جيل أوردونيز يدمج الموسيقى الكلاسيكية بالرقص والشعر

الموسيقى هي فن مؤلف من أصوات وسكوت على مدى فترة زمنية، فهي تبحث عن طبيعة الأنغام من حيث التناغم والتنافر في شكل مجموعة من المشاعر الجياشة، هذه الخصائص تجسدت في موسيقى المايسترو وقائد الأوركسترا الأسباني أنجال جيل أوردونيز الذي التقته “العرب” في العاصمة الأميركية واشنطن، ليتحدث عن نظرته المختلفة للموسيقى الكلاسيكية.
الأربعاء 2016/02/10
جيل أوردونيز مايسترو غير كلاسيكي

في مكتب متواضع بأعرق جامعة في مدينة واشنطن والساحل الشرقي الأميركي، جلس المايسترو الأسباني أنجال جيل أوردونيز ليتحدث إلى “العرب” عن تجربته في الموسيقى ومزج الثقافات والفنون وتقديمها إلى الجمهور المتنوّع ومتعدد الثقافات والأعراق واللغات.

قال أنجال جيل أوردونيز إنه من الضروري تغيير الأسلوب في تقديم الموسيقى الكلاسيكية، بعد إعادة صياغتها حسب منهجية تستطيع بها أن تواكب العصر الجديد، ومتطلبات الجمهور الذي يفتقر بعضه إلى معرفة الموسيقى، ويضيف مؤكدا أنه من المستحيل تقديم الأوركسترا مثلما كانت تقدّم منذ ثمانين عاما.

ومن وجهة نظر جيل أوردونيز، فإنه من المهم التواصل مع العديد من المجتمعات، وذلك بدمج مجموعة من الفنون والخروج بشيء متكامل ليخاطب كل الناس من مختلف المستويات. ومن البرامج التي عمل عليها فريق عمل “البوست كلاسيكل أنسمبل” برنامج “أغنية الأرض”، وهي مستوحاة من الموسيقى التقليدية الصينية، حيث قدّم جيل أوردونيز معزوفة “الوداع” لغوستاف ماهلر، ويتزامن العزف خلالها مع قراءات للشعر باللغة الصينية لشعراء تأثروا بالموسيقى منذ آلاف السنين، وعازفين شباب بالتعاون مع الملحن الصيني الأميركي الشهير زوخو لونغ، كما كان هذا البرنامج انتقالا بين الماضي والحاضر عبر عدد من الفنون، ليكوّن كلّ ذلك لوحة متكاملة للجمهور.

استطاع كل من جيل أوردونيز ومديره التنفيذي جوزيف هورويتز التشبيك والعمل مع عدد من المنظمات الثقافية والموسيقية في أميركا، والتعاون مع الجامعات لتدريس الموسيقى، واليوم يعمل المايسترو في قسم الفنون والتمثيل بجامعة جورج تاون، مديرا للقسم الموسيقي وقائدا لأوركسترا الجامعة، حيث يحرص على تقديم المواهب الشابة التي تبحث عن انطلاقة وجمهور.

المايسترو جيل أوردونيز استطاعمع عدد من الفنانين الأميركيين والأوروبيين والعرب تقديم لوحة فنية متكاملة وذلك بمزج الموسيقى بالرقص والشعر

أسس أنجال جيل أوردونيز مع المؤرخ الموسيقي جوزيف هورويتز شركة الإنتاج الموسيقي “البوست كلاسيك أنسمبل” في عام 2003، والتي كانت من أهم الشركات التي ساهمت في تغيّر المشهد الموسيقي بمدينة واشنطن الأميركية.

وعمل المايسترو مؤخرا على دمج عدد من الفنون مع الأوركسترا الموسيقية لتقديم أسلوب جديد للموسيقى، وقد نجح أوردونيز في تطوير العمل الموسيقي الكلاسيكي إلى عمل فني متكامل، من خلال تطوير برامج متكاملة تمتزج فيها الموسيقى بالرقص والشعر وغيرهما من الفنون، لتقديمها إلى جمهور اليوم الذي يعتقد أوردونيز أنه بحاجة إلى تلقي الأعمال الموسيقية الكلاسيكية بأسلوب جديد، لأن الإنسان وثقافته يتغيران مع تغير الزمن.

