جيل جديد من العراقيين

الأربعاء 2013/08/28

لا يخفى على أحد بأن هناك أجيالا كثيرة من العراقيين قد سحقت وانتهت بسبب الحروب والظروف التي مر بها البلد في العقود الأخيرة من القرن الفائت وبداية القرن العشرين، فكانت تلك الأجيال ضحية لحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة وحصار مدمر أنهك البنية الاقتصادية والمنظومة القيمية وحرب الإرهاب وتبعاته الطائفية ولا يعلم أحد متى تنتهي تلك المآسي بحق العراقيين.

ولكن، وبالرغم من كل ذلك، تجد بين العراقيين ممن يحمل فكرة التغيير ويصرح بها دون خوف. فهل تستطيع تلك الأجيال أن تأخذ على عاتقها مشروع التغيير لتمضي به نحو الهدف المنشود، أم نحن بحاجة لجيل جديد من العراقيين ليقوم بذلك؟

أكثر تفصيلا، ولنعرف ما المقصود بالجيل بشكل أكثر تحديدا، يعرف الجيل الاجتماعي بأنه مجموعة من الناس ولدوا في عقد واحد، كالستينيات أو السبعينيات أو الثمانينيات. يتقاسم هذا الجيل بشكل كبير نفس الظروف الموضوعية التي كان يعيش فيها نفس الخبرات الحياتية وربما يحمل الجيل نفس المشاعر والآراء والأفكار التي تشكل شخصيته المستقلة والتي تميزه عن باقي الأجيال. ويتقاسم الجيل الواحد أيضا نفس القصة التي تتحدث عن هموم ذلك الجيل من الظلم والبطالة والحروب وربما الانتصارات والنجاحات لتكون جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية التي يتم تحويلها لخبرات ومن ثم نقلها إلى الجيل الذي يليه.

ولا يرتبط الجيل الواحد بفترة الولادة فحسب بل يرتبط أيضا بالأحداث المهمة كجيل الحرب وجيل الحصار وجيل الثورة، وذلك لأنه وحده الذي عاش قصة ذلك الحدث الكبير. ويرتبط الجيل مع كل ذلك بعجلة التطور الاقتصادي والتكنولوجي كجيل الثورة الصناعية وجيل ظهور التلفزيون أو التلفون أو الانترنت إذ يسمى آخرها بجيل الفيسبوك. باختصار شديد، يحمل كل جيل منظومة متماسكة إلى حد ما، خاصة به، من القيم والأعراف والتقاليد السائدة والتي تشكل لأبناء ذلك الجيل طريقة تفكيرهم وتصوغ مشاعرهم مما يجعلهم يمتلكون رؤية متشابهة، إلى حد ما، تجاه الكثير من المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

عودة للعراق، لقد نشأ آخر جيل في العراق على وقع الحرب الأخيرة والمحاصصة والانقسام الطائفيين بفعل عوامل متعددة خارجية وداخلية. ومع بروز الهويات الفرعية، كالهوية الطائفية والقومية والدينية، على حساب الهوية الوطنية التي تهالكت من قبل ذلك بفعل تلاشي الطبقة الوسطى على أثر الحصار والدكتاتورية الممتدة بعيدا في عمق تاريخ هذا البلد والتي كانت تصيغ الهوية الوطنية بمعايير زائفة تجعلها أقرب للحزبية منها لتراب الوطن، تعزز هذا الانقسام الطائفي وبدى وكأنه الحل الأمثل للعيش بسلام في ظل تقاسم جغرافي طبل له الكثيرون من الطائفيين والمصلحيين من المرتبطين بأجندات خارجية ليتصدروا المشهد السياسي لفترة طويلة.

لقد ترك خطاب الطائفية أثره على عقلية الفرد العراقي، بالخصوص الجيل الأخير، فصارت هناك حدود واضحة بين كل ما هو سني وشيعي، فذلك الصديق سني وذاك شيعي، وهذه الفضائية سنية وتلك شيعية، هذه الوزارة سنية وتلك شيعية، تلك المنطقة سنية وهذه شيعية، ذلك الحلاق سني وذاك شيعي، ذلك الطعام يأكله السنة وذلك للشيعة، حتى وصل الأمر بتقاسم المقابر، فتلك مقبرة سنية وتلك شيعية، ولم ينته الأمر حتى بالعودة إلى التاريخ فذلك الصحابي سني وذلك شيعي، وتقاسم العراقيون الأئمة فذلك أمام شيعي وذلك سني حيث تتصارع مؤسسات الأوقاف على مرجعية الأئمة إن كانوا سنة أم شيعة.

