جيمي ويلز مؤسس ويكيبيديا ومنقذ 95 بالمئة من طلاب العالم

الأحد 2014/04/27
جيمي ويلز ساهم في نشر المعرفة

كان المثقف على مر العصور، حاضنة كبرى للعلوم، موسوعيا وشاملا، مهندسا وطبيبا ولغويا وروحانيا وفلكيا، بارعا في الرياضيات، متبحرا في مختلف أشكال المعرفة، ولكن مع عصر التخصص، تحدّد اهتمام البشر، وخفت صوت التعدّد والشمولية، ولكن مع عالم الإنترنت المفتوح، وصعود المعلومة من جديد لتكون هدف المتصفحين، عاد معها المثقف الموسوعي، ليتشكّل من جديد، من خلال هيئات وأنظمة عمل ومواقع، تقدّم المعرفة بكل صنوفها، لمتصفح واحد، فيتراكم كل شيء في مصب الفرد.


من لا يعرف ويكيبيديا


المشروع المجتمعي اللاربحي لكتابة موسوعة حرة واسعة دقيقة! والبوابة نحو أشياء كثيرة: “المجتمع″، الثقافة الحرة، البرمجيات الحرة، الاستخدام الهادف للإنترنت في مرحلة مبكرة. حيث يعتقد الكثيرون أن طبيعة موسوعة ويكيبيديا الحرة مرتكزة على ما يسمى بمفهوم “الذكاء الجمعي أو الجماهيري”، حيث تساهم أعداد كبيرة من المشتركين في إنشاء صفحات الموسوعة. لكن جيمي ويلز مؤسس ويكيبيديا له رأي آخر، فقد عارض دوما مثل هذا التصور. فمن المؤكد أن مفهوم “الذكاء الجمعي” له أهميته، إلا أنه غير ذي تأثير على موسوعة ويكيبيديا. فالموضوع في حقيقة الأمر يتعلق بالتواصل بين مجموعات قليلة العدد تتكفل بصياغة ونشر “الصفحات” على شبكة الإنترنت. صحيح أن الصفحات الأكثر رواجا مثل الصفحات المتعلقة بالرئيس الأميركي باراك أوباما تحظى بمشاركة واسعة، لكن نشر معظم الصفحات يبقى من صلاحيات مجموعات تضم ما بين أربعة إلى ثمانية أشخاص.


جيمي ويلز ابن البقال


ولد ويلز في هانتسفيل – ألاباما، بالولايات المتحدة، كان والد جيمي ويلز يعمل مديرا لمتجر بقالة ووالدته (دوريس) وجدته (إيرما) كانتا تديران مدرسة خاصة صغيرة وهي المدرسة التي تعلّم فيها جيمي وهو صغير. بعد أن تخرج ويلز من جامعة إنديانا حصل على البكالوريوس والماجستير في التمويل. وبينما كان في الدراسات العليا بالجامعة، قام بالتدريس في جامعتين. حصل ويلز لاحقا على وظيفة في التمويل، وعمل كمدير للأبحاث في شركة للبيع الآجل والمضاربة في شيكاغو لعدة سنوات. وأصبح تاجرا للبضائع في شيكاغو وفي سنوات قليلة، أصبح رجل أعمال معروف، وفي 1996، قام مع شريكين بتأسيس بوميس، البوابة الإلكترونية الإباحية؛ بوميس، كانت كملجأ ضريبي. وفي مارس عام 2000 قام باستضافة وتمويل موسوعة نيوبيديا (2000– 2003) ، بعدها بدأ مشروع ويكيبيديا في 15 يناير 2001 كمُتمِّم لمشروع “نيوبيديا” الذي يكتبه محررون خبراء. وبسبب بطء تطوّر “نيوبيديا” قرّر جيمي ويلز وشريكه لاري سانجر أن ينشئا مشروعاً مفتوحا ليدعم “نيوبيديا” وهو “ويكيبيديا”، بالتشارك مع لاري سانجر وغيره، ساعد ويلز على إطلاق ويكيبيديا، ومع نمو أهمية ويكيبيديا، أصبح ويلز المروج للمشروع والمتحدث باسمه، فيـُذكر ويلز تاريخيا بأنه أحد مؤسسي ويكيبيديا وليس المؤسس الوحيد.

