جيلاتو

السبت 2015/08/08

أكثر المدن ضجيجا، هي المدن التي تمتلئ شوارعها بالأجانب الذين يمرّون فيها وهم يحملون وجوههم المتعبة بالحنين وحواراتهم المثقلة بلكنة الاشتياق، ونظراتهم المصوبة بحذر إلى أوطانهم البعيدة. بعض المدن مثل الأمهات تحتضن الغريب وتقفل عليه جفني وداعتها وتربت على ضياعه، وبعضها أكثر قسوة من زوجة الأب في فيلم سندريلا؛ تجتذبه أضواؤها وشرفاتها ومقاهيها وتنبذه نظرات باعتها المتجولين وسائقو باصاتها والمسنات وهن في طريقهن إلى أفران الخبز صباحا.

لكن المدن بجميع ألوانها لا يمكنها أن تعيش طويلا عندما تتخلى عن بعض من هويتها؛ لغتها، باعتبارها القدر الذي يتقاسمه أبناؤها والخيط الذي يشدّها إلى ماضيها وحاضرها ويوصلها بمستقبلها، فاللغة هي الثقافة والشعب والمدينة وأسلوب العيش والحب والبغض أيضا. إلا أن الجهل بلغة بلد ما، لم يمنع الناس يوما من السفر لغرض زيارة المدن الغريبة أو بهدف العيش فيها، وتعتمد عملية تسهيل لغة التفاهم بين الغريب وأهل الدار على مدى استعداد الطرف الثاني لتذويب الحواجز ومد جسور (الضيافة) ولو بابتسامة.

التحدث بلغة الآخر، كان وما يزال يمس جانبا حساسا من حياة سكان بعض المدن الذين لم يخرجوا بعد من نفق التاريخ المظلم وذكريات الحروب والهيمنة، فيجد بعضهم في تداول لغة ما بمثابة التبعية الفكرية والثقافية للآخر وبما تنطوي عليه من خيانة للغة الأم والهوية، كما قد يظهر البعض في محيط الانبهار بهذا (الآخر) وهو أمر غير محبب لمن يعتز بهويته وتاريخه وحاضره.

بعض المدن، مثل لندن، تبادر فتعقد الصداقات مع الغرباء بكل أشكالهم فتجدها تلوّح بـ(رايات) الود والدعة بوجه كل من يلجأ إليها، بإرادة مستطرق سائح أو لاجئ ضيّع طريق العودة إلى وطنه. ولهذا، لا تفارق الابتسامة وجوه سائقي الباصات وسعاة البريد وعجائز الثامنة صباحا ومعلمات المدارس وبائعي الصحف، بل أن بعض اللندنيين لا يترددون في حفظ عبارات وكلمات ترحيب بالعربية أو الهندية إرضاء لزبون غريب ينوي شراء رغيف خبز أو علبة حليب، أو مجاملة لجار الجار أو تشجيعا لتلميذ مستجد في مدرسة ابتدائية.

مثلا، هنالك مدن أخرى مثل ميلان، وهي ثاني أكبر مدن إيطاليا من حيث عدد السكان وأكثرها تعددا للثقافات وتضم أكبر تنوع للجنسيات فيها، وإحدى أكبر عواصم الموضة والعمارة على مستوى العالم. ومع كل هذه المزايا، فإن زيارة خاطفة إلى هذه المدينة الساحرة قد تنهي علاقتك العاطفية معها إلى الأبد؛ فإذا لم تكشفك ملامحك الغريبة فضحتْك الحيرة التي تلبس وجهك وأنت تمارس توهانك الحر في الشوارع الحلزونية، لتنتهي دائماً بمعرض أزياء لماركة عالمية لا تجرؤ حتى على النظر إليها من خلال حاجز زجاجي.

وعندما يحين موعد الجوع، تتعقد الأمور بصورة أكبر حين يرفض جميع الباعة وأصحاب المطاعم التحدث بغير الإيطالية غرورا وتعجرفا، وكأنهم يقولون للمسافر: ارحل فلا مكان لك هنا. ولأن المدينة تشتهر بأنواع عجيبة غريبة من الـ(آيس كريم) فقد حدثتني نفسي بمحاولة القفز على القوانين اللغوية والتحدث باللغة العالمية لحقوق المسافر، لكن الطرف الواقف خلف عربة الآيس كريم احتفظ بتجهم ملامحه، فأبدلت لكنتي بلغة الإشارات من دون جدوى أيضا، إذ رفض البائع يدي الممدودة بالنقود وأصر على أن ألفظ الكلمة بلغته تعاليا. لكن الذاكرة خانتني ولم أحصل على كلمة السر إلا بعد ساعات لدى استعانتي بصديقة، وكانت تضحك وهي تنطقها “جيلاتو”، إنها كلمة بسيطة.

كان الأوان قد فات على الـ”جيلاتو”، فكبريائي لم تسمح لي إلا بالعدو سريعا والعودة إلى الفندق البارد. أما الأيام الأخيرة التي قضيتها في هذه المدينة العابسة، فقد تكللت بالصمت الرهيب. آثرت الصمت على تعلم اللغة الإيطالية حتى ولو قايضوني بجبل من الآيس كريم.

21