جيل MBS.. شباب السعودية يعيشون "صحوتهم"

قاعدة صلبة تؤيد "اندفاع" ولي العهد للإصلاح، وأفكار جريئة تكسر الكثير من القيود وتكتب تاريخا جديدا.
الجمعة 2019/01/04
صورة مختلفة

بدأت الصدمة من موجة الإصلاحات التي أطلقها ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان تختفي ليحل محلها شعور قوي بالرغبة في ركب هذه الإصلاحات ودعمها، خصوصا من قبل الشباب السعودي، الذين يشعرون بأن هناك شيئا ما يتغيّر في السعودية، وأن الأمر يحتاج لتقوية خطوات هذا التغيير وتجاوز المطبات، لأن ذلك سيكون بداية لتغييرات أكبر على المدى الطويل.

زيمون كريمر

تعرض كتب التاريخ في المملكة العربية السعودية رؤيتها الخاصة بالأمور هناك. لا يكاد يكون هناك شخص في المملكة شديدة المحافظة على تقاليدها يتذكر كيف وقّع الملك فيصل ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، عندما جلس إلى جواره على نفس المائدة المُعلِم يودا الحكيم، (الشخصية الشهيرة في سلسلة أفلام ومسلسلات حرب النجوم).

وأثارت هذه الصورة المركبة بالأبيض والأسود جدلا في السعودية عندما وجدت طريقها بشكل ما إلى الكتب المدرسية، وتسببت في ليال من الأرق للفنان شاويش، لأن السلطات لا تسمح بتجاوز الخطوط الحـمراء عندمـا يتعلـق الأمـر بالأسرة المالكة.

عن ذلك قال الفنان البالغ من العمر 28 عاما، صاحب اللحية الكثة والضفيرة الرجالية المرتفعة “ليس من دأبي أن أصدم أحدا.. إذا صدمت أحدا فإنه يرد عليك وقتا ما”. لم يرد الفنان إلا ربط قصة بلاده ببطل الأفلام الصغير الأخضر الذي عرفه في طفولته. هذه الصورة جزء من سلسلة، يسعى الفنان من خلالها لربط الأجيال بعضها ببعض.

الأمير محمد بن سلمان: الدولة التي كانت شديدة الالتزام بالتقاليد القديمة لم تكن طبيعية
الأمير محمد بن سلمان: الدولة التي كانت شديدة الالتزام بالتقاليد القديمة لم تكن طبيعية

تعج الرفوف الموجودة في ورشة عمل الفنان بذكريات الطفولة التي طلبها عبر الإنترنت: سيارات سباق ومسدسات مياه وشخصيات سلاحف الننجا المثيرة “فأنت تستطيع هنا فعل أي شيء تريده.. طالما ابتعدت عن الغضب”.

تعلّم الجيل الناشئ في السعودية أن يتوافق مع الظروف. لا يزيد عمر نحو 70 بالمئة من سكان المملكة عن 35 عاما. وعندما ولد هؤلاء كان رجال الدين والخطباء بالغي التشدّد قد وضعوا البلاد على طريق محافظ جدا. نشأ هؤلاء الشباب دون دور سينما. لم يروا النساء يجلسن خلف عجلة القيادة. وفرضت عليهم تعاليم اجتماعية مشددة.

على مدى سنوات طويلة، وتحديدا منذ الثمانينات حيث ظهرت موجة ما يعرف بالصحوة، ظل الشباب في السعودية يعيشون ضمن تلك الضوابط المرسومة، والتي إن حادوا عنها فرجال المطاوعة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالمرصاد. كان هناك تململ لكن بصوت خافت، من جهة لأن “شباب” السنوات الأولى للصحوة تأثروا بذلك التيار بشكل كبير، ومن جهة أخرى لأن العالم لم يعش بعدُ ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت.

لكن، بدأت الرغبة في التغيير تنمو مع نمو الجيل بعد ذلك، وعاصروا ثورة وسائل التواصل والاتصال. واليوم يسجل الشباب السعودي أعلى نسب رواد شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف مواقع الإنترنت، بالإضافة إلى تصدر قائمة أبرز السياح في مختلف أنحاء العالم. وتغيرت اهتمامات الشباب السعودي، وأصبح هاجسهم الأول التعليم والعمل.

ضمن هذا الجيل، نشأ ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، والذي لا يعرفه الكثيرون إلا بـ”MBS” (البدايات اللاتينية لاسم: محمد بن سلمان)، لذلك كان من بين أكثر العارفين بتطلعاته وبقدراته وإلى أي مدى يؤثر فيه ذلك الماضي. وقد تحدّث الأمير محمد، وهو في العقد الثالث، في مناسبات عديدة بشكل نقدي عن ذلك الماضي.

أحدث هذه التصريحات، أدلى بها ولي عهد السعودية لصحيفة الغادريان، قال فيها إن الدولة التي كانت شديدة الالتزام بالتقاليد القديمة على مدى الثلاثين عاما الأخيرة “لم تكن طبيعية”. وكان وصف في تصريحات سابقة الموجة الجديدة من الإصلاحات التي أطلقها ضمن رؤية “السعودية 2030” بأنها جزء من العلاج بـ”الصدمة” الذي يُعد ضروريا لتطوير الحياة الثقافية والسياسية في المملكة.

