"جيمس ضد مستقبله".. عندما تتفوّق الكوميديا على الخيال العلمي

فيلم "جيمس ضد مستقبله" يقوم على المفارقات والمواقف الطريفة رغم طابعه الجدي في إطار العلم الذي ينقل المشاهد عبر الزمن لاكتشاف التمني والطموح الواسع للبطل.
الاثنين 2020/05/11
خيال علمي طريف

ماذا لو عدت إلى نفسك بعد سنين طويلة بشخصك الحالي إلى شخصك السابق؟ بماذا ستنصح نفسك؟ وأية قرارات سوف تتّخذ؟ وأية مواقف عليك أن تعدل عنها؟ وأية فرص ضيعتها ويمكنك الآن استثمارها؟ كل هذا الأسئلة مجتمعة يطرحها فيلم الخيال العلمي “جيمس ضد مستقبله”.

يطرح العديد من المخرجين في أفلامهم أسئلة ترتبط بعامل الزمن وتحديدا بالسفر عبر الزمن، وهي ثيمة سبق أن عالجتها سينما الخيال العلمي في العديد من الأفلام باتجاه قلب المصائر والحيلولة دون وقوع حوادث ومواقف معينة.

وهنا سوف نتذكّر أفلاما سبق أن ناقشنا بعضها في هذه الصفحة، ومنها أفلام: “النجمي” و”القضاء والقدر” و”الدكتور سترينج” و”العودة إلى المستقبل” و”الحلقي” و”حافة الغد” وغيرها.

وفي فيلم “جيمس ضد مستقبله” للمخرج الكندي جيرمي لالوند سوف نعيش أجواء الانتقال عبر الزمن في إطار التمني والطموح الواسع للبروفيسور جيمس (الممثل جوناس تشيرنيك)، الذي يعيش هوسا دائما يسيطر عليه فيما يخصّ موضوع عبور الزمن إلى درجة أن اللوحات الحائطية المزدحمة بالمعادلات الرياضية تنتشر في منزله وحتى في غرفة نومه.

وتبدو مسيرة الحياة بالنسبة إلى الشخصية لا تتطابق مع المنهجية العلمية التي تتطلبها المهنة وذلك ينطبق على جيمس، فهو غير مكترث كثيرا بأغلب المحيطين به بقدر ملء عقله بالمعادلات وفرضية عبور الزمن. ولا يخطر في بال ذلك العالم أن يعبّر عن نفسه ولا أن يُصغي للآخرين ولا أن يثمّن الأوقات المهمة والاستثنائية التي تمرّ في حياته.

هذه الحصيلة كلها سوف يحملها له صنوه أو هو نفسه بعد عشرين عاما، حيث يعود إليه شخصه وقد تجاوز السبعين في صورة جيمس الكهل (الممثل دانييل ستيرن)، وقد حفظ الدرس جيدا وجاء محمّلا بطباع شخصية أخرى أكثر مرحا وبساطة وتفاعلا مع الآخرين.

يصبح الإثنان وجها لوجه في سلسلة من المشاهد الطريفة التي يختمها جيمي الكهل بمطالب لشخصه وهو شاب، ومن بينها أن يدرك مشاعر إنسانة لازمته في عمله وهي زميلته كورتني (الممثلة كليوباترا كوليمان)، والتي سبق أن شاهدناها في فيلم “ظل القمر” وهو فيلم خيال علمي سبق أن ناقشناه في هذه الصفحة ويتعلق بالرحيل عبر الزمن أيضا.

الفيلم يقدّم فكرة السفر عبر الزمن بطابع مرح وساخر، عكس غيره من أفلام الخيال العلمي التي تناولتها بجدية
الفيلم يقدّم فكرة السفر عبر الزمن بطابع مرح وساخر، عكس غيره من أفلام الخيال العلمي التي تناولتها بجدية

كورتني نقطة ضوء في حياة جيمس لا يدرك قيمتها، ولا يبوح بها إلاّ جيمي الكهل، متأسفا على لحظات التردّد والانشغالات اليومية التي بدّدت تلك العلاقة، لكن كل ذلك تتم صياغته في قالب كوميدي من خلال قرار الاثنين أن يتأكّدا هل أن القطّة حيّة أو ميّتة، ويجسّدان العلاقة بينهما في لقاء حميمي ينتهي في جو كوميدي.

