جيف بيزوس مؤسس أمازون الذي يهدد إمبراطورية نتفلكس

السبت 2017/02/18
جيف بيزوس طفل حالم بالكواكب يصبح ملك سوق الإنترنت

عمان- يصنف من الخمسة الأكثر تأثيراً وثراءً في العالم. أنهى العام 2016 بثروة بلغت 45.2 مليار دولار، قبل أن يزيد حجمها الآن إلى حوالي 70.3 مليار دولار. الإبداع والطموح قاداه للوصول إلى قمة النجاح في ريادة الأعمال، هو جيف بيزوس المؤسس والمدير التنفيذي لأمازون التي تعد أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في العالم، ومن خلالها يقوم بيزوس باقتحام مجالات تجارية متعددة، فمن كان يتصور أن يتعدى عمل أمازون على التسويق الإلكتروني، لتصل إلى منافسة إمبراطوريتين عالميتين هما نيتفلكس ويوتيوب.

لم يكتف بيزوس بمشروعه الأول أمازون. ففي عام 1998 أصبح أحد أوائل المستثمرين في غوغل، عندما اشترى أسهما بمبلغ 250 ألف دولار لتتجاوز القيمة لاحقا 2.2 مليار دولار، وفي 2013 أعلن بيزوس أن أمازون تعمل على مشروع طائرة من دون طيار بهدف إيصال الطرود في غضون 30 دقيقة، وفي وقت سابق تمت أول عملية توصيل بضائع عن طريق طائرة من دون طيار وذلك في إطار تجربة قامت بها الشركة في مدينة كامبريدج.

أنشأ بيزوس شركة بلو أوريجين التي تقوم بإرسال رحلات مأهولة إلى الفضاء لإرضاء شغفه في هذا المجال، ويخصص لها يوما واحدا في الأسبوع لإدارتها والإشراف عليها، لأن هدفه في الحياة هو إنقاذ البشر من خلال إقامة مستعمرات إنسانية في الفضاء وتحويل كوكب الأرض إلى ما يشبه محمية طبيعية، على حسب تعبيره.

كما قام باستثمار 100 مليون دولار لصالح شركة تعمل على تطوير نوع من اختبارات الدم التي تستطيع رصد أنواع مختلفة من السرطان في مرحلة مبكرة. وأذهل بيزوس الجميع بإقدامه على خطوة الاستحواذ على صحيفة واشنطن بوست، حيث استطاع شراءها عام 2013 بمبلغ 250 مليون دولار، وحققت بعدها نموا سريعا بإيرادات بلغت 71.66 مليون دولار.

ولد بيزوس بمدينة ألباكيري في ولاية نيومكسيكو الأميركية في العام 1964، من أمّ تدعى جاكي كانت تبلغ وقتها من العمر 19 عاماً وأب يدعى برينستون كان عمره 20 عاماً. وترعرع مع والدته وزوجها بيزوس بعد أن تركهما أبوه وهو في سنّ مبكرة. لكن أمه تزوجت لاحقاً. زوج والدته كان بمثابة الوالد الحقيقي، لدرجة أن جيف اختار أن يكون اسمه تابعا له، حيث أن اسمه الأصلي هو جيفري برينستون يورغنسن.

أظهر جيف نبوغا منذ سن مبكرة، ولهذا قام جده بتعزيز قدراته العقلية، حيث كان يقضي معه فترة الصيف بأغلبها في مزرعته بولاية تكساس، وعندما وصل إلى عمر المرحلة الابتدائية أصر الجد أن تكون دراسة الحفيد بالقرب منه، وهذا ما حصل بالفعل، ولكن جيف اختار مدينة ميامي في ولاية فلوريدا لتكون مكانا لدراسته الثانوية، حينها أخبر مدرّسيه أن مستقبل البشرية ليس على كوكب الأرض، لكنّهم سخروا منه. وخلال سنوات المراهقة، قرّر بيزوس خوض تجربة العمل، والتحق بسلسلة مطاعم ماكدونالدز، لكنه لم يواصل لعدم شعوره بالارتياح في تلك المهنة، ليلتحق بعدها بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي، وتخرج فيها بتخصص الهندسة الإلكترونية وعلوم الحاسوب.

