جيل جديد من دون صحافة ثقافية

الإعلانات التجارية وشتى الاهتمامات الأخرى تزحف بقوة على المشهد الثقافي برمته وبالتالي تصيب الصحافة الثقافية في مقتل.
الثلاثاء 2018/03/20
إدمان رقمي

المشهد يتكرّر في الأماكن العامة، شباب منقطعون عمّا حولهم، منصرفون إلى هواتفهم المحمولة، بعضهم مشغول بالدردشة والآخر بالرياضة وهكذا.

هو واقع حال يفرض نفسه خاصة مع الزيادة المطّردة في عدد الهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر في عموم العالم العربي ذي النسبة السكانية الشبابية المرتفعة.

بالطبع لا توجد دراسات مسحية معتمدة توضح تفضيلات الجيل الشاب لكن الإشكالية تتعلق بجو العزلة التامة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة والتي تحيل إلى اهتمامات شخصية محدودة والانصراف عما هو أبعد من ذلك.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه عن موقع الثقافة في تفضيلات واهتمامات الجيل، الثقافة التي تتداخل فيها منظومة القيم واللغة والتاريخ والفن مما يحيل إلى وعي ذي مستوى رفيع.

سيتبع ذلك، سؤال عن القاعدة المعرفية التي بني عليها وعي الجيل وعندئذ سندرك لماذا يجري تهميش عامل الثقافة وكأنه قيمة فائضة ولا جدوى منها.

هنالك العديد من المؤشرات التي يمكن من خلالها الاستدلال على موقع وقيمة الثقافة وحضورها في الحياة اليومية.

لا شك أن المتفق عليه مثلا هو الانصراف عن عادة القراءة المنتظمة وتدهور مكانة الكتاب لتتسيّد منصات التواصل الاجتماعي وتستنفد من وقت المنخرطين فيها أغلبه.

إشكالية مركبة سوف تحيلنا إلى الأهمية التي لا خلاف عليها والتي تتعلق بجذور الشخصية وانتمائها في وسط جيل معولم عابر للحدود وبإمكانه أن يتواصل مع أقرانه في جميع القارات.

ولعل من المهم القول إن الحديث عن الثقافة لا يعني تلك الأشكال النمطية للنصوص الثقيلة التي تفتقد التأثير والإمتاع والفائدة بل كل ما يمكن ان يعمق الوعي والخبرات ويقدم قيم الجمال والحضارة والمدنية والسلوك الإنساني المتحضر.

القصة يمكن استنتاجها برمتها من خلال العديد من المشاهد الحياتية، فمثلا تكون في صالة المطار أو في مقهى أو مطعم لتشاهد أولادا وفتيات صغارا كل منهم يلعب بهاتفه النقال، لا أحد يكلّم الآخر ولا يكلم أي واحد منه والديه فهو منصرف هناك إلى عالمه حتى قيل إن هذه الأجواء تعزز مرض التوحّد والعزلة والكآبة الانفعالية.

لدى الجيل الأكبر سنّا هناك ثقافة عامة متدهورة تكشف عنها مستويات أعداد غفيرة من خريجي الجامعات من ذوي المستوى الضعيف والذين تخرجوا بأعجوبة أو بسهولة بحسب الوضع التعليمي المتردي في أكثر من بلد عربي.

هذا النوع من الخريجين الذين لا شأن لهم لا بالثقافة ولا بالصحافة الثقافية هم الذين ابتلعتهم منصات التواصل الاجتماعي وصار نهارهم يشبه ليلهم في نوع من الإدمان الذي طالما شخّصه أطباء نفسانيون وعلماء اجتماع وحتى مختصون في مجال التواصل الاجتماعي.

هو إدمان رقمي من جهة وجفاف ثقافي من جهة أخرى وعجز عن إيجاد صحافة ثقافية جادة ورصينة تحتل موقعها في خارطة الحياة اليومية.

تزحف الإعلانات التجارية وشتى الاهتمامات الأخرى بقوة على المشهد الثقافي برمته وبالتالي تصيب الصحافة الثقافية في مقتل.

هنالك بالطبع من يحيل إلى نوع الخطاب الثقافي وعدم جاذبيته وهنالك من يرى في منتجي الخطاب الثقافي أنهم منقطعون في برج عاجي لا يعلمون شيئا عما يجري من حولهم.

ويمكن الإتيان بالمزيد من الأوصاف التي تلقى هنا وهناك لتسويغ الظاهرة المتسعة باطّراد والتي صارت تحيل إلى أمية ثقافية وفكرية في مقابل إدمان رقمي وولع مسرف بمنصات التواصل الاجتماعي.

لا شك أنه زمن مختلف وثقافة مختلفة ووعي مختلف لكن مهما كانت الأسباب فإن شكلا مختلفا للصحافة الثقافية والخطاب الثقافي المحمول عبر وسائل الاتصال الحديثة صار أمرا مهما وضرورة قصوى.

18