لا شك أن فكرة السفر عبر الزمن بطابعها الجدّي في إطار العلم قد تمّت معالجتها سينمائيا كما ذكرنا، ولكن ماذا عن المواقف الساخرة والحوارات الطريفة؟ تلك التي تُغنينا عن مشاهدة ماكينة الزمن وصناعة ديكور لمبان قديمة أو مستقبلية، ذلك ما تم بناؤه دراميا وبشكل مُتماسك في هذا الفيلم.

ولعلّها أرضيّة هشّة للغاية التي تحرّك عليها كاتب السيناريو والمخرج لكي يفلتا من التسطيح وضعف المعالجة السينمائية للفكرة. لكنهما استطاعا تقديم فيلم مُمتع قائم على المفارقات والمواقف الطريفة.

ومن جهة أخرى لم يسرف الفيلم في الأماكن والشخصيات، بل إن المخرج نجح في تقديم النطاق الضيّق الذي تحرّكت فيه الشخصيات، فضلا عن كونها تكمّل بعضها بعضا في مقاربة فكرة المستقبل.

وأما على صعيد البناء الدرامي فيلفت النظر الشعور بالبراءة والبساطة وحُسن النية، ذلك الذي يجسّده جيمس في علاقاته مع الآخرين إلى درجة أن مديرة مشروع السفر عبر الزمن تستغلّه وتسرق ما توصّل إليه وهو ما سوف يكتشفه متأخرا.

المرآة التي تنعكس عليها شخصية جيمس هي صديقته كورتني التي ترى وتشخّص له عيوبه وتدعوه إلى أن يجمع نفسه، وأن يدرك من هو وأن يكفّ عن خلط الأشياء. لكن تلك النصائح تبدو متأخرة مع قرار كورتني إيجاد عمل في جنيف تاركة جيمس في دوّامة الأرقام والمعادلات.

جيمي الكهل تختصر فكرته من خلال الإحساس بمتعة الأشياء من حولك، وأن تصغي لمن هم من حولك، وهي مبالغات لا وقت لها بالنسبة إلى جيمس، ولهذا يتعرّض إلى تهديد جيمي وعقابه، لينتهي الأمر بإلقاء جيمي في السجن، لأنه بدأ يغيّر لجيمس رتابة حياته ولربما اعترافه الضمني بالفشل.

هناك في هذه الدراما الفيلمية الكوميدية إحساس إنساني شفّاف تمت صياغته في وسط تلك الكوميديا، وحوار إنساني مفقود بسبب لهاث الجميع لكي ينالوا فرصهم في الحياة، ولهذا كان قرار كورتني ترك كل شيء خلف ظهرها من أجل أن تبدأ حياة جديدة مع أشخاص آخرين وفي أماكن جديدة.

يلاحظ على المسار الدرامي والسردي في هذا الفيلم أنه يتأثّر كثيرا بدوافع الشخصيات، ولهذا نشهد نوعا من الترهّل والإيقاع البطيء، وربما يعود ذلك إلى عدم إيلاء الحبكات الثانوية وتصعيد الدراما الفيلمية المزيد من الأهمية.

وبسبب ذلك كلّه، كانت أحداث الفيلم تحتمل الكثير من التطوير والتعمّق في المعالجة وبثّ الحبكات الثانوية، مع الحفاظ على القالب الكوميدي لذلك الخيال الشفاف المرتبط بفكرة السفر عبر الزمن بوصفها موضوعا يتجدّد وتتنوّع فيه المعالجات والأفكار.

16