.

وفي مكان آخر من عالم التصوف تجد ابن الخباز يخاطب الآخر، كل الآخر، قائلا “جعلتُ حظّي منهُ، بين الرجا والتمنّي. لم أُظهر اليأس منه، ما أطال التجنّي. ما حال قلبي لديكَ، لا تنقضي حسراته؟ يشكو جواهُ إليكَ، وليس تُجدي شكاتُه”.

يصعب عند فكر كهذا، تصوّر الانقطاع الحضاري الذي أصاب التفكير العربي. والذي أدّى به إلى درك من الجهالة لا يكاد يشبه شيئا مثل عصور ما قبل التحضّر. حين كان الإنسان هائما على وجهه في الأرض، إما يغزوها متنمّرا وإمّا يخضع للقوي فيها صاغرا. وليست هذه طبيعة قابلة للعيش في عصرنا اليوم.

وحين تودّ القراءة للكتّاب العرب حول المستقبليات، وهي العلوم الواجب طرحها اليوم لتقديم حلول استشرافية للواقع الراهن في ما سيلي من الزمن، ستجد العجب العجاب. فيظهر لك فلانٌ في بحث كبير عن المستقبليات مستشهدا بأبي طلحة وأبي قحافة وأبي الجليبيب، أو مستندا إلى دهور مضت وانقضت وبات أهلها تحت التراب. ولا ندري كيف يمكن للمستقبل أن يولد باقتباسات من عقول رَبْع الزمن الماضي؟

بل إنهم يغلفون علوم المستقبل بأوصاف كالتالي “ما زال يكتنف موضوع الدراسات أو العلوم المستقبلية كثير من الغموض”. والأسهل بالنسبة إليهم أن ينسبوها إلى المؤامرات الكونية وبعضهم يستعمل عبارة “ماورائيات”. حتى ليبدو الأمر أشبه بمشهد كاريكاتيري هزلي.

تسمع هذا وتقرأ مثله وتتحسّر على وقت الملايين من البشر الضائع، ويحاصرك “جيش الظلام” الذي حاصر التطيلي. لكن النديم سيستيقظ ذات يوم دون ريب.

24