جيم جارموش ابن السينما الأميركية الذي جاء لهدم الحبكة

الأحد 2015/11/15
جيم جارموش.. نموذج للمخرج الأميركي المتمرد على قوالب هوليوود

جاء المخرج الأميركي جيم جارموش (مواليد 1953) إلى السينما من الأدب الإنكليزي الذي درسه في نيويورك، ثم الأدب الفرنسي الذي درسه لفترة في باريس، حيث وجد نفسه منجذبا بقوة إلى السينماتيك الفرنسية، فهو شاهد الكثير من الأفلام “الأجنبية” هناك لذلك تأثرا بـ”الأصول السينمائية” لمخرجي الموجة الجديدة الفرنسية.

كان الوقت نحو منتصف السبعينات، وكانت باريس لاتزال تتعافى من أثار زلزال مايو 1968 الذي هز الكثير من عروش ومفاهيم السينما التقليدية. وبعد عودته إلى نيويورك التحق جارموش بجامعتها لدراسة السينما، لكنه سرعان ما شعر بالسأم والملل فهجر الدراسة، التي لم يجد فيها ما كان يبحث عنه، فجارموش فنان قلق بطبعه، متمرد، لا يستهويه كثيرا ما يصنعه الآخرون بقدر ما يهتم برصد كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه. إنه مشغول بالمأزق الإنساني وبالمفارقات الإنسانية أكثر من سلوكيات الإنسان ومن ردود الفعل لديه.

ولعل من أكثر الأحداث التي تركت تأثيرها عليه لقاؤه بالمخرج الكبير نيكولاس راي الذي تعلم منه الكثير. ويعتبر راي أحد الآباء الروحيين لجيل الموجة الجديدة الفرنسية وبالأخص غودار وتريفو. وقد كتب غودار في وصف أهمية راي في السينما يقول “كان هناك المسرح (غريفيث)، والشعر (مورناو)، و”الرسم (روسيلليني)، والرقص (أيزنشتاين)، والموسيقى (رينوار)، ثم جاءت السينما. والسينما هي نيكولاس راي”.

معالم الأسلوب

يمكن القول إن جارموش أحد السينمائيين الأميركيين ما بعد الحداثيين الذين بدأوا في الظهور في الثمانينات، فهو مثل تارانتينو وديفيد لينش والأخوين كوين، يتخذ مسار السرد في أفلامه مسارا مناقضا لمسار السرد التقليدي في أفلام هوليوود، كما أن أسلوبه البصري يبتعد عن الشرح والتدخل الكثير في حياة المواقف والشخصيات التي “يعرضها” ويكتفي بعرضها، فأفلامه لا تروي قصصا متماسكة تتدرج في مسار منطقي من البداية إلى الذروة إلى النهاية، بل تتخذ مسارا متعرجا، وتبدو كما لو كانت سلسلة من المشاهد المتفرقة التي تعكس نوعا من سوء التوزيع الظاهري، لكن لها منطقها الداخلي الخاص.

وقد وصف هو أسلوبه ذات مرة فقال “إن أفلامي تشبه تابلوهات أو مقطوعات مسرحية رغم أنني أتجنب التعاقب الزمني المسرحي. يمكن للمشاهد أن يختار من اللقطة ما يركز عليه، تماما كما يفعل في حالة تركيزه على شخصية ما أو موقف ما في عمل مسرحي. لا توجد عندي لقطات منعكسة أو من خلف الأكتاف، أو لقطات قريبة (كلوز أب) درامية.. ليست هناك لغة سينمائية تقول لك بالضبط ما هو الموقف المهم أو غير المهم.. فأنت الذي تحدد”.

