جيل الأمل في الصومال يقاوم الهجرة السرية باستذكار رحلات الموت

تجارة الموت، أو الهجرة السرية، معضلة حقيقية في أنحاء عديدة من العالم، غير أنّ هذه الظاهرة تأخذ بعدا أخطر بالنسبة إلى الصوماليين، الذين تلفظ الأمواج والصحاري العشرات منهم يوميا، مُجهضة أحلامهم بالانعتاق من الفقر المدقع والبطالة المستشرية… “جيل الأمل” هي جمعيّة صومالية جعلت من تلك التجارب المريرة نفسها سلاحها لمقاومة رحلات الموت.
الجمعة 2015/06/12
جمعية جيل الأمل تجاهد من أجل إثناء الشباب الصومالي عن الارتماء في مراكب الموت

تحلّقت مريمة مع شباب آخرين حول رجل نحيف، تتحرّك أصابعه الطويلة ويداه الممدودتان في تناغم مع كلمات مؤثرة تدفقت من بين شفتيه، فراحت الشابة الصومالية تسترجع ذكريات حملتها إلى شاطئ البحر، حيث تصارع الأمواج الهادرة أحلامها بالهجرة… نجت مريمة خلال تلك الرحلة من موت محقق، فقرّرت أن تتخلّى عن حلم الهجرة القاتل إلى غير رجعة.

لم تكتف الشابة الصومالية، مريمة عبدي، اليوم بالتخلي عن فكرة الهجرة السرية فقط، بل وانضمت كذلك إلى حملة أطلقتها جمعية “جيل الأمل” الصومالية، تحت شعار “لا للهجرة غير الشرعية”، بمشاركة عدد من الشباب الصوماليين، بهدف توعية أقرانهم بمخاطر هذا النوع من الهجرة وانعكاساته المالية والنفسية.

تقول مريمة “خضت تجربة الهجرة غير الشرعية مرتين، لكن لسوء الحظ أخفقت في كلتيهما، وخسرت مبالغ هائلة أنفقتها في المحاولتين للوصول إلى السعودية”.

واستطردت “لكني اليوم أصبحت واحدة من أعضاء فريق التوعية ضد الهجرة غير الشرعية، حيث أسرد للشباب الصومالي في اللقاءات التي تنظمها الحملة، قصصا ووقائع أليمة شاهدتها خلال محاولة الهجرة، لعلها تنقذ مئات الشباب الراغبين في خوض هذه المخاطرة”.

وتستمر الحملة، التي انطلقت منذ الشهر الماضي ولا تزال مستمرة حتى اليوم دون سقف زمني محدد، في نقل التجارب الأليمة إلى العديد من الذين خاضوا غمار الهجرة السرية، وسعيا إلى رفع وعي المجتمع الصومالي بمخاطر هذه النوعية من الهجرة، مستعينة بشعراء وعلماء دين، فضلا عن مهاجرين سابقين.

95 بالمئة من الصوماليين الذين يقضون غرقا خلال الهجرة السرية هم من الشباب

وعن مخاطر الهجرة السرية تحكي الشابة العشرينية “يصبح المرء عرضة للموت عندما تخطر فكرة الهجرة في باله، لأنها تتم بين خيارين أحلاهما مر إما أن تموت غرقا وإما أن تصل إلى ما تظنه بر الأمان، ثم تكتشف أن هذا البر ليس بالضرورة أن تجد فيه حلمك، فتبقى غريبا ومهاجرا في بلد لم تعرف عنه سوى اسمه”.

وحسب تقديرات غير رسمية فإن الشباب يشكلون 95 بالمئة من الصوماليين الذين يقضون غرقا خلال رحلات الهجرة السريّة.

عبدالقادر محمد عبدالقادر، طالب صومالي له من العمر 17 عاما، كان ينوي خوض تجربة الهجرة بعد إتمام المرحلة الثانوية لإعالة والده المسن، لكن بعد أن أدرك خلال الحملة التوعوية، خطورة هذه الرحلة الشاقة، قرّر أن يواصل تعليمه الجامعي.

