مارس 18, 2018

جيل العصر الرقمي يدرك مشكلة التكنولوجيا ويضع يده على العلاج

شركات التواصل تنتبه إلى التقارير الإعلامية السلبية حول تأثير مواقعها في حين مواقع إلكترونية تنشط لتقديم حل للصعوبات التي تواجه جيل الإنترنت.
شبكات التواصل أضحت جزءا من الحياة اليومية

لندن – تخطى الشباب اليوم حدود التفوق الرقمي ليصبحوا الأكثر مهارة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويمتازوا بأنهم يتمتعون بآفاق أرحب من التواصل وحتى من التعاطف والأمل، لكنهم في المقابل عرضة لتهديدات أخرى كالتنمر والاكتئاب.
ويعي الكثير من الشباب هذه المشكلة ويبحثون عن حلول لها ليتمكنوا من الصمود أمام هذا الكم الهائل من الصور والرسائل التي تحمل مضامين لا تروق لهم غالبا.

حلقة مفرغة

كشف استطلاع للرأي أجراه بريان برايماك مدير مركز أبحاث وسائل الإعلام والتكنولوجيا والصحة بجامعة بيتسبرغ، بمساعدة جيسيكا ليفينسون وبمشاركة نحو 2000 شخص، أن مواقع التواصل الاجتماعي تفاقم من إحساس الإنسان بالاكتئاب وتزيد احتمالات إصابته بالقلق والعزلة الاجتماعية، وفق ما نقلت بي بي سي.
ويعتقد برايماك أن العلاقة ملتبسة بين مواقع التواصل الاجتماعي والاكتئاب.. من منهما سبب الآخر؟ أي هل يؤدي الاكتئاب إلى زيادة متابعة مواقع التواصل الاجتماعي أم أن متابعة وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من الاكتئاب؟
ويقول برايماك إنه ربما يكون كلا الاحتمالين صحيحا، وقد يعني أن الشخص قد يدخل في “حلقة مفرغة”، فكلما زاد الاكتئاب، زاد إقباله على مواقع التواصل، ومن ثم ساءت حالته النفسية.
والمفارقة التي أظهرتها الدراسة، هي إلى أي مدى ينخدع كثيرون بما يتمتع به البعض من شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك. فكثيرون ممن يحظون بعلامات إعجاب من أصدقاء كثيرين في العالم الافتراضي، توصلت الدراسة إلى أنهم يعانون من شعور متفاقم بالعزلة الاجتماعية.

 

يعترف الجميع بمهارة جيل الشباب في استخدام التكنولوجيا والتقنيات المتطورة والتواصل عبر الشبكات الاجتماعية، وليس مفاجئا أن يكون هذا الجيل مدركا جيدا لمشاكل هذا التواصل على صحته النفسية، ويبحث عن حلول لتقليل هذه المخاطر

وأنشأت جمعية تابعة للتأمين الصحي البريطاني في اسكتلندا موقعا لتوعية العاملين بالمجال الصحي بالمخاطر الجديدة والعديدة التي يواجهها الشباب اليوم، كالافتقار للاتصال السليم بالواقع والانخراط في الرسائل الجنسية والمواد الإباحية الانتقامية؛ بالإضافة إلى التنمر والمقامرة ومطالعة المواد الهدامة، فضلا عن قضايا الخصوصية على الإنترنت، وهي المشكلات التي تعتري فضاء التواصل الاجتماعي.
لا يتردد الكثيرون من جيل الشباب بمن فيهم المراهقون، في الإعراب عن قلقهم إزاء منتديات بعينها، فقد أبدى قرابة 1500 شخص امتعاضهم من إنستغرام باعتباره الأسوأ بالنسبة لصحتهم العقلية، بحسب دراسة أجريت عام 2017.
وربما كان هؤلاء أكثر اتصالا بأقرانهم من المتابعين بالآلاف عبر فيسبوك وتويتر، غير أن هذا الخضم من التواصل لم يخل من سلبيات.
وقالت ليلى أحمد (23 عاما) إحدى مستخدمات مواقع التواصل الاجتماعي، إن هذه المواقع أضحت جزءا من الحياة اليومية للكثير من الشباب في مختلف أنحاء العالم ولا تقتصر فقط على العرب، ورغم الفوائد العديدة التي وفرتها لنا هذه التقنية إلا أننا دائما ما نصادف التحذيرات من التطور التقني والتكنولوجي وثورة الإنترنت، التي أسهمت في اطلاعنا على مختلف الثقافات والشعوب.
وأضافت الطالبة الجامعية المصرية أن “هذه المزايا لا تلغي حقيقة أن هذه المواقع توجد فيها أيضا الكثير من السلبيات، خاصة عند المقارنة بين حياتنا الواقعية وما يعرضه الآخرون الذين يبدو كل شيء في حياتهم مثاليا”.
وتابعت “أصبحنا في عالم متناقض، سبب لي في بعض الأحيان الاكتئاب، إلى درجة أنني بحثت عن دراسات ومقالات في المواقع والصحف لتفسير ما أعاني منه، ووجدت أنها حالة تجتاح المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي في أنحاء العالم، ولا تتعلق بفرد واحد فقط، ومن هنا بدأ الوعي بحقيقة الأمر”.