أمازون تتمتع الآن بحقوق بث 18 ألف فيلم ومسلسل حصريا لها عبر الإنترنت مقابل 4500 لدى نتفلكس، لكن الأخيرة تتمتع بتنوع أكثر في المسلسلات والأفلام، رغم أنها بدأت تحاكي هوليوود في عرض الأفلام الدعائية الصهيونية المعادية للعرب والفلسطينيين

بعد التخرج عمل بيزوس في عدة شركات معروفة بمجالات التقنيات والخدمات المالية، أصبح الموظف رقم 11 في شركة ناشئة جديدة اسمها فيتيل، وفي عام 1990 أصبح أصغر نائب للرئيس في تاريخ شركة بانكر ترست، ثم انتقل للعمل محللا ماليا في شركة دي أي شاو للخدمات المالية حتى عام 1994، حيث ترك وظيفته بعد أن جذبته فكرة بيع الكتب عبر الإنترنت التي شكلت انطلاقته لتأسيس موقع أمازون دوت كوم.

أسّس جيف خدمة ناشئة جديدة للأخبار بواسطة الفاكس مع رجل الأعمال التكنولوجي هالسي مينور، الذي قام لاحقاً بتأسيس موقع جينت، ومن ثمّ أنشأ بيزوس حملة اسمها “المرأة المتابعة”، وهي الخطوة التي ساعدته لإيجاد شريكة الحياة، التي كان في أمسّ الحاجة لها، وهي زميلته في الحملة وتدعى ماكينزي، وهي تعمل الآن روائية، وأنجبت من بيزوس أربعة أطفال.

الكتاب سبب نشوء أمازون

في سنة 1996، وبينما كان بيزوس يجلس مع زوجته ماكينزي على مائدة الإفطار، خطرت بباله فكرة أن يبيع بعضاً من الكتب التي لديه عن طريق شبكة الإنترنت، ولعمل ذلك فكر في أن يؤسس موقعا اتفق مع زوجته على تسميته بـ”أمازون”، تيمناً بالغابات والطبيعة، وذلك لثراء الموقع وضخامته.

واجه بيزوس صعوبات كثيرة لتمويل مشروعه أمازون الذي حدد له ميزانية بقيمة مليون دولار، وذلك بسبب ما وصفه حينها بـ”ضعف فهم المستثمرين وعدم إيمانهم بإمكانيات الإنترنت، وتشكيكهم في قدرة مشروع أمازون على النجاح”. يقول جيف عن تلك الفترة العصيبة التي عاشها “مرت عليّ أوقات كان من الممكن أن تتلاشى فيها الشركة حتى قبل أن تبدأ أعمالها”.

ولكن بيزوس استطاع تنفيذ أمازون، وذلك بعد حصوله على مبلغ مئة ألف دولار من والديه، والاستعانة ببعض معارفه في وول ستريت لعقد لقاءات مع عدد من المستثمرين والذين وصل عددهم إلى 60 مستثمراً خلال بضعة أشهر، ونجح في إقناع عدد منهم باستثمار خمسين ألف دولار لكل شخص. بدأ بيزوس إنشاء موقع أمازون بعمل قائمة مكونة من 20 منتجا يمكن بيعها عبر شبكة الإنترنت، واستقر على أن تكون الكتب هي الخيار الأفضل لبداية مشروعه. وانطلق أمازون عام 1994 وكان سعر السهم لشركته هو دولار واحد فقط تقريبا، ولكن في عام 1999 وصل سعر السهم إلى 100 دولار تقريباً.

تعتبر شركة أمازون من أكثر الشركات المبتكرة للمنتجات والخدمات

في الشهر الأول لإطلاق موقع أمازون، باع الموقع الكتب عبر 50 ولاية داخل الولايات المتحدة الأميركية، من نيويورك حتى سياتل، وفي 45 دولة أخرى مختلفة. أوشك أمازون على الإفلاس في سنتي 1998 و1999، بسبب خوف وقلق المؤلفين على كتبهم من الاقتباس والسرقة الفكرية، حيث كانوا يتمسكون بحقوق النشر، وسعى جيف في البداية إلى أن يكون أمازون أكبر متجر إلكتروني لبيع الكتب وأن يضمّ أكثر من عشرة أضعاف ما تعرضه أكبر المتاجر التقليدية، ولكن الموقع لم يبدأ في تحقيق الأرباح إلا مع بداية سنة 2000، أي أنه كان يخسر أو يدفع رأس المال بالكامل طيلة السنوات الست منذ إنشائه.