رغم وجود الآلاف من المحررين ومعظمهم يهتم بالدقة، إلا أن نحو 6 من كل 10 مواضيع تحوي أخطاء تتعارض مع حقائق أساسية


النمو السريع الهائل


يجلس ويلز في مجلس أمناء مؤسسة ويكيميديا، المؤسسة الخيرية غير الربحية التي تدير ويكيبيديا. ويشغل منصب “مؤسس المجتمع″ الذي أقره مجلس الأمناء. وفي 2004، شارك في تأسيس ويكيا، ذات الملكية الخاصة، وهي خدمة استضافة على الواب، وكان ذلك بالتشارك مع زميلته في أمانة ويكيميديا أنجلا بيزلي. نمت ويكيبيديا بسرعة هائلة، حتى أصبحت أكبر موسوعة حرة مفتوحة ومجانية في العالم، حيث تتمتع بنمو وشعبية فائقتين، ومع زيادة أهميتها أصبح ويلز هو المروج للمشروع والمتحدث باسمه ونظرا إلى النجاح الكبير الذي حققته ويكيبيديا اختارت مجلة تايم جيمي ويلز في قائمة أكثر الأشخاص تأثيرا في عام 2006. كما حصل على عدة جوائز، منها جائزة الاقتصاديين للعمليات التجارية عام 2008، وجائزة رمز العلامة التجارية العالمية عام 2008، وجائزة جوتليب ديتويلر عام 2010.

الجدل حول موسوعة “ويكيبيديا” وصل أحيانا إلى درجة التوتر. فمؤيدو موقع هذه الموسوعة الإنترنتية التي يحررها مستخدمون على الشبكة المعلوماتية، يقفون في مواجهة المجموعات التقليدية التي ظلت تصف الموقع بأنه غير دقيق وغير مسؤول. وجاءت أحدث مواجهة بين الجانبين، بعد أن أفاد روجرز كادنهيد، الذي أجرى تحقيقات عبر الإنترنت نشرت في موقع “وارك بينش”، بأن مؤسس “ويكيبيديا” جيمي ويلز، أجرى تعديلا على السيرة الذاتية الخاصة بالموقع. والتقط موقع “وايرد نيوز″ ما قام به كادنهيد، مما أثار نقاشا حادا في مواقع النقاش في “ويكيبيديا".

وطبقا لرؤية كادنهيد، فإن ويلز أجرى التغييرات للتقليل من دور رئيس التحرير السابق لاري سانغر، عبر شطب الإشارة إليه كمشارك في تأسيس الموقع. وعندما أعاد المحررون المتطوعون هذه المعلومات إلى الموقع، شطبها ويلز مرتين. وأشار موقع “وايرد نيوز″ إلى أن ويكيبيديا حذرت من أن تغيير السيرة الذاتية “يمكنه فتح الباب لسلوكيات غير ناضجة وفقدان للكرامة”، ونقلت “وايرد نيوز″ عن ويلز قوله، إنه لا يريد تغيير التاريخ، إنما مجرد توضيح تفاصيل تقنية تتعلق بدور سانغر في “ويكيبيديا”. وقال سانغر، الذي ترك ويكيبيديا عام 2002، في مواقع النقاش إن قرار ويلز بتغيير السيرة الذاتية “عملية لا جدوى منها، لأننا في عالم النشاط المكشوف، والحقيقة ستنتشر”، وقبل عدة أسابيع، كتب جون سايغنثالر، وهو رئيس تحرير سابق، مقالة في صحيفة “يو اس ايه توداي” انتقد فيها ما جاء في سيرته الذاتية المنشورة في ويكيبيديا، والتي تضمنت مشاركته في اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي. وقد أجريت تحقيقات توصلت في الأخير إلى الشخص المجهول، الذي أضاف تلك المعلومات إلى السيرة الذاتية لسايغنثالر، وأعلن ويلز بعد ذلك عدم السماح لمجهولين بإضافة معلومات.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، حصلت ويكيبيديا على دعم كانت في حاجة إليه، عندما كشفت دراسة لدورية “ناتشير” أن المعلومات ذات الطبيعة العلمية في الموسوعة، أقل دقة بدرجة بسيطة من تلك الموجودة في موسوعة “بريتانيكا”. ومعروف أن “ويكيبيديا” معرضة لنشر معلومات غير دقيقة، إذ أن أي شخص يمكنه دخول موقعها وتعديل أي نص في أي وقت. وكانت المواد المتعلقة بجورج بوش وجون كيري قد تم تجميدها في فترة تنافسهما على الانتخابات الرئاسية الأميركية العام الماضي، خشية نشر معلومات خاطئة بشكل متعمد.