خطوة نحو الحل

أخذت شركات التواصل تنتبه إلى التقارير الإعلامية السلبية حول تأثير مواقعها على الصحة العقلية. كما بدأت مواقع إلكترونية تنشط لتقديم حل للصعوبات التي تواجه جيل الإنترنت، مثل موقع “بيغ وايت وول” الذي لا يرتبط بالشركات الكبرى للتواصل الاجتماعي، بمعنى آخر من خلال التواصل المعتاد للشباب ولكن عبر منتديات داعمة، لأنه ليس منطقيا أن تعمل شركات مثل فيسبوك وتويتر على حماية مستخدميها الشباب من الإدمان عليها لمجرد اعتبار صحتهم العقلية.
ويقول آدم أولتر أستاذ تسويق بجامعة نيويورك، إنه “لم يُطرح الحافز المناسب لجعل تلك الشركات تهتم بصحة مستهلكيها”.
وأضاف “المنافسة على جذب انتباه المستهلك مثلها مثل سباقات التسلح، لذلك لن تقوم الشركات بإدخال وسائل لكف مستخدميها ما لم يقم منافسوها بالشيء ذاته، فعدم قدرتهم على تعليق أنظارك باستمرار بمنتجاتهم تعني حرمانهم من عائدات الإعلانات”.

ربع الأميركيين على اتصال دائم بالإنترنت

نيويورك – كشفت دراسة حديثة أن نحو 26 بالمئة من الأميركيين على اتصال “شبه دائم” بشبكة الإنترنت، في حين لم تكن هذه النسبة تتخطى 21 بالمئة قبل ثلاث سنوات.

وقالت الدراسة التي أجراها مركز “بيو” المستقل للأبحاث، إن الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاما، تشكل المجموعة الأكبر بنسبة 39 بالمئة من مستخدمي الإنترنت الذين يبقون على اتصال شبه دائم بالشبكة العنكبوتية، في حين لا تتعدّى هذه النسبة 8 بالمئة عند الذين تخطوا الخامسة والستين.

وأضافت أن أكبر مستخدمي الإنترنت بشكل شبه دائم هم أصحاب الشهادات العليا بنسبة 34 بالمئة، والأجور المرتفعة بنسبة 35 بالمئة عند الموظّفين الذين يكسبون 75 ألف دولار على الأقلّ في السنة الواحدة.

وأشارت إلى أنه من الناحية الإثنية، ترتفع هذه النسبة خصوصا عند السود بنسبة 37 بالمئة، وأصحاب الأصول اللاتينية بنسبة 30 بالمئة، مقارنة بالبيض الذين وصلت نسبتهم إلى 23 بالمئة.

وأظهرت هذه الدراسة التي أجريت بين 3 و10 يناير الماضي، أن 11 بالمئة من الأميركيين لا يستخدمون الإنترنت بتاتا، في مقابل 15 بالمئة سنة 2015 و48 بالمئة سنة 2000.

