جيش "الموظفين الأشباح" يحتل مؤسسات الخليج الحكومية

المسؤولون يحاولون إيجاد حلول لمشكلة "البطالة المقنعة" في نفس الوقت الذي يسابقون فيه الزمن لحل مسألة "العمالة المقنعة".
الجمعة 2018/06/22
المرور إلى مرحلة ما بعد النفط يحتاج خطوات جريئة

الرياض – في دول عربية كمصر والمغرب وتونس وسوريا، في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب الأهلية، تشتهر المؤسسات الحكومية بمرض “البطالة المقنعة”، حيث تتضاعف أعداد موظفي القطاع العام، دون أن ينعكس ذلك في صورة قيمة مضافة في عملية الإنتاج.

وتواجه دول الخليج مرضا مماثلا، لكن بأعراض مضاعفة، إذ يحاول المسؤولون إيجاد حلول لمشكلة “البطالة المقنعة”، في نفس الوقت الذي يسابقون فيه الزمن لحل مسألة “العمالة المقنعة".

وتعج المؤسسات الحكومية الخليجية بالآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية منها، دون أن يذهبوا إلى العمل، حيث تبقى مكاتبهم شبه خالية. وخلقت هذه المشكلة جيشا من “الموظفين الأشباح”، في وقت تسعى فيه الحكومات الخليجية إلى تطبيق برامج توظيف المواطنين على حساب العمال الأجانب.

 

يعدّ تسجيل الحضور روتينا طبيعيا لدى الموظفين في مختلف أنحاء العالم إلا في دول الخليج العربي، التي اصطدمت سياساتها الإصلاحية لمرحلة ما بعد النفط بعقلية التعامل السلبي مع العمل الحكومي، حيث تعجّ المؤسسات الحكومية بالآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية دون أن يداوموا، ضمن قضية شديدة التعقيد وتعتبر أكبر حجر عثرة في طريق الإصلاحات، وتقف لائحة الأجور، التي تعتبر أكبر بند إنفاق في الميزانية عموما في أول قائمة السياسات التي تحتاج مراجعة.

ويشير تقرير لوكالة بلومبرغ الأميركية أنه رغم قلة عدد السكان، بات كثيرون في الكويت، مثلا، يطالبون بتقليص العمالة الأجنبية، لكن دون تقديم حلول تذكر لتراجع الإنتاج، ووقوف مؤسسات حكومية على شفا الانهيار، نتيجة احتلال “أشباح” محلّ عمال أجانب حقيقيين.

واتخذت حياة موظفي المكاتب في الكويت شكلا روتينيا لدرجة استوجبت معها طرح الكثير من الأسئلة. فقد كانت الحكومة تحاول تقليص قائمة الأجور التي تستهلك أكثر من نصف ميزانيتها، والتي تعتبر أغرب حصة مُستقطعة حتى عن المعايير الخليجية.

ويؤكد خليفة حمادة، وكيل وزارة المالية في الكويت أنه في العام الماضي، طلبت الكويت من موظفي الحكومة تطبيق نظام الحضور والانصراف باستخدام جهاز بصمة الإصبع. وبعد بضعة أشهر، استقال حوالي 5 آلاف موظف، معظمهم لم يثبتوا وجودهم في مؤسسات الحكومة وكانوا قلقين من أن يقعوا تحت طائلة القانون الجديد.

وبالحديث عن هذه المشكلة، نجد أنها تتكرر تقريبا في جميع دول الخليج العربي. فالحكومة هي الملاذ الأول للعمل بالنسبة للخريجين، حتى عندما لا يكون هناك الكثير لتفعله لموظفيها.

والآن، وبعد سنوات من انخفاض أسعار النفط، وازدياد الوعي بأن النفط سينفد في يوم من الأيام، يسعى حكام الخليج إلى إصلاح الخطة المالية العامة. وتقف لائحة الأجور، التي تعتبر أكبر بند إنفاق في الميزانية عموما، على أول قائمة الإصلاحات. وعلى الرغم من ذلك، تم إرجاء العمل بها، ولم يتم الاقتراب منها إلا بعد ظهور بعض المخاطر السياسية العالية.