يقول عبدالقادر “قبل عامين كانت فكرة الهجرة تراودني أنا وزميلي، فشاءت الأقدار أن يخوض زميلي التجربة ويصل إلى أوروبا، وهو الآن المعيل الوحيد لأسرته، عندها تحمّست أكثر لخوض التجربة بنفسي، لكن بسبب ضيق الحال وقلّة المال لم أتمكن من اتخاذ هذه الخطوة، فقررت أن اجتهد في ادخار ما يلزم من مال، حتى أبدأ رحلتي إلى أرض الأحلام”.

حسب وصفه لأوروبا، يستطرد الفتى الصومالي، “كانت أمنيتي أن أبلغ أرض الأحلام، لأحظى بالعيش الكريم، لكنني الآن أعرف مدى خطورة الطريق الذي يربطنا بتلك الأحلام، وعن الضحايا الذين تقذفهم أمواج المحيط يوميا، ورسائلهم الحزينة المكتوبة بمداد البؤس”.
ويختتم عبدالقادر قائلا “ينتابني اليوم الخوف والألم لمستقبل هؤلاء الذين يغادرون بلادهم ويدفعون حياتهم ثمنا للبحث عن المجهول”.

وتتعدد وسائل التوعية بمخاطر الهجرة السرية، حيث تنظم جمعية “جيل الأمل” ندوات وورش عمل، بحضور خبراء ومسؤولين، حسب محمد معلم آدم (37 عاما) رئيس مكتب التوعية بالجمعية، ومسؤول حملة “لا للهجرة غير الشرعية”.

استشراء الفقر في الصومال جعل من الهجرة الحلم الوحيد الذي يخامر شبابها وحتى أطفالها

يوضح آدم “إن مشكلة الهجرة تفاقمت في بلادنا بشكل خطير، وأسفرت عن هجرة الكثير من العقول والمؤهلين إلى الخارج، ما يؤدي إلى انهيار البلد اقتصاديا واجتماعيا”.

ويلفت إلى أن “ثلث الشباب الذين خاضوا تجربة الهجرة السرية من أجل حياة أفضل، لقوا حتفهم في عرض البحر، خلال سعيهم لمستقبل مجهول ضحوا لأجله بحياتهم، فضلا عن أموال باهظة جمعوها بعناء من أجل رحلة الموت”، مردفا “لذا أطلقنا هذه الحملة ليس للتوعية فقط، وإنما أيضا حتى لا يفقد شبابنا الأمل في بلدهم وتأكيدا لكونها تهتم لشأنهم”.

فاطمة أبوبكر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة سيمد الصومالية، تستعرض ما تعتبره أسبابا لانتشار ظاهرة الهجرة السرية قائلة “المشاكل الأمنية والبطالة من أهم الدوافع التي تجبر الشباب على الهجرة غير الشرعية فرارا إلى حياة يظنونها أفضل”.

وترى أبوبكر أن “القضاء على البطالة أفضل الحلول، وأصعب التحديات في الوقت ذاته”، في إشارة إلى الظروف الاقتصادية المتدهورة السائدة في الصومال الذي يعاني منذ سنوات حروبا وصراعات داخلية، تسبّبت في وضع نصف سكان البلاد تحت خط الفقر، حسب إحصاءات رسمية.

يذكر أنّ تقريرا للأمم المتحدة كان قد صنّف 82 في المئة من الصوماليين فقراء، إذ يعيش 73 في المئة من الصوماليين على أقل من دولارين يوميا.

وقد أسهمت عقود طويلة من الحروب في جعل الصومال إحدى أكثر دول العالم فقرا ومعاناة، إذ احتل المرتبة 165 ضمن قائمة ضمّت 170 دولة في تقرير التنمية البشرية لعام 2010.

ويعاني الشباب الصومالي، الذين يشكلون نسبة 73 في المئة من مجموع الصوماليين، معضلة البطالة بنسبة هي الأعلى في العالم، إذ تتجاوز 67 بالمئة لمن هم أقل من 30 عاما، و54 بالمئة لمن هم دون 64 عاما، وذلك في بلد يحوم معدل فرص الحياة فيه حول 50 عاما.

20