جيف سيشنز محافظ متطرف لم يستطع مجاراة ترامب

السبت 2017/07/29
جيف سيشنز وزير العدل الأميركي يحاول النجاة بنفسه من مركب مضطرب

واشنطن- ليس خبراً عادياً ذلك الهجوم الكلامي الذي واجه به الرئيس الأميركي دونالد ترامب حليفه القوي جيف سيشنز علناً بعدما كان قد خاض معركة حاميةً لتعيينه وزيراً للعدل في حكومته.

كان أعداء سيشنز حين اختاره ترامب ذوي تأثير بالغ الأهمية بحكم أدوارهم ومسؤولياتهم. صحيفة واشنطن بوست الأميركية ذكرت قبل تعيينه أن أكثر من 1100 من أساتذة القانون الدولي في الولايات المتحدة يعارضون ترشيح جيف سيشنز لمنصب وزير العدل في إدارة ترامب.

وأوضحت الصحيفة أن المجموعة الكبيرة من هؤلاء الأساتذة من مختلف الولايات قد أرسلوا خطابا إلى الكونغرس يحثون فيه مجلس الشيوخ على رفض تعيين سيشنز في هذا المنصب.

وأشارت الصحيفة إلى أن الخطاب الذي وقعه أساتذة من 170 كلية للقانون في 48 ولاية موجه إلى اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ الذي كان سيعقد آنذاك جلسة للنظر في ترشيح سيشنز للمنصب يومي العاشر والحادي عشر من يناير2017.

وقال الموقّعون على الخطاب “إنهم مقتنعون أن سيشنز لن ينفّذ بشكل عادل قوانين البلاد ولن يعزّز العدالة والمساواة في الولايات المتحدة”. ومن بين الموقّعين على الخطاب لورانس تريب من جامعة هارفارد وجيفورى ستون من جامعة شيكاغو وباميلا كارلان من جامعة ستانفورد.

وكتب أساتذة القانون يقولون “إن بعضهم يشعر بالقلق من دعمه لبناء جدار حدودي مع المكسيك ومعارضته المتكررة للجهود التشريعية لتعزيز حقوق المرأة والمثليين في الولايات المتحدة”.

وقبل أيام قليلة صَعّدَ ترامب من حربه الكلامية على وزير العدل وحليفه السابق سيشنز مغرداً على تويتر “إن وزير العدل محاصر بالمشكلات”، متسائلا “لماذا لا يقوم سيشنز بالتحقيق بشأن مرشحة الرئاسة في 2016 وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون؟”، وتساءل أيضاً “لماذا لا تقوم اللجان والمحققون وبالطبع مدعينا العام المحاصر بالمشكلات، بالتحقيق في جرائم هيلاري الملتوية والعلاقات مع روسيا”. كما عبّر ترامب عن غضبه المتزايد إزاء سيشنز مع تسارع التحقيقات التي تجريها وزارة العدل في احتمال تدخل روسيا في الانتخابات.

وفي الأسبوع الماضي وبّخ ترامب سيشنز علناً لتراجعه عن مسائل متعلقة بالتحقيق عندما نأى بنفسه عن التحقيق عن دوره في حملة ترامب وبشأن اتصالات سابقة لم يعلن عنها مع السفير الروسي في واشنطن.

مارك وورنر نائب رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس يظفر بإجابة ثمينة حين تمكن من توجيه سؤال مباشر لسيشنز بشأن دوره في إقالة كومي. فأجاب أنه لم يتحدث مطلقا مع المدير السابق للـ"إف بي آي"، الذي يعمل تحت إشرافه، بشأن أدائه الوظيفي قبل أن يقيله ترامب، لكنه أكد تصريح كومي بأنه أبلغه بكونه لا يشعر بارتياح في الحديث مع الرئيس بشكل مباشر

اتهامات بالعنصرية

ولد سيشنز يوم 24 ديسمبر 1946 في منطقة سيلما بولاية ألاباما، درس في جامعة ألاباما للحقوق وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون عام 1973. وبدأ حياته المهنية في مجال المحاماة بولاية ألاباما، وفي أواسط السبعينات من القرن العشرين عمل مساعدا للمدعي العام الاتحادي بالولاية. ثم عيّنه الرئيس رونالد ريغن مدعياً عاما اتحاديا في المقاطعة نفسها، وهو المنصب الذي تولاه لمدة 12 عاما، علماً أنه خدم في جيش الاحتياط الأميركي ما بين عامي 1973 و1986.