السير بثبات نحو التغيير
السير بثبات نحو التغيير 

وشكلت هذه الإصلاحات صدمة، للداخل، قبل الخارج. حتى أن الكثيرين وصفوا الأمير الشاب بـ”المندفع” نظرا لجرأة إصلاحاته وتصريحاته بشأنها، دون أن ينتبهوا إلى أنه يرتكز على قاعدة صلبة قوامها الشباب السعودي، الذين يمثلون أكثر من نصف عدد السكان.

وكتب المحلل في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي قائلا، إن ولي عهد السعودية يهدف إلى جعل المملكة منارة للاعتدال بدلا من أن تكون داعية إلى الفكر المتشدد، مشيدا بالحداثة المتقدة التي يقودها شاب مُصلح.

ويحظى الأمير محمد بدعم 90 بالمئة من السعوديين، وفقا لاستطلاع رأي أجرته وكالة بورسون مارستلر للعلاقات العامة. وعن ذلك تقول فرح الكويليت (22 عاما) “إنه واحد منا، ويعرف كيف نفكر”. وتعمل فرح في مساحة عمل مشتركة في العاصمة السعودية، الرياض. وليس حجاب فرح سوى طرحة رقيقة تغطي الرأس وتنزلق على كتفها كلما تحركت في غرف العمل، حيث يعمل شباب وشابات بشكل مشترك في مشاريع مختلفة ويناقشون أفكارا مبدعة للشركات.

أهم قضية للشاب هي الوظائف والاستمتاع بأوقات الفراغ في الأماكن العامة، وهذا هو بالضبط ما حققه الأمير محمد بن سلمان من خلال انفتاح المملكة وإحداث تحول في الاقتصاد

وفي العادة، يسود في معظم الأماكن العامة في السعودية وفي الكثير من الشركات فصل حاسم بين الجنسين. وهناك مداخل خاصة بالنساء وأخرى بالرجال، لكن “تراجعت هذه القيود كثيرا خلال العامين الماضيين” حسبما تقول فرح، مضيفة أن الكثير من الأمور في المملكة تعود إلى التقاليد بالدرجة الأولى، مشيرة في ذلك إلى الكثير من النساء المنقبات في المدينة، وتضيف بحماسة “هناك حاجة لشخص يحرك ذلك ويمهّد الطريق أمام الأسر”، “إنه ولي العهد”.

وتأتي هذه التطورات لتضخ الدماء في مشروع كان اعتمده العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهو برنامج المنح الدراسية لهذه المجموعة الشبابية التي كانت تتنامى بشكل مستمر. ودرس أكثر من 200 ألف شاب سعودي في الخارج من خلال هذا البرنامج، وتعهدوا بالعمل بعد الدراسة أولا في المملكة.

لكن الملك عبدالله، كغيره من أصحاب التوجهات الإصلاحية، كانت خطواته مقيدة بعراقيل ومطبات كثيرة، لم يكن من الممكن تجازوها إلا بالجرأة و”الاندفاع” العقلاني، وهو ما اعتمده الأمير محمد بن سلمان. ويرى باحث الشؤون السياسية منصور المرزوقي في ذلك سببا وراء وقوف الكثير من الشباب خلف ولي العهد “ففي النظام القديم كانت الوساطة هي السائدة، وكانت هناك أقطاب واضحة في الاقتصاد”.

دور للسينما وعروض موسيقية عالمية يحضرها جمهور مختلط
دور للسينما وعروض موسيقية عالمية يحضرها جمهور مختلط

ويضيف المرزوقي، الباحث في المركز الحكومي للدراسات الاستراتيجية، أنه “عندما تم القبض على العديد من الأمراء وكبار رجال الأعمال العام الماضي في فندق الريتز، فإن ذلك كان رسالة مفادها أن وقت الفساد قد ولّى”.

ويرى المرزوقي أن أهم قضية للشاب هي الوظائف والاستمتاع بأوقات الفراغ في الأماكن العامة، وهذا هو بالضبط ما حققه الأمير محمد بن سلمان من خلال انفتاح المملكة وإحداث تحول في الاقتصاد بعيدا عن النفط. افتتحت دور للسينما. وأصبح من حق النساء قيادة السيارات. وأصبحت فرق موسيقى عالمية مثلا فرقة “بلاك أيد بيز” وفرقة اينريكي إجليسياس، تقيم حفلات في المملكة، يحضرها جمهور مختلط. أما التصرفات “المتشددة” جزئيا مثل مقاطعة قطر أو الحرب في اليمن، فمن السهل تبريرها على صعيد السياسة الخارجية، حيث يرى المحلل السياسي المرزوقي أن السعودية “تشعر بأنها قد تركت وحدها”.

ويرى أن الأخبار بالغة السلبية عن السعودية في أعقاب اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، لم تؤد إلى التشكيك في مكانة ولي العهد في المملكة “بل بالعكس، فإن مكانته تعززت بشكل واضح، وأن الكثيرين يقفون خلفه”.

وتنتقد مجموعات حقوقية المملكة من وقت لآخر بسبب طريقة تعاملها مع النشطاء ومع النساء، “ولكن هناك شيئا يتغير” حسبما يرى الفنان شاويش، الذي يحتفظ في ورشة عمله بشخصيات لعب تعود إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما كانت السعودية بلدا مختلفا.

7