يجلس ويلز في مجلس أمناء مؤسسة ويكيميديا، المؤسسة الخيرية غير الربحية التي تدير ويكيبيديا. ويشغل منصب "مؤسس المجتمع" الذي أقره مجلس الأمناء


حرة أم ليست حرة؟


وتنتشر روايات كثيرة حول تعديل الناس لبعض المعلومات لتتناسب مع اهتماماتهم الشخصية أو أعمالهم أو ميولهم الشخصية. وبالبحث في دقة “ويكيبيديا”، التي سميت “حرّة” بسبب أنها مفتوحة للإضافة والتعديل من الجميع، تم الخروج بنتيجة أن نحو 6 من كل 10 مواضيع تحوي أخطاء تتعارض مع حقائق أساسية، إما نتيجة لجهل المساهم أو جراء خطأ غير مقصود منه أو بسبب تشويه متعمّد للحقائق غرضه الأوحد هو التخريب، فالبروفسورة مارشيا ديستاسو، التي قادت فريق البحث، قالت: “لا غرو، والحال هكذا، أن 60 في المئة من مواضيع “ويكيبيديا” تحوي أخطاء تتعلق بحقائق لا جدال حولها. ومن المدهش أيضا أن ربع ممثلي الشركات الوارد ذكرها على الموسوعة يقولون إنهم لم يُستشاروا في ما كتبته عنها".


مواضيع مغلوطة


وتضيف البروفسورة قولها: “من الصعوبة بمكان تخيل استمرار الوضع على هذا النحو، 60 في المئة من المواضيع المغلوطة والمشكوك في صحتها ليست أمرا يُستهان به بأي حال من الأحوال. وتزداد أهمية هذا الأمر على ضوء أن “ويكيبيديا” صارت الموسوعة الشاملة بلا منافس والمورد الوحيد لملايين الناس الساعين إلى تلقي المعرفة الصحيحة”. إلا أن نقطة الضعف هذه في ويكيبيديا تمثل أكبر نقاط قوتها. فمع وجود الآلاف من المحررين ومعظمهم يهتم بالدقة، يتم تصحيح الأخطاء أو التشويهات المتعمدة بسرعة. فبعد ساعات من وفاة الممثل جون سبنسر مثلا، نشرت الموسوعة لمحات شخصية عنه. وقد ترك سانغر ويكيبيديا، كما قال، لأن الموسوعة أعطت المزيد من القوة إلى أشخاص يمكنهم خلق مشاكل. وقال إن عمله الجديد الذي أطلق عليه اسم “ديجيتال يونيفرس″ (digital universe) سيجمع نقاط قوة ويكيبيديا مع نقاط قوة المراجع التقليدية. وقد وصف موقع “ريجستر” على الإنترنت “ديجيتال يونيفرس″ التي حصلت على دعم مالي قيمته 10 ملايين دولار، بأنها “ويكيبيديا للكبار”.

في العام 2004، شارك ويلز في تأسيس ويكيا، ذات الملكية الخاصة، وهي خدمة استضافة على الواب، وكان ذلك بالتشارك مع زميلته في أمانة ويكيميديا أنجلا بيزلي

وستسمح لأي شخص بتعديل المواد، لكن الخبراء الذين يتابعون مدى دقة المواد سيشرفون على المناطق الرئيسية للمحتويات. وليس واضحا ما إذا كان هذا الموقع سيصبح شاملا بنفس مستوى “ويكيبيديا” أو أنه سيكون بنفس دقة موسوعة “بريتانيكا".


سيول المعلومات


ووسط كل هذا الكم الكبير من مصادر المعلومات، فإنه لا يمكن توقع أحد يشكو صعوبة الحصول على معلومات. في مطلع عام 2012 عين ديفيد كاميرون رئيس مجلس الوزراء البريطاني جيمي ويلز، مستشارا له. ولن يحصل ويلز، على مقابل مادي لعمله مع كاميرون، حيث أن المنصب الجديد لا توجد له مخصصات في ميزانية الحكومة. ويأتي تعيين ويلز لتحسين مشروع بريطاني كبير لتفعيل دور المعلومات والمحتويات “مفتوحة المصدر” open source، والتي نجح ويلز في استخدامها بشكل رائع من خلال موقع ويكيبيديا. تزوج ويلز مرتين وله ابنة من كريستين، زوجته الثانية، التي انفصل عنها، ويصف نفسه بأنه Objectivist “موضوعي” و libertarian “ليبرالي”. دوره في خلق ويكيبيديا، التي أصبحت أكبر موسوعة في العالم، دفع مجلة تايم إلى اختياره في قائمة أكثر الأشخاص تأثيرا في العالم، عام 2006.

9