تنتهي مشاهد أفلام جارموش عادة بالانتقال عن طريق القطع، إلى الظلام، أي إلى شاشة سوداء، وهو يختار أن يعرض شذرات وجوانب من حياة شخصيات أفلامه، يصبح مطلوبا من المتفرج أن يتوقف أمام ما يجده متصلا منها بمسار الفيلم، ويستبعد ما يراه خارجا عن السياق، فجارموش لا يفرض عليه شيئا بل يترك له الخيار. وهو خلال ذلك يترك الكثير من الأحداث أو بالأحرى، سلوكيات الشخصيات في أفلامه، دون توضيح أو تصريح، وعلى المتفرّج أن يطرح بنفسه التساؤلات بشأنها، ويتوصل الى استنتاجاته الخاصة. وأفلامه بهذا المعنى مقلقة للمشاهدين أي تحتاج الى مشاهد مدرب على هذا النوع من الأفلام، والأفضل أيضا، يمكنه الاستمتاع بأجوائها وفهم منطقها الداخلي وحسها الكوميدي العبثي الكامن.

يتكون البناء في معظم أفلام جارموش من أحداث متفرقة أو “حلقات” عبثية تحدث بشكل متواز في نفس المكان وفي نفس الزمان، كما في فيلمه الشهير “قطار الغموض” مثلا، أو في بناء مكوّن من مجموعة من المواقف المتماثلة على تنويعات مختلفة، كما في فيلم “الليل في الأرض”، كما تمتلئ بالكثير من المواقف أو الشخصيات التي لا تصل إلى نهايات محددة بل تبقى مفتوحة لشتى التأويلات.

أبطال فيلم "أغرب من الفردوس" عاجزون عن التواصل

أغرب من الفردوس

في فيلم “أغرب من الفردوس” في عام 1984 لم يعتمد جارموش حسبما يقول، على قصة واضحة ثم يعثر لها على تفاصيل تثريها، بل كانت لديه مجموعة من التفاصيل الصغيرة وتصور للجو العام والشخصيات، مع غياب للحبكة التي تجمع بين هذه العناصر.

وينقسم الفيلم، الذي صور بالأبيض والأسود، إلى ثلاثة أجزاء، ويقع في 67 لقطة، ويتم الانتقال بين مشاهده المختلفة عن طريق القطع إلى شاشة سوداء، مما يجعل المتفرج واعيا ومدركا بأنه يشاهد عملا فنيا تمثيليا، أي أن هذه التقنية التي تتكرر باستمرار، تهدم فكرة “الإيهام بالواقع″ وتلغي بالتالي “استغراق” المتفرّج، الذي تحرص عليه أفلام هوليوود التقليدية.

شخصيات الفيلم ثلاثة: إيفا فتاة السادسة عشرة التي تأتي فجأة من المجر وتقيم لدى ابن عمها “ويلي” في شقته بنيويورك، وتندمج معه ومع صديقه إيدي الذي يتردد عليه من وقت إلى آخر ويخرجان معا للعب القمار ويتركان خلفهما إيفا التي تشعر بالملل، وبعد فترة قصيرة تغادر للذهاب إلى كليفلاند لتقيم عند عمة ويلي. وبعد مرور سنة، يذهب ويلي وإيلي لزيارتها في كليفلاند، لكنهما يشعران بالملل في تلك البقعة الساكنة الباردة، فيذهبان مع إيفا إلى ميامي التي يعتبرونها الفردوس، وبمجرد وصولهما يتركان إيفا وحدها في الفندق، ويذهبان للمقامرة، لكنها تشعر بالملل فتغادر الفندق إلى شاطئ البحر حيث تحصل بطريق الخطأ على حقيبة تحتوي على ثروة، فتعود لتترك بعض المال وورقة صغيرة للشابين تقول لهما إنها راحلة.

وعندما يعودان، يدركان أن إيفا قررت العودة إلى المجر، فيسرعان إلى المطار حيث يركب ويلي الطائرة المتجهة إلى بودابست للبحث عنها لكنه يكتشف بعد إقلاع الطائرة أن إيفا ليست على متنها!

