جيمس بوند في "سبكتر": الأسطورة تهبط إلى الأرض مرة أخرى

من الصفات المستقرة في أذهان الذين عاصروا شخصية جيمس بوند منذ ظهوره الأول في فيلم “دكتور نو” (1962)، أن بوند جاسوس يعمل في خدمة جهاز المخابرات البريطانية الخارجية (إم أي 6)، وهو رجل أسطوري؛ قد ينتمي إلى كل من الواقع والخيال معا، ففيه الكثير من صفات الرجال الواقعية التي قد تتجاوز الخيال أحيانا لتصير من الخوارق: حب النساء والانجذاب إليهن وما يمكن أن ينجرّ عنه من تورّط في مواقف قاتلة يذللها بكل ذكاء، وولعه بالأشياء الثمينة، وميله إلى القمار، لأن فيه جانبا مقامرا بالفطرة، يمكن أن يقوده إلى الهلاك لكنه يتجاوزه بكل مهارة، وغير ذلك من الصفات التي انسحبت على جلّ أفلام العميل السري (007)، منذ أول فيلم له “دكتور نو” حتى آخر أفلامه “سبكتر”.
الجمعة 2015/11/06
بوند يتخطى الحواجز والعقبات كعادته

العميل السري جيمس بوند مثّل في كلّ أفلامه منذ ظهوره في أول فيلم له “دكتور نو” وحتى آخر فيلم “سبكتر” (2015) الرجل- الأسطورة، الذي يتمتع بقدرات جسدية وذهنية خارقة، هي التي تكفل له النجاة وهو الجاسوس الذي يلقي به رؤساؤه في المخابرات إلى المهالك في شتى أرجاء الأرض، بعد أن يتغلب على الأعداء الذين يُفترض أنهم يشكلون خطرا داهما على العالم، وبالأخص، على مجتمعات الغرب الديمقراطية، فجيمس بوند بهذا المعنى، هو حامي حمى القيم الديمقراطية ومبادئ الحرية الفردية والرخاء الرأسمالي في الغرب، وربما كان هذا كله مقبولا ومفهوما من جانب الجمهور عندما كان “سلاح” بوند وأفلامه بالطبع، يتم إشهارها في وجه الأشرار زمن الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، الرأسمالي والاشتراكي.

كانت شخصية جيمس بوند دائما تحقق المتعة والإثارة، حيث تجسد الشجاعة الفردية في عالم مليء بالإحباطات، وكانت الحبكة في أفلام بوند عادة ما تدور حول الصراع البدائي بين الخير والشر، الخير الذي يتمثل في إنقاذ العالم من الشر، والشر المدفوع بالرغبة في السيطرة والابتزاز الذي يكمن في التآمر لإحداث أكبر قدر من الضرر ما لم يحصل الشرير على مبتغاه.

وكانت لروايات إيان فليمنغ وسيناريوهات الأفلام المأخوذة عنها، قدرة هائلة على تجسيد نموذج الشر، حيث أنك لا تملك سوى التعاطف مع الطرف الآخر، أي جيمس بوند، دون أن تنتبه أحيانا إلى أن في تعاطفك معه انحيازا للقوى الاستعمارية التي تسعى إلى السيطرة والتحكم واستغلال الشعوب، وأن بوند بالتالي “أداة” لخدمة هذه القوى. فقد كان عالم المغامرات هو أكثر ما يستهوينا ويجذبنا إلى الاندماج مع أفلام العميل السري رقم 7.

معالم الأسطورة

كانت تلك المواقف هي قوة البعد اللاواقعي، أو الخيالي الأسطوري في أفلام بوند. ففي هذه الأفلام يمكنك أن تقبل كل ما تشاهده دون أن تطرح الكثير من الأسئلة: كيف ينتقل بوند من بلد إلى آخر هكذا بسرعة البرق؟ كيف يمكنه نقل سيارته الخاصة ببساطة واستخدامها في البر وأحيانا في البحر دون أي مشاكل؟ كيف يستولي على الطائرات التي يقودها لينجو أو ينقذ حبيبته بواسطتها؟ وكيف يتمكن من النفاذ داخل أماكن يصعب اختراقها بسبب أنظمة الأمن الخارقة التي تحيط بها؟ وكيف يمكنه أن يغوي امرأة بجمال مونيكا بيللوتشي (في الحادية والخمسين ولا تزال تتمتع بالقدرة على الإغراء) خلال ثلاث دقائق فقط؟ وأن يجعلها تستسلم له وتمنحه إلى جانب جسدها بالطبع، بعض المعلومات الثمينة التي تكفل له بلوغ أول الخيط لتحقيق هدفه؟

