جيش باعة الشاي

الخميس 2015/04/30

لم يُصدم عراقيو الداخل بهزيمة جيشهم أمام تنظيم داعـش يـوم سقطـت المـوصل مثلما حدث لعراقيي الخارج. ذلك لأنهم يعرفون جيّدا حقيقة الجيش الذي تم تلفيقه مثل حكاية عبثية، ليكون بديلا عن الجيش الذي تم حله مـن قبل سلطة الاحتلال الأميركي باعتباره أثرا من الماضي ينبغي أن يُمحى، مثلما محيت في ما بعد آثار نمرود وآشور.

الجيش العظيم الذي يتذكره المهاجرون لم يعد له وجود، مثله في ذلك مثل الكثير من الأشياء التي تذكر بالعراق، مثلما هو تاريخيا لا كما تم اختراعه باعتباره عراقا جديدا، هـو عـراق المكونات المتناحرة، العاكفة على عزلاتها، الذاهبة إلى قياماتها التي لن تقع إلا بعد أن يتهشم كل شيء.

جيش العراق الجديد مثله تماما، ومثل مكوناته، ومثل طبقة السياسيين فيه، ومثل متعهدي مشاريعه العمرانية القائمة على السرقـة الكاملة، من غير أن تترك لها أثرا ولو صغيرا على الأرض، ومثل القطارات التي استوردتها حكومته من الصين، وهي تعرف أن العراق لا يملك شبكة سكك حديدية، ومثل أجهزة كشف المتفجرات التي اتضح أنها مجرد دمى بلاستيكية للأطفال.

جيش العراق الجديد كذبة مثل البضائع الصينية المستوردة لتسلية البلهاء، فيما خزانة البلد خاوية من الأموال. هو مثل ممثلي الطوائف الذين قفزوا من القطار الأميركي ليحتلوا مقاعد خصصت لهم في الحافلة الذاهبة إلى طهران، وصاروا يعتبرون أنفسهم وسطاء بين واشنطن وطهران.

وكما يبدو فإن تنظيم داعش الذي استولى على ثلث مساحة العراق بسيارات مدنية وبأسلحة شخصية وبجيش لا يزيد عدد أفراده على الأربعمئة رجل، كان يعرف الشيء الكثير عن ذلك الجيش الذي هو عبارة عن حفلة تنكّرية ارتدى المشاركون فيها أزياء عسكرية بالصدفة.

ما يعرفه تنظيم داعش تعرفه الحكومة العراقية جيدا، فهي بنفسها أشرفت على تأسيس ذلك الجيش ومولته ودربته واشترت له الأسلحة الحديثة. الأنكى من ذلك أن كل ذلك جرى برعاية مباشرة من القوات الأميركية التي تعهدت بإنشاء جيش غير عقائدي، يكون في إمكانه حماية الدولة الناشئة. لقد جاء اعتراف أحد ضباط الجيش الكبار وهو يقيم الآن في ألمانيا بأن ذلك الجيش إنما يتألف من أفراد الميليشيات السابقين الذين تم منحهم رتبا عسكرية عالية بمثابة كشف لحقيقة ذلك الجيش من داخله.

ضرب ذلك اللواء مثلا ببائع شاي كان قد رُقّي إلى رتبة نقيب، غير أنه كان مصرا على التصرف باعتباره بائع شاي. وحين تم توبيخه قال دفاعا عن نفسه “لقد كنت طوال عشرين سنة بائع شاي في فيلق بدر، فكيف يمكنني أن أتغير بين ليلة وضحاها”.

بعد كل هذا، أيحق لنا أن نبحث، أن نتساءل لمَ هزم الجيش العراقي في معركة لم تقع أصلا؟

فذلك الجيش لم يكن إلا عنوانا هزليا لمسرحية مأساوية، انتهت وقائعها بكارثة عظمى سيظل العراقيون يدورون حولها وهم في حالة عمى، ملقين باللوم، بعضهم على البعض الآخر، من غير أن يجرؤ أحد منهم على الإشارة إلى الفساد، باعتباره الوباء الذي اجتاح ضمائرهم وعقولهم وقلوبهم وجعلهم يدرؤون الخطر عن أنفسهم عن طـريق التضحية بالآخرين، من غير أن يفكروا بأن النار التي تشب بالآخرين ستصل إليهم.

اليوم صار جيش باعة الشاي في مرمى سخرية وحقد وكراهية وعبث ميليشيا الحشد الشعبي، التي يشعر أفرادها بأنهم قد حرموا، وإلى الأبد، من غنائم معركة الأنبار التي لا يبدو جيش العراق الجديد مستعدا لتحريرها.

لذلك صار زعماء الميليشيات يسخرون من رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي وهم يعرفون أنه لا يقوى على الرد عليهم بأفعال جيشه الذي لا وجود حقيقي له على ساحة المعركة.

لقد أخطأ حيدر العبادي حين مرر فتوى السيستاني التي أنتجت الحشد الشعبي، الذي هو تجمع لميليشيات، سبق لها أن ارتكبت أبشع الجرائم في حق العراقيين.

الآن يدفع العراق كله ثمن تلك الفتوى الطائفية. فلولاها لكان العبادي قد لجأ، مضطرا، إلى إعادة النظر في مسألة الجيش، الذي اكتشف مصدوما أن جزءا منه كان فضائيا، حسب تعبير العبادي نفسه.

الآن يقف العبادي بين نارين. نار داعش التي تحرق أجزاء من البلاد التي يحكمها، ونار الميليشيات الشيعية التي يمكنها أن تشب في ثيابه، فيما أفراد جيشه يهزمون في كل معركة يُزجون فيها.

كاتب عراقي

8