ويقول ستيفن هيرتوغ، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، إن ضمان تقلد منصب حكومي “أصبح في الوقت الحالي غير مقبول”. وفي الوقت نفسه، يضيف هيرتوغ “إن المساس برواتب الموظفين يعني التلاعب بنواة العقد الاجتماعي الخليجي”.

Thumbnail

هيمنة القطاع العام

تظهر هذه المشكلة بوضوح في أكبر دولة خليجية، وهي المملكة العربية السعودية، حيث يمكن لدول مثل الكويت أو قطر، في ظل وجود عدد أقل من السكان ونصيب أكبر للفرد في مبيعات الطاقة، أن تتحمل بعض الوقت من أجل التوصل إلى حل. لكن السعودية لا يمكنها فعل ذلك.

وتقول إحصائيات حكومية إن حوالي 70 بالمئة من السعوديين دون الثلاثين من العمر. وسينضم نحو 1.2 مليون إلى القوى العاملة بحلول عام 2022، أي أربعة أضعاف العدد الإجمالي للمواطنين القطريين. وبموجب رؤية ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان الطموحة لعصر ما بعد النفط، من المفترض أن يقع الدور الحاسم لإيجاد وظائف لهؤلاء الشباب على عاتق القطاع الخاص.

وتقلل الحكومة السعودية، التي توظف نحو ثلثي المواطنين السعوديين في مؤسسات القطاع العام، من عجز الميزانية التي تضخمت إلى ما يقرب من 16 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد صدمة تراجع أسعار النفط في عام 2014.

وشأنه شأن غيره من قادة الخليج، بدأ الأمير محمد بن سلمان عملية خفض للتكاليف من خلال تقليص مشاريع الاستثمار، ثم اتجه بعد ذلك إلى رفع الدعم عن الوقود والمرافق الأساسية، في حين قام بفرض قانون ضريبة القيمة المضافة الجديد.

لكن عندما بدأت الحكومة السعودية عملية تخفيض للأجور والبدلات والحوافز التي تدفعها الدولة للموظفين، واجهتها مشكلة ذات بعد سياسي متصل باعتياد المواطنين السعوديين على تلقي دعم من الدولة، على مدار عقود، متمثل في الرواتب الحكومية.

واضطرت الحكومة لاحقا للتراجع عن هذا الإجراء مرة أخرى بعد بضعة أشهر، نتيجة لتصاعد التذمر والاستياء العام، في ظل تراجع الحالة الاقتصادية.

وأصدر الأمير محمد بن سلمان حينها قرارا بمنح الموظفين جميعا مكافأة شهرية قدرها 266 دولارا كبدل كلفة معيشة، متجاهلا بذلك خسائر المدخرات التي من الممكن أن يكون حققها في بعض القطاعات الأخرى.

 وتقول مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن ولي عهد السعودية وقادة الخليج الآخرين يقفون أمام تحدّ مالي كبير. وأضافت أن “هناك حدا لمدى قدرة دول المنطقة على تقليص الإنفاق من رأس المال. هم بحاجة لمراجعة قوائم أجور موظفي الدولة”.

Thumbnail

الموظفون الأشباح

نقلت وكالة بلومبرغ عن موظفة في إحدى الوزارات السعودية قولها إن رئيسها كان يأخذ إجازة بشكل غير رسمي لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع طوال سنوات، ولم يغير هذه العادة حتى عندما تم تطبيق نظام البصمة الجديد.

 وعندما زار الوزير هيئتها الحكومية، تفاجأت بظهور العديد من الأشخاص الذين لم ترهم من قبل، إذ اكتشفت أن كل هؤلاء مقيدون بالفعل في كشوف الرواتب لسنوات عدة.

لذلك كان من الممكن لتكنولوجيا التتبع والمراقبة، مثل جهاز البصمة وبطاقات الحضور والانصراف وكاميرات المراقبة المثبتة في المكاتب، أن تتعرف على هؤلاء “الموظفين الأشباح” الغائبين.

وحاول حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منذ سنتين القيام بتجربة أخرى، من خلال زيارة مفاجئة للمكاتب الحكومية في بداية أسبوع العمل، حيث اكتشف أن الكثير من المكاتب المخصصة للموظفين فارغة.

لكن أسلوب المراقبة الجسدية والتفتيش من قبل المسؤولين أنفسهم لن يساعد في القضاء على مشكلة أخرى متمثلة في الموظفين الذين يأتون بالفعل إلى العمل وينصرفون في المواعيد المحددة، لكن من دون أن يفعلوا شيئا منتجا، أو لا يكون لديهم الكثير للقيام به.