ظهرت تطبيقات حديثة على الهاتف المحمول، وهو المعبر الأساسي لمشكلات التواصل، بهدف إيجاد حل لتلك المشكلات!
ويتيح تطبيق (توك-لايف)، “الفرصة للمشاركة بحلو الحياة ومرها”، وفق وصفه، ويطرح نفسه كـ”شبكة دعم بين الأقران لمواجهة صعوبات الصحة العقلية للشباب”. وبإمكان المستخدم المشاركة دون الكشف عن هويته أو تحت اسم يختاره للتعريف بنفسه.
ويوفر مثل هذا المنتدى مساحة من الاهتمام دون أن يضطر السائل إلى الكشف عن هويته، ما يتعذر توافره في مواقع التواصل العادية. ومع ذلك ينبغي الانتباه إلى أن هذا الموقع لا يقدم مساعدة نفسية أو استشارات صحية متخصصة، ما يحمل مخاطر لا تخفى على أحد. وفي حالة تطبيق “صراحة” السعودي، الذي ذاع انتشاره ووفر لمستخدميه التواصل دون كشف الهوية، فقد قامت كل من غوغل وآبل بحذفه بعد ورود شكاوى من أن أشخاصا استغلوا حجب الهوية للتحرش بآخرين. وهكذا فبدلا من تقديم حلول أضافت المحاولة المزيد من المشكلات!
لكن تطبيقات مثل “صراحة” و”توك-لايف”، تؤكد النهم الواضح لدى أبناء هذا الجيل في التواصل مع أقرانهم عبر الإنترنت للمشاركة بأفكارهم وهمومهم وخبراتهم الشخصية، وهو النهم الذي يمكن الاستفادة منه بشكل أفضل مع توافر الإشراف السليم.
وثمة موقع حاز على ثناء خبراء نفسيين رواد، وهو موقع “بيغ وايت ووال”، المتوفر في كندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة. ويستلهم الموقع الخبرات المبكرة للتواصل الاجتماعي ومستعينا في الوقت الحالي ببعض الجهات منها منظومة التأمين الصحي البريطاني لتعميم أفضل الممارسات واستلهام آخر المستجدات العلمية.
ويتسم هذا الموقع بآفاقه الذكية، فبخلاف حجب هوية مستخدميه يتيح “بيغ وايت وول” للشباب الفرصة للتعبير عن أفكارهم فنيا عبر “لبِنات” تمثل مشاعرهم وأفكارهم. كما يوفر دروسا بإرشاد متخصصين للتعامل مع قضايا مثل الاكتئاب والإقلاع عن التدخين، ويصمم مقترحات وفق شخصية المستخدم لتحقيق نتائج إيجابية.
وقال أحد المشاركين في دراسة خاصة بالموقع “كان من المستحيل أن أصارح والديّ بالأمر، وكنت أخشى أن أكاشف أصدقائي. أما الحديث إلى آخرين عبر الإنترنت فقد ساعدني مساعدة جمة، ولولاه لظللت أسير ذاك الأمر”. وفي العام الماضي زار الأمير هاري القائمين على موقع “بيغ وايت وول” في لندن.
ويقول جيمس دي بايذ، ويعمل مديرا تجاريا، إنه “لا يجب فقط سرد الحلول المتوافرة للشباب على الإنترنت، بل يجب أيضا اختبار فاعليتها وسلامتها على المستخدم”.
ويضيف “من السهل أن يقوم أحدهم بعناء قليل بعمل تطبيق أو موقع على الإنترنت، غير أن الصحة العقلية للمستخدم مسألة حياة أو موت، ومن ثم نعتقد أن خدمات الدعم عبر الإنترنت ينبغي أن تقوم على دراسات وتقييم محكم، فضلا عن آليات لضمان الجودة”.

تقليل المخاطر

في تجربة أخرى لتخفيف الآثار السلبية الناجمة عن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة، تحدت شركة “ستوديو أوتبوت” في لندن، هذا الواقع، وابتكر فريقها بضع تغيرات بسيطة يمكن لموقع مثل إنستغرام الأخذ بها لإقلال المخاطر التي يتعرض لها مستخدموه.
ومن بين تلك التغييرات نمط حسابي ذكي يختار للمستخدم أخبارا مشجعة حال رصد كلمات في منشوراته تدل على حالة مزاجية سيئة، ومن ثم رفع الحالة المعنوية.
ومن المقترحات الأخرى تطبيقات ترصد عادات التواصل الاجتماعي للمشارك وتشجعه على تحديد أهداف والتقدم صوبها، على غرار ما تفعله التطبيقات التي تشجع على المشي والرياضة. 
وثمة مقترح يتعلق بتحديد ألوان معينة لحسابات المشاركين بحسب مدى واقعيتها، من قبيل اللون الأحمر للاحتراز من الحسابات التي تحوي منشورات تدل على أنها قد تكون لكيانات وهمية، أو صورا معدلة بشكل مبالغ فيه، إلخ.
وأجاب ديفيد ماكدوغال المسؤول عن استراتيجية الشركة، عن سؤال ما إذا كان يعتقد حقا أن مواقع التواصل الاجتماعي ستأخذ بتغييرات من هذا القبيل، بالإيجاب، معللا ذلك بأن تلك التعديلات “ذات مردود تجاري إذ أن الاعتناء بزبائنك يعني إيجاد بيئة صحية وسعيدة وقابلة للاستمرار”.
وتقول كيتي ماكينزي طالبة في التاسعة عشرة من عمرها من مدينة ديربي بإنكلترا وصاحبة مدونة، إن التواصل الاجتماعي وفر لها “وسيلة حيوية لاطلاع العالم على رسائلها” التي ضمتها مدونتها حول قضايا الجمال والنشاط البشري والصحة العقلية.
وأضافت أنها مثل أغلب الشباب، لم تتلق في المدرسة دروسا في التوعية حول استخدام وسائل التواصل، بخلاف القليل من أساسيات السلامة التي كانت تعيها بالفعل.
وترغب ماكينزي في أن توفر شركات التكنولوجيا الكبرى هي الأخرى دعما لمن يطلب ذلك.
وعلمت وسائل التواصل الاجتماعي ماكينزي الكثير مما لم تتلقاه خلال الدراسة، ويستشف من كلامها أولا أن شركات التواصل الاجتماعي يجب عليها فعل المزيد، وثانيا افتقار المدارس للدراية الكافية بالآفاق الحديثة للفضاء الرقمي، ما ينعكس بالسلب على أبناء هذا الجيل ممن ارتبطت حياتهم ارتباطا مبكرا ووثيقا بهذا التواصل.

19