حصل الموقع الشهير على جائزة أفضل شركة أميركية تهتم بزبائنها من جمعية الحفاظ على حقوق المستهلك بأميركا، ويقول بيزوس إن هذا الأمر هو ما كان يؤدي إلى الخسائر في السنوات الماضية “لقد كنا ومازلنا نقدم تعويضات مباشرة لعملائنا الذين لا تصل إليهم طلباتهم لأيّ سبب كان، بالإضافة إلى طاقم خدمة العملاء المكون من العديد من الموظفين للرد على الأسئلة والاستفسارات بأسرع ما يمكن وبإفادة تامة ومفصلة”.

موقع أمازون يوصف بأنه أكبر متجر إلكتروني في العالم، لأنه يقدم آلاف السلع في صناعات متعددة، وهو ليس له مكان على أرض الواقع، وإنما يتوفر على مخازن يتم تخزين السلع فيها، وإرسالها إلى أصحابها على عناوينهم، كما يقدم أمازون خدمات الحاسوب التي سجلت إيرادات وصلت إلى ثمانية مليارات دولار عام 2015.

يعتمد بيزوس في عمله بموقع أمازون على تحقيق معادلة هو من ابتكرها وهي “العناد في الرؤية والمرونة في التفاصيل”، يقول في لقاء تلفزيوني “نحن عنيدون في رؤية شركتنا، ومرنون في التفاصيل، هذه قاعدة مهمة جداً لرواد الأعمال، يجب أن يكون لديهم الثبات والإصرار على رؤية مشروعهم الناشئ وألاّ يتراجعوا عن رؤيتهم، في حين أن تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع يجب أن تتم بشكل مرن، فالمهم هو الوصول إلى الهدف، لا طريقة تحقيق هذا الهدف”.

بيزوس يؤمن بأن التجريب يولّد الابتكار، ويقول عن ذلك إنك “إذا ضاعفت عدد التجارب التي تقوم بها في كل سنة فأنت تسير إلى مضاعفة الابتكار، فالتجربة هي التي تولّد الابتكارات، ولا بد لرائد الأعمال من أن يجرب الكثير من المحاولات حتى يصل إلى الابتكار الذي يستحوذ على اهتمام المستهلكين، ومن الضروري ألاّ يخاف رائد الأعمال من فشل التجارب وأن يستمر في التجريب في حال فشل بعض التجارب حتى يصل إلى الابتكار”.

حرب أمازون ونتفلكس

خدمة أمازون تمكن المستخدمين من رفع وتحميل فيديوهات على الموقع، وأيضاً إمكانية الربح من خلال هذه الفيديوهات

تعتبر شركة أمازون من أكثر الشركات المبتكرة للمنتجات والخدمات المختلفة، وذلك يعود إلى استراتيجية بيزوس في كثرة التجريب، فاختراع المنتجات الجديدة هو أحد أهم مكونات تلك الاستراتيجية، حيث أعلنت مجموعة أمازون منذ حوالي شهرين توسيع خدمتها “برايم فيديو” للتسجيلات المصورة عبر الإنترنت لتشمل مئتي بلد، ما يجعلها في منافسة مباشرة مع نتفلكس على المستوى العالمي. هذه الخدمة تقدم برامج تعرض للمرة الأولى بينها “موتسارت إن ذي جانغل” و”ترانسبارنت” إضافة إلى مجموعة كبيرة من الأفلام والمسلسلات الشعبية، حيث تتمتع أمازون الآن بحقوق بث 18 ألف فيلم ومسلسل حصريا لها عبر الإنترنت مقابل 4500 لدى نتفلكس، لكن الأخيرة تتمتع بتنوع أكثر في المسلسلات والأفلام، رغم أنها بدأت تحاكي هوليوود في عرض الأفلام الدعائية الصهيونية المعادية للعرب والفلسطينيين.

تتفوق منصة أمازون “برايم فيديو” على منصة نتفلكس بامتلاكها أسبقية العرض الأول لبعض العروض التلفزيونية الجديدة في فئة المحتوى المرئي “إتش دي آر” مع بعض المسلسلات الشهيرة التي حازت على إعجاب الملايين حول العالم مثل “مستر روبورت” الذي يقوم ببطولته النجم المصري الأميركي رامي مالك.

ومن ناحية أخرى تنتج “برايم فيديو” العديد من العناوين الشهيرة مثل “شفاف” والذي فاز بجائزة “الغولدن غلوب” العام الماضي كأفضل مسلسل تلفزيوني كوميدي وموسيقي. يشرف بيزوس بنفسه على تطوير شبكته “أمازون برايم فيديو” ليجعلها متقدمة على نتفليكس التي كانت هي اللاعب الأقوى والأول حول العالم في السنوات الأخيرة، وبالرغم من الانتشار الذي وصلت إليه، إلا أن المميزات التي تقدمها شركة أمازون لمستخدميها وخاصة أولئك المهتمين بالتسوق من موقعها الإلكتروني، ومشاهدة المحتوى المرئي بدقة “فور كي” تكون الخيار الأهم للملايين من المستخدمين حول العالم.

