جيلبار نقاش مناضل "زج" بكل سنوات سجنه في كتاب

الأحد 2014/03/23
التونسي اليهودي عدو الصهيونية والاستبداد معا

للوهلة الأولى قد يتساءل تونسي أو عربي، هل يمكن أن يكون “جيلبار نقاش” هذا تونسيا أو عربيا؟ السؤال بقدر ما يخفي استبطانا للانتماء المترجم أسماء أو توصيفات فإن إجابته العادية: نعم جيلبار نقاش تونسيّ “جدا”. و”جدّا” هذه وصف يضاف إلى الرجل بحجم ما قدمه من نضالات رأى أن وطنه جدير بها.

في سيرة جيلبار نقّاش مسارات ثلاثة؛ مسار شخصي يخصّ جيلبار الإنسان والمثقف، ومسار سياسي نضالي اتّصل بانتمائه المبكر إلى “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس″ (المعروف اصطلاحا بحركة آفاق أو “برسبكتيف” نسبة إلى المجلة التي كان يصدرها التنظيم). ومسار أخير حرج في إثارته وهو انتماؤه إلى أصول يهودية. تقاطع كل هذه المسارات خلق من “بابي” (الاسم الذي يناديه به أصدقاؤه ورفاقه) حكاية نضال مخصوصة ومتفردة.

ولد جيلبار نقاش عام 1939 في العاصمة التونسية، في أوج المفصل الاستعماري، وفي بداية نضج الحركة الوطنية التي استخرجت من البيئة التونسية أحزابا عديدة متنوعة: الحزب الدستوري القديم، والحزب الدستوري الجديد (منذ مارس 1934) والحزب الشيوعي التونسي (تأسس عام 1920). درس جيلبار في المعهد الوطني الفلاحي في باريس ثم عاد إلى تونس لتنطلق مباشرة مسيرته السياسية والأدبية معا.

بمجرد عودته انضم إلى “برسبكتيف” التنظيم الذي تأسس في باريس منذ 1963، على يد ثلّة من الطلبة التونسيين ينتمون إلى تيارات فكرية ماركسية وقومية متنوعة. كانت المجموعة نشأت في ظروف موسومة بالانغلاق السياسي الحاد خاصة بعد قرار حظر الحزب الشيوعي التونسي، وبعد تصاعد ملاحقة التيار اليوسفي (نسبة إلى الزعيم صالح بن يوسف الذي اغتيل في فرانكفورت صيف 1961).


معارضة بورقيبة


وقد ضمّت المجموعة المؤسسة نخبة من المثقفين والطلبة ينتمون لعدد من التيارات الماركسية والقومية. نشأت في ظروف إعلان الحزب الحر الدستوري الجديد كحزب واحد بعد حظر الحزب الشيوعي التونسي وأصدرت الحركة مجلة سياسية نظرية ناطقة باللغة الفرنسية “آفاق تونسية” نشرت فيها عدة دراسات اقتصادية واجتماعية وأخذت من خلالها مواقف راديكالية من النظام البورقيبي ومن التجربة التعاضدية (توجه اشتراكي للاقتصاد بقيادة الوزير أحمد بن صالح) كما هاجمت الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية والاتحاد السوفيتي الذي وصفته بـ”الإمبريالية الاشتراكية”.

كتب نقاش في سجنه يوميات سمّاها(كريستال) وصدرت في كتاب، وكان يدونها على ورق علب السجائر ليخفيها عن السجانين.. ورق علب سجائر من نوع(كريستال)

في صيف 1964 قررت الحركة نقل مركز نشاطها إلى تونس حيث أصبحت أنشط حركة معارضة للرئيس بورقيبة. في جوان 1967 شاركت الحركة في المظاهرات التي شهدتها تونس العاصمة بعد اندلاع حرب الستة أيام، وقبض خلالها على عدد من مناضليها من بينهم الطالب محمد بن جنات الذي حكم عليه 20 سنة أشغال شاقة. عام 1968 اعتقلت السلطات الأمنية عدة مناضلين في الحركة وأحيلوا في يوليو من نفس العام على محكمة أمن الدولة المشكلة حديثا آنذاك.

كان جيلبار نقاش طرفا في أغلب هذه المفاصل، كان شاهدا على نقاشات باريس وكان حاضرا أثناء تحول التنظيم إلى تونس، وكان أيضا ممن اعتقلوا عام 1968 وحوكموا بتهمة الانتماء إلى “برسبكتيف” ونالوا أحكاما قاسية بنظر الجميع (يشار إلى التذمر الهامس لدى بعض رجالات بورقيبة آنذاك على غرار الباهي الأدغم الذي اعتبرهم خيرة شباب تونس).


كريستال


“كريستال” اسم اختار جيلبار أن يعنون به كتابه “سليل” تجربته السجنية، والاسم ليس مصادفة أو إيغالا في الغرائبية بل كان إحالة على الأوراق الصغيرة التي كان يكتب فيها جيلبار مسودة كتابه، وكانت عبارة عن أوراق علب السجائر الذي من نوع “الكريستال” (تعني الصفاء في مقابلها الفرنسي وفي ذلك شيء من سخرية أو تهكم أو أثر لسنوات السجن الطويلة).