يعتبر جارموش أن فيلمه هذا- أساسا- عن أميركا من عيون أشخاص غير أميركيين (ويلي كان قد وصل قبل عشر سنوات من المجر وبذل جهدا كبيرا حتى يكتسب لهجة سكان نيويورك ويمحو أي أثر لثقافته، وهو يشترط على إيفا بمجرد وصولها أن يكون الحديث بينهما دائما بالإنكليزية فقط. إنها رؤية عبثية لأميركا، ولذلك الفراغ الثقافي الهائل والهوة التي تفصل بين المهاجر وثقافته الأصلية وعدم قدرته على الاستمتاع بالثقافة الأخرى رغم ما يكرره لنفسه من أنه يشعر بها ويتذوقها. وأمام البحيرة المتجمدة يقف الثلاثة عاجزين يتطلعون إلى ذلك السطح البارد الأملس الذي يزيد من شعورهم بالغربة. إن أبطال جارموش لا يفعلون شيئا، بل ولا يجدون موضوعا يتحدثون فيه، بل يهربون إلى القمار، إلى البحث عن الحلم الأميركي المفقود تماما مثل ذلك الفردوس الوهمي الذي سعوا وراءه في ميامي!

يقول جارموش إن أكثر ما يروقه في الفيلم، “لحظات الصمت التي تفصل بين الحوارات، عندما يمكن فهم ما يحدث بين الشخصيات الثلاث دون أيّ حديث من جانبهم”. ويضيف أنه يفضل الحديث عن الأسلوب السينمائي للفيلم وليس عن مضمونه.

يسقط بالقانون

في فيلمه الثاني في الثلاثية “يسقط بالقانون” ألذي أنجزه في عام 1986 يتابع جارموش ثلاثة من الأشقياء الذين يهربون من السجن إلى ربوع الريف في لويزيانا، بحثا عن النجاة فقط ليقتطفوا ثمرة بسيطة يشعرون بأنها محرمة عليهم.. بينهم إيطالي يدعى روبرتو، مدفوع بالحلم الأميركي، كان دائما مرحا ومتفائلا، بينما يشعر زميلاه، جاك القواد وزاك مشغل صندوق الموسيقى، بأن لا شيء في هذا العالم يمكنه أن يجعل المرء سعيدا. جاك مارس علاقة جسدية مع فتاة قاصر، وفي مكان آخر كان زاك يحصل على ألف دولار من أشخاص لا يعرفهم مقابل قيادة سيارة لم يكن يعرف أنها مسروقة ولم يكن يعرف أن بداخل صندوقها الخلفي رجلا ميتا.

ثلاثة أشقياء يهربون من السجن دون أن يعرفوا ماذا يفعلون بحياتهم
بعد القبض عليهما يلتقيان في السجن بروبرتو الإيطالي الذي على العكس منهما يمتلك شجاعة الاعتراف بأنه قتل رجلا خلال مشادة بينهما على لعب الورق، لكنه يقول إنه قتله دفاعا عن النفس. وروبرتو هو صاحب فكرة الهرب وهو الذي يخطط لها ويقودها، فهو الأكثر إيجابية، بينما جاك وزاك، براغماتيان يعانيان من تفاهة حياتها الماضية، لكنهما مستغرقان في الحاضر لا يمكنهما استدعاء أيّ لحظات سعيدة إليه.

ثلاث شخصيات منفصلة متناقضة في موقفها من العالم يجمعها الانتماء ومصير غامض لا تفعل سوى الهرب.. ليس فقط من السجن بل من مواجهة العالم. إنه عمل قريب من مسرح بيكيت، لكن على صعيد الشخصية الأميركية التي تشعر بالغربة عن العالم، ويكثّف وجود الايطالي هنا معنى أن يكون المرء غريبا في أميركا رغم الادعاء- كما يفعل هو بالضبط- بأنك تحفظ عن ظهر قلب كل أعمال عظماء الأدب الأميركي. ولا يختلف أسلوب جارموش هنا كثيرا عن أسلوبه في الفيلم السابق. إنه يتلاعب بالسرد، يغفل القصة ويركز على التفاصيل، يهمل الحبكة ويهتم بسلوك الشخصيات وتناقضاتها.