لهذا الأسباب كلها، تعتبر شركة أمازون هي الفائزة نظرا لتقدمها في منافسة نتفلكس بشكل باهر، بالإضافة إلى مميزات موقعها الإلكتروني التجاري الذي يحصل عليها المستخدمون فور الاشتراك في “برايم فيديو”، والتي باتت متوفرة من دون تكاليف إضافية في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وكندا والهند، لمشتركي خدمتي “بريميوم” و”برايم” من أمازون، في عرض يتيح للزبائن الحصول على طلبات الشراء التي قاموا بها عبر الموقع والاطلاع على كتيب المضامين الرقمية، وفي البلدان الأخرى، تقترح أمازون تعريفة اشتراك محددة بـ2.99 دولار شهريا، في حين تبلغ تعريفة شبكة نتفلكس الشهرية 5.99 دولار.

أمازون لا يزال أمامها طريق طويل للحاق بيوتيوب

حرب أمازون على نتفلكس لا تقتصر على السعر فقط بل حتى في الانتشار، لأن خدمتها متاحة عبر أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية من خلال تطبيق إلكتروني إضافة إلى أجهزة التلفزيون الذكية المتصلة بالإنترنت “سمارت تي في”، وسيتمكن المستخدمون أيضا من تحميل البرامج على هواتفهم الذكية لمشاهدتها عندما يكونون غير متصلين بشبكة الإنترنت.

وتشير التقديرات إلى أن عدد مشتركي خدمة “برايم فيديو أمازون ” كان 65 مليونا في نهاية شهر سبتمبر 2016 في الولايات المتحدة وحدها، وتقول الشركة أن العدد زاد بنسبة 38 بالمئة مقارنة مع شهر أبريل 2016. أصبحت برايم وسيلة للوفاء بكل احتياجات المتسوقين المادية والرقمية بحسب تعبير بيزوس، الذي يسعى إلى أن تكون “برايم” صفقة مغرية للجمهور إلى درجة يصبح عدم الاشتراك فيها تصرفا “غير مسؤول” على حد قوله.

الهدف القادم يوتيوب

كانت أمازون قد دشنت شهر أبريل العام الماضي خدمة جديدة تدعى “فيديو دايريكت” تنافس بها موقع التواصل الاجتماعي يوتيوب، حيث تُمكّن خدمة أمازون المستخدمين من رفع وتحميل فيديوهات على الموقع، وأيضاً إمكانية الربح من خلال هذه الفيديوهات، ويتيح الموقع للمستخدم خيار جعل المحتوى مجانيا أو مدفوعا، لأن مقاطع الفيديو تكون متاحة للاستئجار أو الامتلاك، وستتيح إما مشاهدتها مجانا مصحوبة بإعلانات، أو جمعها معا وعرضها في إطار اشتراك. ومن حيث توزيع الأرباح، فإن أمازون ستتقاضى 45 بالمئة من عائدات الإعلانات في الفيديو المتاح مجانا، بينما ستذهب الـ55 بالمئة المتبقية إلى صناع المحتوى.

لكن الخبراء في عالم التكنولوجيا يرون أن أمازون لا يزال أمامها طريق طويل للحاق بيوتيوب وهو الموقع الأول لرفع مقاطع الفيديو على الإنترنت ويملك أكثر من مليار مستخدم منذ 2005. أمازون شركة تؤمن بمركزية الزبون، لأنها تعتبره هو مركز الشركة وسبب وجودها، وتعتبر رضا الزبائن أساسيا في جميع نشاطاتها، وفي سياق حديثه عن خدمة الزبائن يقول بيزوس “الشيء الوحيد الأكثر أهمية هو التركيز على الزبون بقلق شديد، هدفنا أن نكون أكثر الشركات المرتكزة على الزبون في العالم”. توجت مجلة “تايم” الأميركية عام 1999 جيف بيزوس بلقب “شخصية العام”، وهو الآن عضو في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، و كان قد حصل على الدكتوراه الفخرية في العلوم عام 2008 من جامعة “كارنيجي ميلون يونيفرسيتي”.

14