جيليان سلوفو تفوز بجائزة "بين الذهبية" لعام 2013

الجمعة 2013/12/13
سلوفو تكشف أن مانديلا كان منقذ بلده من التمييز العنصري

من المرجح أن روايات جيليان سلوفو "تُمثل الشجاعة والالتزام والفطنة السياسية التي تحتفي بها مؤسسة بين"، هكذا أعلن رفيق عبدالله نائب رئيس المؤسسة التي استقالت سلوفو منها قبل ثلاثة أشهر من انتهاء مدة خدمتها كرئيسة مجلس إدارتها بسبب ما أسمته انعدام "المسؤولية الديمقراطية" بين أعضاء مجلس الإدارة. كان قد سبقها إلى الفوز بجائزة "بين الذهبية" المسرحي البريطاني هارولد بينتر والروائية البريطانية دوريس ليسينج والروائي البريطاني سلمان رشدي.

نشرت سلوفو مواطنة جنوب أفريقيا اثنتي عشرة رواية ومذكرات عائلية تحمل عنوان "كل شيء سري" (1997)، وتسرد فيها قصة والديها اللذين شنّا حملات ضارية على سياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. ترشحت أيضا روايتها "طريق جليدي" (2004) الواقعة في ليننغراد إبان العقد الرابع من القرن العشرين لجائزة أورانج.


الألم العاري


فازت رواية سلوفو "غبار أحمر" (2000) بجائزة "تيموا دو موند" وتحولت إلى فيلم من بطولة الممثلة الأميركية هيلاري سوانك. تنبش الرواية حقيقة أسرار تكتنف مجتمع سعى إلى التبرؤ من عنصريته ورتق ما أفضت إليه من شقاق، ما الذي جعل لجنة الحقيقة والمصالحة تأسر الخيال الجمعي العالمي متجاوزة حدود جنوب أفريقيا نفسها؟ الحق أن المبادرات المماثلة في أوغندا والأرجنتين لم تسفر عن ذلك الصدى المترامي.

ولكن انتقال جنوب أفريقيا من عهد التمييز العنصري انقلب قصة خيالية، صار نيلسون مانديلا عَرَّابا لهذا التغيير، ولولاه لاستحالت النقلة، وصارت اللجنة عصا سحرية يتحول معها الظالم إلى تائب يستجدي الغفران والمظلوم إلى مواطن مرفوع الرأس يصفح عن طيب خاطر.

الأدب وحده هو القادر على رواية القصة بكل ما يشوبها من التباس وتمزق

ولكن سلوفو تكشف عن قرب وبصراحة موجعة أن مانديلا كان بحق المنقذ غير أن نتائج اللجنة ذاتها كانت كابوسا، لا حلما مثاليا. تتراءى لي الحقيقة في هذه الرواية كما المياه حين تحاول القبض عليها بكف ملساء.

تغرد بعيدا عن السرب اليوطوبي المعتاد وتباغتنا بأن المصالحة لم تكن طريقا ممهَّدة، وإنما استعصت على الجميع، والتوق الطبيعي إلى العدالة لم يشبعه أحد، لقد خاضوها برفقة مانديلا "بالدموع والدماء". سوف نجد مقابلا غير قصصي لهذه الرواية مجسَّدا في كتاب شاعرة جنوب أفريقيا أنتيجي كروج "بلد جمجمتي" (1998) – سردٌ لا يعدم القسوة لشهور لا سبيل إلى احتمالها أعقبت جلسات استماع عقدتها لجنة المصالحة، وما قصّته من مشاهدات واقعية يخلف القارئ مذهولا من فرط الألم العاري؛ مثله مثل الاعترافات ذاتها.


تلاعب الذاكرة

الأدب وحده هو القادر على رواية القصة بما يشوبها من التباس


ولكن الأدب وحده هو القادر على رواية القصة بكل ما يشوبها من التباس وتمزق. تفوح من "غبار أحمر" أجواء أفريقيا وروائحها، بل ومعذبوها وأبطالها وضحاياها. تنفض بإيقاع متسارع يحفل بالانعطافات وكأنها رواية بوليسية، وإن تخلو من صيغ مبتذلة أحيانا من تميز هذا النوع من الأدب.

وبسبب بشرتها البيضاء -لا بالرغم منها- تُسدد سلوفو عين الخبيرة، لا عين الزائرة أو الأجنبية، على دوائر الخيانة والتواطؤ وتسوية الحسابات وتلاعب الذاكرة من خلال تجارب كل شخصية من شخصياتها الخمس المحورية؛ والنتيجة حبكة تتراوح بلا انقطاع بين توقع القارئ للواقع ورؤيته للخيال.