قطار الغموض

فيلمه التالي “قطار الغموض” الذي ظهر سنة 1989 (العنوان مقتبس من أغنية لألفيس بريسلي) يصور ثلاث قصص، أو بالأحرى ثلاثة مواقف تقع في ليلة واحدة في غرف مختلفة داخل فندق واحد بمدينة ممفيس الأميركية. شاب وفتاة من اليابان يهبطان المدينة لحضور حفل كبير لموسيقى الروك.. إنها مدينة ألفيس بريسلي الذي تبدو الفتاة مفتونة به. ينزلان في ذلك الفندق المتواضع الغريب بأجوائه التي تجعل منه صورة مصغّرة للمتاهة الأميركية، في مدينة خالية. غرفة الفندق لا يوجد فيها سوى فراش ومنضدة وصورة لألفيس.. في الليل يسمعان صوت طلقة نارية. وفي الجزء الثاني من الفيلم الذي يجاور الجزء الأول، لا يعقبه، امرأة ايطالية (مرة أخرى نرى ولع جارموش باستخدام شخصية أجنبية في أفلامه) تأتي لتأخذ نعش زوجها الذي توفّي مؤخرا لتعود به إلى روما في اليوم التالي. تتجه للفندق بعد أن صادفت شخصا أزعجها بحكايات عن الأشباح، تصادف في الاستقبال بالفندق فتاة أميركية باكية تخبرها أنها انفصلت لتوها عن صديقها “جوني” وتوافق سعيدة على مشاركتها غرفة في الفندق. يسمعان طلقة نارية من غرفة قريبة.

في الجزء الثالث نرى ثلاثة أصدقاء أسرفوا في الشراب، بينهم الإنكليزي “جوني” الذي صفف شعره على طريقة ألفيس بريسلي، وهو يمر بحالة توتر عصبي بعد أن انفصل لتوّه عن صديقته عقب مشاجرة بينهما.. يركبون السيارة، يسرقون زجاجتي شراب مسكر من محل في الليل، ثم يذهبون إلى الفندق، وهناك تنشب مشاجرة بينهم تؤدي إلى إصابة أحدهم في ساقه بطلق ناري. صوت هذا الطلق هو ما تسمعه شخصيات القصتين السابقتين.

خلال القصص الثلاث نستمع إلى أغنية “قمر أزرق” الشهيرة لألفيس بريسلي. عامل الفندق يبدو غريبا تائها في أرجاء المكان، وموظف الاستقبال شبه منوّم، يستجيب بصعوبة شديدة لأسئلة النزلاء. وجميع القادمين للإقامة يكررون سؤالا واحدا “ألا يوجد جهاز تليفزيون في الغرفة؟

تمر القطارات عبر المدينة في الليل دون أن تتوقف. شبح ألفيس يحلّق فوق المدينة. ليس المهم هنا ما يحدث، فلا شيء يحدث تقريبا، على الأقل بمفهوم الدراما السينمائية، كذلك لا تتقاطع القصص الثلاث ولا تلتقي الشخصيات، فليس المقصود رواية قصة محكمة تصب في نهاية درامية منطقية تحقق الارتياح للمشاهد أو تؤدي إلى نتائج يتوقعها، بل الأهم عند جارموش كيف تتصرف الشخصيات التي تعيش عالمها معزولة عن بعضها البعض، هذه الشخصيات التي تعجز بشكل أو بآخر عن مواجهة نفسها كما تعجز عن التواصل، فلديها صورتها الخاصة عن أميركا. سواء القادمون من الخارج كالياباني وصديقته الإيطالية، أو الأميركيون، يحلق على الجميع شبح ألفيس، ويسيطر عليهم هاجس التوحد معه بشكل ما. بطبيعة الحال نحن أمام رؤية فيها من الكوميديا السوداء بقدر ما فيها من العبث.

جارموش يميل إلى السخرية وإلى التلاعب بالحبكة التقليدية وعدم إشباع رغبة المتفرج في الخروج بنتيجة من وراء كل مشهد. وهو يقتبس الكثير من أفلام النوار noir الشعبية المعروفة، ومن موسيقى الروك (ألفيس)، ويجعل فيلمه عبارة عن مقاطع ثابتة لا وجود للمؤلف فيها، أي لا يتدخل الفنان في مساراتها ولا يحاول أن يجعلها مشروحة وواضحة.

وفي أفلامه التالية ستتعمق أكثر رؤية جارموش وتصبح أكثر مراوغة وتلاعبا في تعاملها مع أميركا والعالم.

16