لا ألوم هذا الجيل على هذا التقسيم لأنه جزء لا يتجزأ من بيئة إقليمية تعج بالتقسيم بين كل ماهو شيعي وسني حتى داخل البيت الواحد.

إن الشعور بالهزيمة، أو الانهيار الكامل للدولة نتيجة حرب الخليج الثالثة شكل صدمة بالغة الأثر في المجتمع. ومن الطبيعي أن كل مجتمع يشعر بصدمة من هذا النوع يظل يبحث عن أسباب حدوث تلك الصدمة ويحلل نتائجها.

الشعور بالتماسك وعدم الانهيار يجعل أفراد المجتمع يبحثون عن هوية تجمعهم في الظروف الصعبة التي يمرون بها، وبما أن المستقبل مجهول عما سيكون عليه المجتمع مستقبلا ولا يوجد حاضر واضح المعالم بعد أن حول الدكتاتور الوطن إلى حزب وعشيرة ومن ثم فرد واحد، فحينها سيبحث أفراد هذا المجتمع عن هويتهم التي تعطيهم معنى وجودهم في الماضي. نعم، العودة إلى أيام السقيفة كان هو الحل بالنسبة للكثيرين من آخر جيل، فكان القتال على التاريخ من أبرز صراعات العقد الأخير لإثبات الهوية الفرعية الطائفية على حساب الهوية الوطنية لكنه يبقى وجه من أوجه الصراع على السلطة في هذا البلد.

ولكن، من حقنا أن نسأل هنا، هل يستطيع جيل الانقسام الطائفي أن يحمل فكرة التغيير التي يتحدث عنها اليوم الكل لما آلت أليه الأوضاع الصعبة في العراق بعد سلسلة الإخفاقات وعلى جميع المستويات؟ الجواب بالتأكيد لا. فالجيل المنقسم على نفسه لا يمكن له أن يوحد الصف من أجل التغيير. إن مشروع التغير لا يمكن أن تحمله مجموعة من الناس أو طائفة أو منطقة دون الاشتراك من باقي المكونات، ولا حتى يحمله جنس أو عمر واحد ولا حتى من طبقة أو خلفية اجتماعية واحدة. لابد أن يشترك الكل في التغيير الحقيقي ليتم له النجاح، من كل الأديان والطوائف والمناطق، من الرجال والنساء، من الشيب والشباب، من العمال والفلاحين والطلاب والعسكريين من الأغنياء والفقراء.

لا أتحدث هنا عن فكرة الثورة التي يشترك بها الجميع، وأن كانت الثورة صورة من صور التغيير، ولكني أتحدث عن التغيير الناعم من خلال مشروع للتغير ناتج عن منظومة جديدة من القيم والمفاهيم التي تشترك مجموعة كبيرة من الشعب على الحد الأدنى من مبادئها.

ربما لا يوجد جيل جديد من العراقيين يحمل ويشترك بالحد الأدنى من المبادئ والقيم الجديدة التي يمكن أن تؤدي للتغير بوجود ظروف أخرى، ولكن، أو على الأقل، توجد هناك بوادر لجيل جديد من الشباب يحاول أن يكون عابرا لفكرة الطائفية بعد أن أدرك بفعل التجربة إنها مقتل الهوية الوطنية، وأن هويته الوطنية الحقيقية نابعة من الحاضر والمستقبل وليست مجترّة من الماضي. جيل جديد يؤمن بالديمقراطية والتعددية ويعترف بوجود الآخر ويحاوره. ويستخدم هذا الجيل مواقع التواصل الاجتماعي كمحطة يخترق بها الفضاء العام الذي تسيطر عليه الدولة وبعض الأفراد المرتبطين بالأجيال السابقة والتي تكرر وتعيد إنتاج قصص الماضي ومعها الانقسام الطائفي. جيل ربما سيبدأ في صراعه مع السلطة بحملة إلغاء تقاعد البرلمانيين في نهاية شهر آب ولا ينتهي بها.

8