وأكد أنجال جيل أوردونيز أنه لا توجد موسيقى جديدة أو قديمة، بل العكس هناك من وجهة نظره موسيقى جيّدة وسيئة ولا يرى أيّ مشكلة في الموسيقى الحديثة التي تخاطب الشباب والعصر الجديد. ويشدّد على أن الفنان المتميّز يقدّم أعمالا مهمّة مهما اختلفت أنواع أو أساليب الموسيقى المقدمة، ويعتبر هذا التنافس بين عدد من الموسيقات المختلفة موقفا صحيّا، فلا توجد مشكلة في التنافس مع الموسيقى الكلاسيكية، بشرط أن تكون موسيقى جيّدة.

وفي الوقت الذي تواجه منطقة الشرق الأوسط متغيّرات سياسية كبيرة، ومع ارتفاع وتيرة العنصرية في أميركا وأوروبا ضدّ المسلمين، عمل أوردونيز مع فريق عمله على طرح برنامج فني متكامل وسمه بـ”الإيبيرية الصوفية: الموسيقى في الأديان الثلاثة”، قدّمه على مسرح جون كندي وهو أعرق مسرح في مدينة واشنطن، وعلى مسرح جامعة جورج تاون.

أنجال جيل أوردونيز: تقديم الموسيقى الكلاسيكية بأسلوب جديد ضروري

وشرح جيل أوردونيز لـ”العرب” أن هذا البرنامج الفني جاء في الوقت المناسب، حيث يحتاج العالم إلى أن يعرف أن التعايش ممكن بين جميع الأديان والأعراق والألوان، وأنه أخذ أسبانيا مثالا على ذلك، ليبيّن كيف أنها بثقافتها وموسيقاها تأثرت بالأديان الثلاثة؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية.

لقد استطاع المايسترو مع عدد من الفنانين الأميركيين والأوروبيين والعرب تقديم لوحة فنية متكاملة وذلك بمزج الموسيقى بالرقص والشعر، ليكون هذا العمل مثالا لتعايش الأديان الممكن أمام جمهور عاصمة القرار السياسي العالمي، بعيدا عن المصالح السياسية وتوافقاتها، وقال أنجال متسائلا “انظروا إليّ، أنا مجموعة من الثقافات والأديان كلها تجري في دمي، فكيف لي ألا أتعايش مع الغير؟”.

كما قدمت “البوست كلاسيكل أنسمبل” مع قائد فرقتها تاريخ أسبانيا الموسيقي، بإبراز الحقب التي تأثرت فيها الموسيقى وكذلك الرقص، بدأها بالتأثير المسيحي، ثم تأثير اليهودية من خلال موسيقى وغناء السفارديم، ليختمها بتأثيرات الغناء والموسيقى الأندلسية، بالإضافة إلى تقديم رقص الفلامينكو الذي تأثر كثيرا بالفن العربي.

واليوم يقوم المايسترو وفرقته بالتحضير لبرنامج فني عن حياة وأعمال الملحن الأميركي برنارد هيرمان، حيث سيعرض أفلاما عنه بالإضافة إلى تقديم مؤلفاته على المسرح الوطني للفنون. كما يعدّ برنامجا عن الفن والثقافة الأميركية/ الأفريقية، وبرنامجا آخر حول مئة عام على الثورة الروسية.

المايسترو أنجال جيل أوردونيز موهبة معاصرة تخطت الحواجز والفوارق، لتخاطب الإنسانية بلغة يفهمها كل البشر، فحالما يستقل ذاك الرجل الطويل، ذو الملامح الشرق أوسطية، خشبة المسرح، ينحني أمام جمهوره بكل احترام ثمّ يستدير ويرفع يديه بحركة رشيقة، ليعلن من خلالها المايسترو وقائد الأوركسترا أوردونيز البداية لرحلة عبر الحضارات، مستدعيا حقبا مختلفة، انطلاقا من الزمن البعيد ومتنقلا في أفق شاسع، بأسلوب يفهمه إنسان هذا العصر المنغمس في التكنولوجيا والعالم الافتراضي. وينفرد المايسترو جيل أوردونيز في أدائه بالحيوية والتحديث وتقديم حالات متغيّرة من الشعور عبر الموسيقى التي يقدّمها، من خلال ترجمة الإرث الموسيقي العالمي.

16