جيل جديد يؤسس للانقلاب على السينما في الجزائر

الخميس 2015/02/12
"الوهراني" فيلم يفتح نافذة على نقد الثورة الجزائرية

الجزائر- أثار فيلم “الوهراني” للمخرج الجزائري إلياس سالم، جدلا جديدا في الساحة الفنية والثقافية الجزائرية، بسبب جرأته في طرح ما رآه “انحرافات الثورة والثوار بعد الاستقلال”، وهو الأمر الذي أثار استياء جمهور عريض من الجزائريين، ومما يعرف بـ”الأسرة الثورية” (تنظيمات مدنية لقدماء المحاربين)، الذين نددوا وتجمهروا منذ أسابيع أمام قاعة العرض بمدينة وهران، معتبرين الفيلم محاولة للمساس بسمعة ثورة التحرير.

يرى متابعون للشأن الفني في الجزائر أن فيلم “الوهراني”، يشكل منعرجا جديدا في مسار الإنتاج السينمائي الموثق لثورة التحرير، فإذا كانت الأعمال السابقة قد ركزت على عرض الصورة المبهرة للثورة التحريرية وعلى ممارسات الاستعمار الفرنسي، فإن العمل الجديد جاء ليفتح نافذة على نقد الذات والبحث عن الحقيقة في قدسية يرى البعض من الفنانين والمثقفين الجزائريين أنه يجب إعادة النظر فيها، بما أن الثورة قام بها إنسان والإنسان قد يخطئ، كما قد يصيب.

ويعتبر المخرج أحمد راشدي صاحب فيلم “مصطفى بن بولعيد” (2010)، واحدا من المتمسكين بتوثيق الثورة سينمائيا وتقديمها إلى العالم، كواحدة من الثورات الإنسانية الكبيرة في العصر الحديث، نظير ما قدمه الجزائريون من تضحيات جسام وعبقرية في الصمود بغاية دحر الاستعمار.

الجزائر المستقلة لم تقدم إلى حد الآن ما يعكس صورة ثورة التحرير، وأن الوقت لم يحن بعد للخوض في نقدها، ما دام زخمها ورسالتها لم تصل إلى العالم

ويشدد على أن الجزائر المستقلة لم تقدم إلى حد الآن ما يعكس صورة ثورة التحرير، وأن الوقت لم يحن بعد للخوض في نقدها، ما دام زخمها ورسالتها لم تصل إلى العالم.

وكان الباحث السينمائي عدة شنتوف، قد أصدر كتاب “السينما الجزائرية وحرب التحرير”، ضمّنه الأعمال الفنية والسينمائية التي تناولت حرب التحرير الجزائرية، وناقش فيه دور الصورة في التعريف بالثورة، متوصلا إلى خلاصة مفادها أن الأعمال المنجزة تبقى بعيدة وغير كافية، عمّا قدمه الجزائريون في سبيل حريتهم وعما مارسه الاستعمار في حقهم، وذلك مقارنة بما يوثق ويروج له لدى بعض الأمم والشعوب التي لا تقارن تضحياتها بتضحيات الجزائريين.

وضمّن الباحث كتابه ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول مكانة الأفلام الثورية في السينما الجزائرية، وتطوّرها عبر الزمن، بدءا من السنوات الأولى من استرجاع الاستقلال إلى فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات ومطلع الألفية الجديدة.

واهتم في الفصل الثاني بالأفلام التي تطرقت إلى فترة ما قبل اندلاع ثورة التحرير الجزائرية، والتي يقدر عددها بـ15 فيلما أهمها “الليل يخاف من الشمس” و”الخارجون عن القانون” و”وقائع سنين الجمر”. أما الفصل الثالث فقد تعرض لـ21 فيلما صورت ساحة المعركة منها “ريح الأوراس” و”معركة الجزائر” و”الطريق”وغيرها.

مسعود العايب: الدولة تمتنع عن دعم الأعمال التي تخوض في مسائل أخرى

ويرى النقاد أن السينما الجزائرية الثورية على ما يقال عنها، استطاعت أن تنجز أعمالا كبيرة تاريخيا وفنيا، على غرار فيلم “معركة الجزائر” سنة (1966) الذي أخرجه الإيطالي جيلو بونتي كورفو، الفائز بجائزة “الدب الذهبي” لمهرجان برلين، وظل ممنوعا من العرض في فرنسا إلى غاية 2004، فقد أثار جدلا بعد احتلال أميركا للعراق في 2003، واعتبر مرجعية للمؤسسات الرسمية في واشنطن للقضاء على المقاومة المحلية.

بالإضافة إلى فيلم “الأفيون والعصا” لأحمد راشدي المقتبس عن رواية للكاتب مولود معمري، وفيلم “وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد لخضر حامينا، الحائز على السعفة الذهبية بمهرجان “كان” عام 1976، كأول وآخر تتويج للسينما العربية في هذا المهرجان العالمي.

في المقابل ومع ظهور جيل جديد من الفنانين والمخرجين السينمائيين، على غرار إلياس سالم ورشيد بوشارب، بدأت ملامح “انقلاب” على السينما الثورية، من حيث المضمون النقدي للثورة، ومن حيث هيمنة الموضوع على السياسة السينمائية للبلاد، مشددا على ضرورة تقديم قراءة جديدة، للتاريخ وفسح المجال أمام مواضيع مغايرة تهم المجتمع الجزائري في ظل التطورات المتلاحقة، خاصة بالنسبة إلى نمو الفكر المتطرف والعشرية الحمراء ونمو التناقضات الاجتماعية.

ويرى المخرج مسعود العايب في تصريح لـ”العرب” أن “السينما الثورية عادت بقوة في السنوات الأخيرة بسبب الأهمية القصوى التي توليها سلطات البلاد السياسية للموضوع، وبعيدا عن أساليب توزيع هذه الأعمال على مؤسسات الإنتاج، فإن إرادة تقديم التاريخ وفق رؤية معينة بدليل أن المسائل المهمة والأسئلة المطروحة في عدة قضايا تبقى مغيبة، كما هو الشأن بالنسبة لاغتيال عبان رمضان وعميروش وكريم بلقاسم وغيرهم، وهو أمر يظلم التاريخ ولا ينصف الحقيقة”.

وأضاف “الدولة رصدت مبالغ ضخمة للأعمال الثورية في إطار احتفالية ستينية الثورة، وتظاهرات أخرى، إلاّ أنها تمتنع عن دعم الأعمال التي تخوض في مسائل أخرى تطرح نفسها بإلحاح؛ كتنامي التناقضات الاجتماعية، وبروز مشاريع التطرف الديني والإرهاب، وانتشار المخدرات والهجرة غير الشرعية، وحتى الفساد المالي والسياسي وغيرها من القضايا”.

16