الفيلم يحتوي على العديد من المشاهد التي تتمتع بالتصوير الجيد، وبالتنفيذ الحرفي المحكم الدقيق

أشياء غريبة تقع ونشاهدها كلها في فيلم جيمس بوند الجديد “سبكتر” وهو الرابع والعشرون في تلك السلسلة الشهيرة، والفيلم الثاني الذي يخرجه المخرج البريطاني المرموق سام ميندز صاحب التحفة الشهيرة “الجمال الأميركي” (1999)، بعد أن أخرج الفيلم السابق في السلسلة وهو “سكايفول” (2012)، كذلك هو الفيلم الرابع الذي يقوم ببطولته الممثل الإنكليزي دانييل كريغ في دور بوند.

يمكن للمرء أن يتغاضى بالطبع عن محاولة فهم وتفسير الكثير مما يحدث في هذا الفيلم، لكن في نهاية الأمر يجب أن نكون أمام حبكة مقنعة، مثيرة للاهتمام، لا تنال كثيرا من مصداقية شخصية بوند كما حدث بالفعل هنا.

يحاول الفيلم مجددا، التأكيد على الطابع “الإنساني” لشخصية بوند، أو “أنسنة بوند” وتحويله إلى كائن إنساني مثلنا: يمكن أن يقع بسهولة في الحب من أول نظرة كما لو لم يكن قد دُرّب كجاسوس محترف مصرّح له بالقتل، على مقاومة الاستجابة لأيّ إغراء عاطفي، بل نراه أيضا يريد أن يرتبط بالفتاة التي وقع في غرامها، وأن يهجر عمله ويتقاعد.

ونراه في المشهد ما قبل الأخير وهو يلقي بمسدسه الشهير في نهر التايمز، ثم يذهب إلى إدارة المخابرات لكي يستعيد سيارته القديمة ويقودها رفقة حبيبته الجديدة التي استقرّ على الارتباط بها أخيرا، بعد 53 عاما من ظهوره على الشاشة.

أنسنة بوند

إن الرغبة في “أنسنة” بوند وتقريبه إلى المشاهد العصري، ليست سوى امتداد لما شاهدناه في الفيلم السابق “سكايفول” وهو ما يجعل “سبكتر” أولا، مجرّد استكمال للفيلم السابق وشرح وتوضيح للكثير من أحداثه ومواقفه.

هنا مثلا سنكتشف أن الشرير أوبرهاوزر (يقوم بالدور ببراعته وجاذبيته المعتادة النمساوي كريستوف فالتز) الذي اخترع منظومة كاملة معقدة لاختراق أجهزة المخابرات الكبرى في العالم وإرغامها على التعامل معه والقبول بشروطه، هو الذي يقف وراء كل ما شهده بوند في حياته كجاسوس (أو بالأحرى في أفلامه السابقة) من فظائع وأعمال عنف وتصفيات بما في ذلك مقتل رئيسته السابقة التي كانت بمثابة الأم البديلة له أي مسز إم (جودي دنش).

كيف يمكن لبوند أن يغوي امرأة بجمال مونيكا بيللوتشي

والشرير أوبرهاوزر في حقيقة الأمر، يصفي مع بوند حسابات قديمة تعود إلى فترة الطفولة، فبعد وفاة والدي بوند في حادث تزلج، يتبنى والد أوبرهاوزر بوند ويقوم بتدريبه منذ الصغر، على الرماية ومواجهة الأخطار وكل ما يجعله رجلا شديد البأس، مما يؤدّي بالطبع إلى شعور الابن الأصلي بالغيرة الشديدة مع إهمال والده له، ويجعله منذ ذلك الزمن، يتحين الفرصة للنيل من بوند وإفساد مخططاته وتدمير مهماته، بل والقضاء عليه.

عندما نصل إلى هذه النقطة في الفيلم، نرى أوبرهاوزر وهو يشرح تفصيلا في مونولوغ طويل، كل هذه التفاصيل ويوضح الكثير مما وقع في الأفلام السابقة، تفقد الحبكة بريقها، ويفقد الفيلم قدرته على الإقناع.