كما لن يعالج أيضا التشوهات الأساسية في أسواق العمل الخليجية. وقالت ناتاليا تامريسا، رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي في دولة الإمارات العربية المتحدة “ندعو إلى إجراء إصلاحات هيكلية. لا نرى أن ذلك قد بدأ يحدث بعد”.

يرفض العديد من الخرّيجين في منطقة الخليج عروض العمل في الشركات الخاصة على أمل أن يتم تعيينهم في المؤسسات الحكومية. فالأجور في القطاعات الحكومية أعلى، وعدد ساعات العمل أقل، وعدد أيام الإجازات أكبر، والبدلات والعلاوات أكثر بكثير مما قد تمنحه شركات القطاع الخاص.

ويتذكر وليد السعيد، وهو استشاري في الكويت ترأس إحدى القطاعات الحكومية، مقابلة له مع أحد الخرّيجين الباحثين عن العمل، البالغ من العمر 22 عاما، وكان سؤاله الأول “ما هو العمر الذي يمكنني أن أتقاعد فيه؟".

 ويقول السعيد إن سلوكيات الشباب تتغير بشكل تدريجي، رغم أن معظم وظائف القطاع الخاص، الأقلّ أجرا، تكون دائما من نصيب الأجانب.

وبرغم ذلك، تحاول حكومات الخليج تقليص أعداد الموظفين الأجانب على أراضيها. فقد أجبرت السعودية، على سبيل المثال، الشركات الخاصة على توظيف المزيد من السعوديين، وحظر العمال المغتربين في بعض الصناعات، بل وفرضت الحكومة عليهم وعلى ذويهم ضرائب جديدة.

لكن الاستغناء عن الأجانب يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حادّ في العمالة. كما يمكن للعديد من الشركات أن تنهار إذا اضطرت إلى قبول توظيف السعوديين، بمعدلات أجور تنافسية مع قطاعات الحكومة، ليحلّوا محلّ الأجانب.

 ويقدر مالك أنه تم الاستغناء بالفعل عن حوالي 466 ألف موظف أجنبي في السعودية في العام الماضي، في حين لم يتم توظيف إلا 103 ألف مواطن سعودي فقط.

Thumbnail

 الأكثر من ذلك، أدى تضييق الخناق من قبل الحكومات، خاصة على المشاريع الاستثمارية، إلى تباطؤ خلق فرص العمل في القطاع الخاص الذي لا يزال يعتمد على المشاريع الحكومية وقدرة الدولة على الإنفاق، باستثناء دبي.

ومن المفترض أن تؤدي كل هذه الإجراءات إلى توقف التدفقات الأجنبية. وقدرت شركة مكينزي آند كو، التي ساعدت في إعادة صياغة الخطة الاقتصادية السعودية، أن هناك حاجة إلى حجم استثمارات يقدر بـ4 تريليونات دولار أميركي لخلق حوالي 6 ملايين وظيفة بحلول عام 2030.

لكن الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية تراجع بأكثر من 80 بالمئة العام الماضي، وفقا لتقرير أصدرته الأمم المتحدة. وقد يكون من الممكن أن تتوقف بعض الشركات عن العمل بسبب الحملة على الفساد التي شنّها ولي عهد السعودية، والتي شهدت اعتقال العشرات من الأمراء والمديرين التنفيذيين السعوديين.

واكتسبت مقترحات تطبيق الحد الأدنى للأجور على مستوى العالم اهتماما عالميا في دول مثل إيطاليا، التي لا تتمتع بثروات الطاقة لتمويلها. وفي الخليج، يقول قباني إن الكويت، ستكون أفضل مكان للبدء. وأضاف “المشكلة هي أن المحادثات بشأن هذه المسألة لا تتم من الأساس”.

وبدلا من ذلك، كان خليفة حمادة شاهدا على تفاقم فقاعة الموظفين في القطاع العام. وكان لدى وزارة المالية حوالي 700 موظف عندما التحق هو بالوزارة في عام 1987. ولكن وصلت أعداد الموظفين الآن إلى حوالي 3500 موظف في حين لم ترتفع أعباء العمل بنسبة 10 بالمئة.

6