وفي عام 1986 اقترح ريغن اسم سيشنز لتولّي منصب القاضي الاتحادي للمقاطعة الجنوبية في ولاية ألاباما، لكن مجلس الشيوخ رفض تعيينه بسبب اتهامات له بالعنصرية لكنه شغل عام 1994 منصب النائب العام الأول لولاية ألاباما واستمر فيه عاماً كاملاً. انتخب عام 1996 لأول مرة في الكونغرس وأعيد انتخابه في أعوام 2002 و2008 و2014 ليشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية للهجرة في مجلس الشيوخ.

وتشير السيرة الذاتية لسيشنز إلى أنه يمتلك خبرة ودراية سياسية، بعكس بعض الشخصيات التي اختارها ترامب في الإدارة الجديدة التي تولت السلطة يوم 20 يناير الماضي. ويعرف سيشنز بمواقفه السياسية المتحفظة والمثيرة للجدل، حتى إن مجلة ناشيونال جورنال الأميركية وضعته عام 2007 في المرتبة الخامسة من ناحية النواب الأكثر تحفظا في الكونغرس، وكان هذا الجمهوري من أشد المؤيدين لإدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن خصوصا فيما يتعلق بغزو العراق.

عُدّ سيشنز في البداية من أبرز داعمي الرئيس دونالد ترامب، فكان من الجمهوريين الأوائل الذين أعلنوا مبكرا تأييدهم له، وهو يتقاسم معه العديد من المواقف وعلى رأسها معارضتهما لمسألة الهجرة غير النظامية. وكان من منتقدي سياسة الرئيس أوباما الخاصة بالهجرة، ونقل عنه قوله إن “مدارسنا وأسواق العمل عندنا ومواردنا العامة تتعرض بالفعل لضغوط شديدة، وحتى بالمعدلات الحالية ليست لدينا القدرة على فحص القادمين لبيان ذوي المعتقدات المتطرفة”.

غير أن سيشنز نفى يوم 10 يناير الماضي اتهامات له بالعنصرية بناء على تصريحات له تعود إلى عام 1986، وتعهد بحماية الأقليات والحريات الفردية. وقال إنه لا يؤيد إصدار قانون يمنع المسلمين من دخول الأراضي الأميركية، مع تأكيده في الوقت نفسه على أن محاربة ما سمّاه إرهاب الإسلام المتطرف يمثل أولوية.

كان من أشد المؤيدين للرئيس الأسبق جورج بوش الابن في غزو العراق

وكان سيشنز قد اتهم عام 1986 بالإدلاء بتصريحات عنصرية على خلفية قوله لمحام أبيض إنه وصمة عار لدفاعه عن موكّلين سود، كما نقل عنه أنه خاطب نائبا عاما أسود مستخدما عبارة “يا ولد” التي تنم في الولايات المتحدة عن دلالات عنصرية قوية.

يؤيد سيشنز، شأنه شأن ترامب، بناء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك، وكان قد دعا في السابق إلى وضع سياج يصل طوله إلى ألفي ميل (3.2 آلاف كيلومتر) على الحدود بين البلدين.

نأي بالنفس لم يجد نفعا

في خطابه السبت الـ22 من يوليو 2017 قال سيشنز “من المهم أن تكون لديّ فرصة للردّ على تلك القضايا في المكان المناسب وهو لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ”. وكان من المقرر مثول سيشنز أمام لجنتي الاعتماد الفرعيتين في مجلس الشيوخ والنواب، الثلاثاء الماضي، لكنه قال في خطابه إن نائبه رود روزنشتاين سيحضر بدلا عنه.

وكان سيشنز نأى بنفسه عن تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن تدخل روسيا المزعوم في الانتخابات الرئاسية، بعدما تبيّن أنه التقى سفير روسيا في واشنطن إبّان سباق البيت الأبيض العام الماضي، وكان جيمس كومي رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق قال لمجلس الشيوخ “إن ثمة مجموعة من الأسباب تفسر إشكالية تورط سيشنز في تحقيقات تدخّل روسيا المزعوم في الانتخابات الرئاسية”.

وكان سيشنز رفض مرارا الردّ على تساؤلات تتعلق بأحاديثه الخاصة مع الرئيس دونالد ترامب من بينها إذا كان تحدث لترامب بشأن تعامل المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي مع قضية تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الماضي.

