جيل الشخصيات الوهمية

الثلاثاء 2016/07/26

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة لإجراء الاتصالات كما كان الهدف من ابتكاره، بل أصبح خزانة للوسائط المتعددة التي تطورت مع تطور الأجهزة وتقدم التكنولوجيا.

فالهاتف الجوال يمكن أن يكون جهاز راديو وناقل فيديوهات كما يمكن أن يكون شاشة سينما أو تلفزيونا مصغرا وحتى قاعة ترفيه لما يحتويه من ألعاب، وهي كلها عوامل يمكن أن تؤثر تأثيرا مباشرا على الذهن.

وعلى الرغم ما للميديا (خاصة الهواتف المحمولة) من منافع كثيرة، كسهولة الاتصال ووفرة الاطلاع والتعلم عن بعد، فإن مخاطرها باتت تهدد جيلا كاملا من الشباب غاص في هذه المخاطر أكثر فأكثر دون أن يدرك أو يشعر بذلك.

ويمثل إهدار الوقت من أبشع مخاطر الميديا حيث تكون حصيلته في النهاية “لا شيء يستحق” خاصة وأن المواد الموجودة قد لا تضر أكثر مما تنفع ناهيك عن مواد العنف والجنس المدمرة لهذا الجيل.

فالمأساة الكبرى أن يدمن الشاب على تحريك الأصابع بجنون لينتقل من صفحة إلى صفحة أخرى أو يقلب أزرار المفاتيح حتى يجد نفسه في النهاية لا يستطيع التخلي عن استخدامها بل ويشعر بالغضب والثورة خاصة عندما يُجبر على التخلي عنها.

عبودية عصرية بات الشباب يعيشها دون أن يدرك أن ذلك يمثل ضياعه وضياع فكره في عالم افتراضي متكامل لا وجود له في الواقع لكن تأثيره قد ينتهي بالعيش في الوهم وأحلام اليقظة، الأمر الذي يبعده عن أرض الواقع والحقيقة، وهو ما يشكل فهما خاطئا للصورة الجسمانية التي تتركز في ذهن الشباب لتكوّن صورة مثلى يتشبث بمصداقيتها.

كما لا يدرك هذا الجيل أن الهواتف المحمولة تتفنن في نقل الصورة المغلوطة من خلال الإعلانات والفيديوهات والأفلام والألعاب التي تثير الضجة أكثر من محتواها وتكون في الغالب تافهة لا مضمون لها.

وقد أكد العديد من الخبراء أن التعرض المستمر لمحتوى الميديا عموما ينشئ في الشباب، وهذا دون أن يدرك، الكثير من السلوكيات السلبية مثل العنف والانعزالية والثقافة الاستهلاكية، إضافة إلى ضعف التحصيل الدراسي والمخاطر التي يخلفها إدمانه على الصحة، كمشاكل في العمود الفقري وضعف في البصر وحتى التشتت الذهني.

ولكن الأكيد أن اختيار الشباب لهذا النوع من التكنولوجيا الحديثة قد يكون سببا في الهروب من واقعه المعيشي الذي يرفضه في معظم الأحيان ولا يجسّد أمانيه، كما قد يكون وسيلة للبحث عن عالم جديد خاص به.

فالشخصية الوهمية الجديدة ستجعل الشاب قادرا على الهروب إلى عالمه الافتراضي ليبتعد بذلك شيئا فشيئا عن عالمه الواقعي ويظل دماغه المدمن في حالة تأهب قصوى.

واللافت للنظر أن الهوس باستخدام الهاتف النقال قد جعل من الشباب “روبوتات” لا تتنقل إلا بالريموت كنترول ولا تعمل إلا بزر من مفاتيحها، ولكن الكارثة إذا تعطلت فما هو مصيره؟

ولكن ما هو معلوم أنه ومع استمرار التمادي في استخدام الهواتف النقالة من قبل الجيل الصاعد والإدمان عليها بل وحتى الاستسلام لهيمنتها، سينسي الشباب قوانين الحركة والسعي الدؤوب للحياة، كما سينسيه ذلك أنه كائن حيّ له عقل.

صحافية من تونس

21