كان نقاش طرفا في أغلب مفاصل النضال التونسي من أجل الديمقراطية، وكان شاهدا على نقاشات باريس، واعتقل في العام عام 1968 وحوكم بتهمة الانتماء إلى(برسبكتيف)

عن “كريستاله” يقول جيلبار “لقد نزلت عليّ الكتابة دون أن أسعى إليها، لقد لجأت إليها لأنه لم يكن لديّ ما أفعله. لقد كان من الصعب جدا إمضاء 18 ساعة في اليوم دون قراءة ودون عمل أي شيء! كانت الكتابة إذن وسيلة لتمضية الوقت، وكانت أيضا، في البداية نوعا من العلاج، علاج الجراح الداخلية التي جاءت نتيجة للانقطاع عن الأصدقاء لأسباب سياسية وكانت الكتابة في البداية، محاولة لتخيّل حياة هؤلاء الأصدقاء ومن كان يمكن أن يكون في علاقة معهم، أي طريقة لتجاوز كل ما يدفع في اتجاه إدانتهم أو التباكي أو لومهم على اتخاذهم هذا الموقف أو ذاك، وكانت الكتابة أيضا وسيلة للفهم، أو لمحاولة الفهم، فعندما نفهم يصبح كل شيء أكثر سهولة، هذه كانت البداية، ثم إن الكتابة كانت أساسا مشروعا افتراضيا للحوار، لقد كنت أكتب وأنا أفكر في بعض الأفراد كنت أكتب وانأ أتخيل الشخص المعني وهو يبتسم أو يكشر أو يتفاعل، إنها طريقة لكي أكون مع الناس حتى ولو لم أكن معهم”.

كان جيلبار يرى في السجن أكثر من مجرد أسوار عالية وقضبان وأبواب مغلقة، كان يرى فيه قطيعة بين نمطين من التفكير “كان السجن نتيجة لقطيعة كانت في الحقيقة، قد حدثت من الطرفين. كنا نحن باعتبارنا مناضلين شبانا لدينا مطالبنا ومشاريعنا للبلد قد قطعنا مع من يمسكون بمقاليد السلطة ولا يستعملونها لصالح البلد، وقطيعة من جانب من يمسكون مع من لا يستطيعون القبول بوجود تصور يختلف مع تصورهم. لم يكن السجن أو بمعنى آخر، القمع سوى الشكل الذي اتخذته القطيعة في هذا المسار”.

لم يكن “كريستال” (الذي أصدره عام 1982) الكتاب اليتيم لجيلبار بل أردفه بإصدارات أخرى، مثل كتاب “السماء فوق السطح” (الصادر عام 2005) وكتاب “ماذا فعلتَ بشبابك؟” (صدر عام 2009)، فضلا عن مئات المقالات والمساهمات الأخرى التي كان يكتبها في مجلات وصحف تونسية وفرنسية.

المثير في جيلبار نقاش أنه يفخر بكونه تونسيا، وفخره بانتمائه الوطني بدأ حتما من نضاله ومعارضته لبورقيبة بما يعنيه من خيارات ورؤى سياسية واقتصادية وثقافية، وفخره يتبدّى كذلك من تعبيراته التي كان يصدحُ بها دائما بكونه تونسيا ولا يأبه لغير ذلك. ولكن غيره كانوا يرون الأمور من جهة مخالفة لمفهوم الانتماء الوطني ولذلك كان جيلبار وصحبه من يهود تونس هدفا عام 1967 لبعض الصيحات الموتورة التي وصلت أقصى تعبيراتها في محاولة الهجوم على كنيس لافاييت بتونس العاصمة.

بعد الثورة التونسية واصل جيلبار نقاش ثورته فكان أول المنسحبين من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي بعد فرار ابن علي وعارض حكومة الباجي قايد السبسي، وحكومة النهضة، ونقد مشروع(قانون تحصين الثورة)

كان هؤلاء وبتسرّع وبفهم سطحي لكل شيء يرون أن القضية الفلسطينية خلاف بين يهود ومسلمين، لذلك لم يروا ضيرا في مهاجمة يهود تونس بل طالبوا بطردهم من البلاد (دون أن يدور في خلدهم أن هؤلاء إن أطردوا فسيذهبون رأسا إلى إسرائيل وهو ما حدث مع بعض العائلات اليهودية التونسية العريقة).


اليهودي الماركسي عدو الصهيونية


أما جيلبار نقاش فقد كان ماركسيا، وذلك يعني بالنسبة إليه ولرفاقه أن يعادي الحركة الصهيونية مبدئيا، باعتبارها حركة استعمارية عنصرية، أما الانتماء الديني فهو شأن شخصي صرف. لذلك لم يكن مستغربا مشاركة جيلبار (شأنه في ذلك شأن جورج عدة وسارج عدة وغيرهما من يهود تونس) في كل الفعاليات المنددة بالانتهاكات الصهيونية على مرّ العقود، ولا يستغرب ذلك إلا القاصر عن رسم الحدود بين الديانة والأيديولوجيا أو من يتقصّد فسخ الحدود لتلبيس الدين بالسياسة.

بعد الثورة التونسية واصل جيلبار نقاش مساهمته في الحراك السياسي، وكان لا يتردد في أن يدلي بدلوه في الشأن العام، وكان يكتب دائما وينقد ويعارض كدأبه. يذكر أنه كان أول المنسحبين من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي التي تأسست أشهرا قليلة بعد فرار ابن علي وكان يرأسها الفقيه الدستوري عياض بن عاشور، عارض حكومة الباجي قايد السبسي، وعارض حكومة النهضة الإسلامية، ونقد مشروع “قانون تحصين الثورة” ورأى أنه لا يجب أن يٌعتمد إلا في إطار قانون العدالة الانتقالية.

قال جيلبار نقاش: ” بورقيبة لم يأت بالدولة الحديثة بل ورثها من الاستعمار وهي مبادئ ترجع للجمهورية الفرنسية الثالثة وحتى تحرير المرأة كان كردة فعل على التيار اليوسفي لكسب أنصار، أما ابن علي فهو امتداد لنظام بورقيبة و ابن علي الوحيد القادر آن ذاك على إدارة دولة دكتاتورية بشكل مافيوزي”.

9