جيف سيشنز يأتي من عصر الرئيس رونالد ريغن الذي كان قد اقترح اسمه لتولي منصب القاضي الاتحادي للمقاطعة الجنوبية في ولاية ألاباما، لكن مجلس الشيوخ، حينها، رفض تعيينه بسبب اتهامات بالعنصرية وجهت إليه، لكنه شغل عام 1994 منصب النائب العام الأول لولاية ألاباما، واستمر فيه عاما كاملا

استنفار الكونغرس

تعهد وزير العدل بالدفاع عن سمعته ضد مزاعم حاقدة وكاذبة، وجاءت تصريحاته بعد أن أعرب كومي عن اعتقاده بأن إقالته جاءت للتأثير على التحقيقات التي يجريها مكتب التحقيقات في تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية.

لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ وهي واحدة من لجان عديدة بالكونغرس، بالإضافة إلى مستشار خاص، تحقق حاليا فيما إذا كان أيّ من مسؤولي الحملة الانتخابية لترامب تواطؤوا في المخطط المزعوم للكرملين للتأثير على نتائج الانتخابات ومن بينهم سيشنز بالطبع.

وكان سيشنز أكد خلال جلسة الاستماع أنه لم يتلق مطلقا أيّ تقرير سرّي بشأن تدخل روسيا في الانتخابات ونفى بشدة أيضا أن يكون تحدث مع مسؤولين روس بشأن الانتخابات أثناء الحملة التي كان يعمل فيها مستشارا مقربا من المرشح ترامب آنذاك، وقال سيشنز خلال الجلسة التي عُقدت مؤخرا للاستماع إلى شهادته “لم ألتق مطلقا أو أجر أيّ محادثات مع روس أو أيّ مسؤولين أجانب فيما يتعلق بأيّ نوع من التدخل في أيّ حملة انتخابات في الولايات المتحدة”. وسيشنز هو أهم عضو في إدارة ترامب يدلي بشهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.

أقر سيشنز بأنه التقى بالسفير الروسي سيرغي كيسلياك مرتين، لكنه أشار إلى أنه لا يتذكر إذا كان التقاه خلال كلمة للمرشح الرئاسي ترامب آنذاك حول السياسة الخارجية في فندق ماي فلاور في الـ27 من أبريل من العام الماضي 2016، حسبما ذكرت وسائل إعلام أميركية.

ونفى سيشنز، وهو نائب سابق عن ولاية ألاباما، التقارير الإعلامية التي أشارت إلى أنه عرض استقالته حينما ذكرت تقارير أن ترامب كان مستاء من تنحّيه عن تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي حول مزاعم تدخل روسيا، وقال “إنه لا يخاف من أيّ شيء”.

سيشنز يرفض باستمرار الرد على تساؤلات تتعلق بأحاديثه الخاصة مع الرئيس دونالد ترامب

وكان مارك وورنر نائب رئيس اللجنة، من الحزب الديمقراطي، قد وجه سؤالا لسيشنز بشأن دوره في إقالة كومي؟ فأجاب إنه لم يتحدث مطلقا مع المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف، بي، آي)، الذي يعمل تحت إشرافه، بشأن أدائه الوظيفي قبل أن يقيله ترامب في مايو الماضي.

لكنه أكد بالفعل تصريح كومي بأنه أبلغ وزير العدل بأنه لا يشعر بارتياح في الحديث مع الرئيس بشكل مباشر. وأعرب العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين عن استيائهم لرفض سيشنز المتكرر الرد على الأسئلة المتعلقة بأحاديثه مع الرئيس ترامب.

خذلان ترامب

سجّلت للرجل مواقف أخرى مثل معارضته مرشحي الرئيس أوباما لعضوية المحكمة العليا، والتشريعات التي سعت إلى تقنين زواج الشواذ والإجهاض، كما عارض بقوة مشاريع زيادة مخصصات الدعم الصحي والطبي. وبالرغم من كل المشتركات في الأفكار والمواقف بين ترامب وسيشنز إلا أن العلاقة بينهما تعرضت مؤخراً لتوتر واضح بسبب التحقيقات المرتبطة بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية.

فقد انتقد الرئيس طريقة تعامل وزير العدل سيشنز مع الموضوع، وحسب صحيفة نيويورك تايمز فإن ترامب قال عن وزير العدل “كيف يمكن أن تقبل وظيفة ثم تنأى بنفسك؟ لو كان نأى بنفسه قبل الوظيفة لكنت قلت له شكرا جيف لكنّي لن أعيّنك”. وأضاف “إن ما فعله سيشنز بحق الرئيس ظالم إلى أقصى الحدود، وهذه كلمة مخففة”، منتقدا أداء الوزير أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الشهر الماضي، ووصف ذلك بالقول “سيشنز أعطى أجوبة سيئة”.

12