فأنت تستطيع أن تتصور كما تشاء، كيف ينجو بوند من المخاطر الكبيرة، وكيف يتمكن من التغلب على الأشرار مهما كانوا يتمتعون بقوى خارقة كما يفعل مع “ماكينة القتل” الجديدة في هذا الفيلم ويدعى هينكس، الذي يطارد بوند أولا بالسيارة في شوارع روما، ثم فوق حافة إحدى ضفتي نهر التايبر، ثم يتعقبه داخل قطار في المغرب من طنجة ليقذف به بوند خارج القطار أيضا.

ويمكنك أن تقبل نجاة بوند من قبضة أوبرهاوزر بفضل تلك الساعة التي أعطاها له كيو (بن ويشو) رجل الاختراعات الشهير الذي يصبح منذ الفيلم السابق شابا عصريا بارعا في استخدام تكنولوجيا الكومبيوتر، كما يمكنك أن تتغاضى عن نجاته بشكل أقرب إلى المعجزة من قبضة الحارس العملاق في مؤتمر قمة “سبكتر” الذي ينجح بوند في اختراقه.

ومع ذلك كله ليس من الممكن قبول اختزال كل ما كان يقوم به بوند من مكافحة لقوى الشر في العالم عبر أكثر من خمسين عاما (!)، في شخصية مريضة بالغيرة ترسب لديها الكثير من العقد النفسية منذ الطفولة، وبالتالي الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية من بوند، فهذا أولا غير مقنع لأنه يتجاهل على سبيل المثال، ما كان يتعرض له بوند من جانب أجهزة الاستخبارات السوفييتية في زمن الحرب الباردة. وثانيا هو يقلل كثيرا من أهمية بوند نفسه ويجعله كيانا هامشيا.

هناك الكثير من المشاهد التي تتمتع بالتصوير الجيد، بالتنفيذ الحرفي المحكم الدقيق، بالإثارة والتشويق، بالموسيقى التي تكسب الفيلم أجواء مثيرة، وهناك الكثير من المناظر الطبيعية التي ننتقل عبرها من بيئة إلى أخرى، من المكسيك إلى روما، إلى منطقة جبال الألب في النمسا، إلى طنجة في المغرب، إلى لندن بالطبع، التي يدور فيها عدد من المشاهد أخطرها بالطبع ذلك المشهد الهائل قرب نهاية الفيلم، وهو مشهد التفجير الذي يدمّر تماما مبنى المخابرات البريطانية الخارجية (إم أي 6) في فوكسهول على الضفة الجنوبية لنهر التايمز، وهو المبنى الذي شاهدنا تفجيرا محدودا ينال من طوابقه العليا في فيلم “سكايفول”.

يقول الفيلم الجديد إن إدارة المخابرات استغنت عنه، وأصبح في انتظار الهدم وغالبا كان محشوا بالمتفجرات وأن اشتعال النيران بفعل تبادل إطلاق الرصاص بين بوند وأوبرهاوزر تسبب في وقوع التفجير. وكنا قد شاهدنا في الفيلم كيف أنشأت المخابرات مبنى حديثا شاهقا من الزجاج والصلب.

كريغ يبدو أكثر انسجاما مع الدور، فهو مازال مقنعا في مشاهد المشاجرات والالتحام الجسدي

الإخراج الجيد

يظل المشهد الافتتاحي في الفيلم، الذي يستغرق أكثر من 10 دقائق على الشاشة، والذي شارك فيه 1500 من “الكومبارس”، أهم وأفضل مشاهد الفيلم بل والأفضل على الإطلاق في كل أفلام جيمس بوند منذ ظهورها حتى الآن، وهو يصمد للمقارنة مع أفضل مشاهد الأفلام الكلاسيكية الشهيرة في تاريخ السينما.

على الشاشة في بداية الفيلم يظهر عنوان “الموتى أحياء” ثم ننتقل مباشرة من زاوية مرتفعة بكاميرا متحركة إلى الاحتفال السنوي الكبير بعيد الموتى في مدينة نيومكسيكو (المكسيك) في لقطة واحدة متحركة ممتدة، تبدأ من الأعلى ثم تهبط الكاميرا تدريجيا إلى الأرض، تتحرك بين آلاف الأشخاص الذين يرتدون الأقنعة والملابس التي تشبه الهياكل العظمية، ثم تتوقف الكاميرا أمام جيمس بوند الذي يرتدي قناعا محكما ويمسك بيد فتاة مكسيكية حسناء يشدها ليسير الاثنان عكس اتجاه حركة جموع المحتفلين الذين يرقصون بأزيائهم الغريبة التي تضفي جوا تعبيريا يوحي بالموت، على دقات الطبول والموسيقى.

