جيمس جويس يدخل مناطق الكلمات المهجورة

الخميس 2014/08/28
أسلوب جويس في الكتابة يميزه عن بقية الكتاب

بيروت - صدر ببيروت عن دار “المدى”، الجزء الثالث من رواية “يوليسيس” للكاتب الإيرلندي جيمس جويس، وقد قام بترجمتها الشاعر العراقي المغترب صلاح نيازي. ضمّ هذا الجزء الحلقات 13 و14 و15 في حوالي 430 صفحة من القطع الكبير، وهي مزوّدة كما في الجزأيْن السابقين، بشروح وافية تعين القارئ على ما استعصى.

جاء في توطئة هذا الجزء: كان الشرك الحقيقي في الحلقة الخامسة عشرة، إنها في نظر الكثيرين من النقاد الجويسيين أصعب الحلقات، وبها تبدأ الرواية، هكذا ظنّ بعض النقّاد.

يقينا، إنّها تأليف جسيم، مرهوب، أقفاله تفوق بالكثير، مفاتيحه. معميّات دونها معميّات إلى أن ينقطع النفس. هنا لا تُمتحن الترجمة بالنجاح أو الفشل، وإنما بالنجاة لأنّها مخاطرة متجهمة تقتات على الأعصاب وعضلات العين. كذلك، التشنج في الرقبة. كلّ مرحلة تعقّد المرحلة التي تليها، كتطور الجنين الذي ساواه جويس بتطور اللغة. ليس عبثا إذن أن تبدأ هذه الحلقة بمستشفى للولادة، وليس اعتباطا أن حاكى جويس في هذه الحلقة أكثر من “دزينة” من الأساليب النثرية، بدأها بالمؤرخين اللاتينيين من أمثال سالوست وتاسبتوس من دون أن يجعل محاكاته أنكليزية.

ثم حاكى المؤرخين اللاتينيين في العصور الوسطى وجعلها تشبه نفسها، أي لا علاقة لها بالأنكليزية. انتقل بعد ذلك، إلى الأنكلو- ساكسونية، فالنثر الأنكليزي في العصور الوسطى، فأشهر الكتاب الأنكليز من مختلف العصور، إلى جون رسكن، وتوماس كارلايل.

احتوت بوتقة جويس اللغوية هنا، اللغات السنسكريتية والعبرية والغاليّة والألمانية والإيطالية والفرنسية، والإسبانية والكلمات المهجورة، في العامية الإيرلندية والأميركية والفرنسية وعاميّة شرقي لندن المعروفة باسم “الكوكني” cockney بالإضافة إلى منحوتاته. حتى أنّه صاغ من الحروف أصواتا موسيقية لتصوير ثلاثة مساقط مائية وفي كل مرة تختلف الموسيقى باختلاف توزيع الحروف وكأنها نوتات موسيقية. في الحلقة الخامسة عشرة نرى أمامنا على المسرح كيف يُمسخ الإنسان. رجل يستحيل إلى امرأة، امرأة تصبح رجلا.

فنتازيا من الجينات الدفينة أكثر واقعية من الواقع. واقع لا يشبه حتى نفسه. أسهل ما في هذه الحلقة هو الدخول إليها، وأصعب ما فيها الخروج منها. تيّار الوعي الجويسي في أقصى جموحه ينتقل وكأنه بعفوية من البوذية والتوراة والإنجيل، من الفلسفة الإغريقية، من الماخور، من علم الفلك، من التنجيم، من الأوبرا والشعر والمسرح، من علم الطبابة وسباقات الخيول من علم الأجنة، والقابلات، والمومسات والسفلس ومجلس النواب، والأغلفة المطاطية لمنع الحمل.

14