وشأنها شأن رواية السريلانكي مايكل أونداتجي "شبح أنيل" (2000) عن مواقع المذابح بسريلانكا، تستغل سلوفو غريبة تعود إلى عالم جريح بعد أن خلفته منذ عهد طويل طمعا في فرصة للحياة بأميركا حيث لا أحد يعرفها، ولا تاريخ يثقلها.

وهناك في بلدة سميتسريفر -صورة مصغرة من جنوب أفريقيا- يدعو المحامي الراديكالي بين هوفمان تلميذته المحامية البيضاء سارة باركانت إلى المجيء من نيويورك كي تساعد أبوين على العثور على جثة ابنهما، ستيف سيزيلا.

وهكذا تنعقد اللجنة للتحقيق في حالات وفاة نجمت عن التعذيب، وتُذكرنا المواجهات بمسرحية التشيلي أرييل دورفمان "الموت والعذراء" (1990) التي تصور بولينا وهي تواجه بعد القضاء على الديكتاتور رجلا اغتصبها في السجن السياسي على إيقاع أجمل أعمال شوبرت الموسيقية، الرباعية الوترية "الموت والعذراء".

ومع سارة في "غبار أحمر" يتورط أليكس عضو حزب الكونغرس الوطني الأفريقي -حزب مانديلا- ويسقط الاثنان في شبكة من أشراك الماضي والتزاماته. إنه الشاهد الرئيسي في إحدى جلسات الاستماع بقضية شرطي سابق يطلب اللجوء السياسي لإعفائه من عدة جرائم، إحداها تعذيب أليكس نفسه.


دهاليز العتمة


إن من رزحوا تحت وطأة القسوة لم ينجوا من ذكراها إلا بالنسيان، ولا رغبة لهم في تغيير الوضع، "كان قد محا ستيف من ذاكرته، دفنه وأهال عليه التراب.

أحيانا ما كان أليكس يجول ببصره في البرلمان بين الناجين الآخرين من تلك السنوات الرهيبة فيطرأ بباله أن من اشتركوا فيه لم يكونوا فقط من تقاسموه من معاناة، وإنما اضطرارهم إلى الاحتفاظ بإنسانيتهم من خلال تعميمها. لقد بات الجمعي أهم من الفردي، إنها وسيلتهم إلى الخلاص من كل ذلك الألم".

ينتهي عقل البطل إلى العتمة حقا، إذ يخفق في تذكر ما وقع؛ غياب لا يفوقه غرابة إلا رباط تراءى وكأنما يجمعه بمعذبه وكلاهما يجابه الآخر أثناء جلسات الاستماع.

كيف أمكن لدول مثقلة بتاريخ جنوب أفريقيا أن تتعايش مع الخوف والعقاب والمظلومية والميل البشري إلى الأخذ بالثأر

وهنا تتجلى علاقة حميمة بين المعذَّب والمعذِّب غير أن سلوفو تعزف عن الانهماك في أية تفاصيل دموية أو حسر النقاب عن الفضائح الجنسية. تتوخى أسلوبا رمزيا موحيا، يضمر من العنف والوحشية أكثر مما يعلن، يميل إلى التحفظ ويسمح للشخصيات بالتحدث عن نفسها.

وتظل الحقيقة ثابتة: لا توجد حقيقة واحدة قد تصدقها هذه الشخصيات المتناقصة المشتَّتة. تتخلل الحكاية صلات غامضة غير ملموسة تشي بالولاء تارة، وبالخيانة تارة أخرى، ولا شخصية منهم تسلم من إحدى هذه الصلات، كلهم ملوَّثون بلا أثر من تجرد. ولا يسع أليكس -المبهِر في الظاهر، مَن واصل الحياة بعد اضطهاد الدولة – إلا الشعور بالذنب لخيانته ذكرى صديقه، ليبدو لنا في التحليل الأخير وكأنه رمز لجنوب أفريقيا الجديدة.

تطرح الرواية في النهاية سؤالا ربما حيَّر العالم -عله حيَّر المصريين والتونسيين حين وجَّه إليهم مانديلا خطابه الشهير إبان الربيع العربي ناصحا الشعبين بالتصالح والغفران- كيف أمكن لدول مثقلة بتاريخ جنوب أفريقيا أن تتعايش مع الخوف والعقاب والمظلومية والميل البشري إلى الأخذ بالثأر؟ وكما هو الحال في مسرحية دورفمان لن نجد إجابة مباشرة، ولن نشهد أبطالا تتطهر أرواحهم من جراء الحقيقة؛لا تزال القضايا معلَّقة، والجميع يلتمس العزلة، لا المواجهة.

14