تتحرك الكاميرا مع بوند وفتاته وهما يدلفان إلى ردهة فندق ثم تدخل معهما إلى المصعد، حيث يصعدان إلى الطابق الثالث، ثم ينتقلان إلى غرفة حيث ينزع كلاهما قناعه، محددة بدقة، الفتاة تقبل بوند ثم تستلقي على الفراش فيسـتأذنها في الغياب للحظة، لكنه يخرج بالقفز من الشرفة، ويسير فوق سور ضيق مواز لغرف المبنى متخطيا خلال ذلك كل ما يصادفه من مرتفعات أو حواجز ودون أن يلتفت إلى ما يجري في الأسفل، أي في الشارع حيث تستمر الاحتفالات بعيد الموتى.

وتنتهي اللقطة- المشهد وبوند يصوّب بندقيته ليطلق الرصاص على سكيالا الذي يخطط للقيام بعمل إرهابي، والذي تركت له رئيسته السابقة مسز إم قبل وفاتها رسالة خاصة تطالبه بتصفيته.

بوند لا يتمكن من قتل الرجل، لكنه يتسبب في تفجير الغرفة التي يوجد فيها الرجل مع الشخص الذي عقد معه اتفاقا على تنفيذ العملية الإرهابية، ثم نشاهد انهيار المبنى كله وسقوطه فوق مبنى الفندق الذي يقف فوقه بوند، ليتراجع بوند ويهرب قافزا بسرعة أكبر من سرعة انهيار الركام فوق رأسه، ثم تنتقل المطاردة إلى الشارع، فهو لم يتمكن من قتل سكيالا، الذي تهبط طائرة هليكوبتر لانتشاله، فيتعلق بها بوند وتجري معركة شرسة بينهما داخل الطائرة إلى أن يتمكن من قذفه خارجها، ثم ينتزع الطائرة من الطيار بعد أن يخنقه ليتمكن في اللحظة الأخيرة، من تفادي اصطدامها بالأرض، بينما تتعالى صيحات جموع المحتفلين بعيد الموتى في الشارع وهم يتطلعون مشدوهين إلى المعركة الغريبة التي تدور في الجو.

دانييل كريغ الذي أعلن أن هذا سيكون فيلمه الأخير في سلسلة بوند، يبدو أكثر انسجاما مع الدور هنا، رغم تقدمه في العمر، فهو مازال مقنعا في مشاهد المشاجرات والالتحام الجسدي رغم نحالة جسده أو ربما بسبب نحالته.

لم يكن رالف فينيس ملائما في دور مستر إم من الفيلم السابق، وكذلك جاء أداء الممثلة السوداء ناعومي هاريس لدور موني بيني سكرتيرة مستر إم، باردا مفتقدا للإقناع، وموني بيني من الشخصيات الثابتة في أفلام بوند. وكانت تغازل بوند باستمرار لكنها لم تقم علاقة معه أبدا، ونراها هنا تعتذر بلباقة عن مصاحبة بوند عندما تزوره في منزله، لكنها تقبل مساعدته في مهمته الخاصة التي يقوم بها خارج تعليمات الإدارة، ثمّ نرى أنها أصبحت على علاقة برجل تستضيفه في منزلها، لكننا لا نراه.

أما العيب الرئيسي في اختيار فريق الممثلين في هذا الفيلم، فهو إسناد دور فتاة بوند مادلين إلى الممثلة الفرنسية لي سيدو (سبق أن شاهدناها في فيلم “حياة أديل” في دور مختلف تماما)، فهي تبدو باردة كثيرا في تعبيراتها وتفاعلها مع الدور، ورغم قيام الفيلم بتلميعها وإبرازها في أحسن صورة بملابس أنيقة ومثيرة، إلاّ أنها لم تكن على نفس الدرجة من التلقائية والصدق والاندماج مع البطل والتي اشتهرت بها فتيات بوند في الأفلام السابقة.

والملاحظ أيضا أن رغبة المنتجين في اجتذاب الأطفال لمشاهدة الفيلم جعلت المشاهد الغرامية الملتهبة التي اشتهرت بها أفلام بوند تختفي تماما وتصبح فقط، بالإيحاء على طريقة بعض الأفلام المصرية التي يطلق عليها البعض الآن أفلاما “نظيفة”.. وإن اختلفت الأسباب بالطبع.

16