جيم كيري مسيحي بوذي مسلم يجد في الرسم فضاءه الجديد

حرية كيري في استعمال جسده أثناء أداء الأدوار الكوميدية كانت نمطا جديدا، لم يكن تهريجا بقدر ما كان انسيابا للأطراف والرأس والملامح، كما لو أنها تسيل في المشهد، تتشكل أمام عين المشاهد.
السبت 2019/03/09
كيري نجم كوميدي أسطوري يحارب المنتج الثقافي الأميركي

ترى ما الذي يحدث في تلك الأعماق المجهولة في ثنايا النفس البشرية؟ وما الذي يتحرك داخلها ليقود دفتها في هذا الاتجاه أو ذاك؟ هل يمكنها أن تكون مثل ألوان ذائبة على البياض؟ كيف يتغير الإنسان بين لحظة وأخرى من صانع ضحك بطاقة مدهشة إلى صوفي يعتنق ديانات عديدة يعبر عن ذاته هذه المرة بالريشة والسكين؟

هذه حال جيم كيري اليوم. ومن لا يعرف جيم كيري؟ قد لا يوجد بيت في العالم به جهاز تلفزيون وسكانه لم يتعلقوا يوما بشخصية من شخصيات كيري. ربما “القناع” أو “آس فينتورا” أو المحامي الكذاب، أو رجل النعم، أو ربما بروس العظيم الذي شق الحساء في صحنه يمينا ويسارا مثلما شق موسى البحر.

عقود من الإضحاك، تصل إلى لحظة يخشى فيها مئات الملايين من محبي كيري أن تقوده خطاه الجديدة إلى الانتحار. لقد تغير الفتى الذي قلد ببراعة جميع نجوم هوليوود، قلدهم بمحبة وقلدهم بنبل فهمه الجميع. صار رساما وصار أقرب إلى الكآبة وبات هذا واضحا حتى على أخاديد وجهه المتعرجة.

يقول كيري “حين تعيش ذلك المستوى العميق من اليأس، دون أن تحصل على إجابات لأسئلتك، ولكنك تبقى بخير، ويمكنك أن تبتسم في عملك. حينها يبقـى يأسك يأسا عميقا وبطيئا، لكني لا أتناول أي مضادات اكتئاب، حتى أنني لا أشرب القهوة إلا نادرا. لا مخدرات ولا كحول”.

ما الذي يحصل مع كيري؟ ماذا يفعل في مخبئه السري في الغابة؟ مكان شبيه بدور العبادة البوذية. فراش على الأرض وعزلة. يصف مكانه ذاك بالكلمات التالية “إنه مخبئي. مركز الكون كلّه. وهنا أعيش مع بوذا وكريشنا والمسيح وبقية الرفاق”. وحين يسألونه “هل أنت بوذي؟” يجيب بهدوء “أنا بوذي ومسلم ومسيحي وأنا كما تحبون أن أريد. لا يهم. كلها تعبر عني. المهم إما أن تكون في موضع يعيش فيه الحب أو لا. هذا هو المهم”.

الرموز والإنسان

حالة جيم كيري ليست أقل من انتقال ثقافي عالي الدلالة، من طور الترفيه الاستهلاكي الذي مثله الفن في العقود الماضية، بكل صنوفه ومجالاته، إلى طور آخر مفتوح على المعرفة الجادة مرة أخرى، ولكنها هذه المرة غاضبة وصاخبة وتعرف ما تريد
حالة جيم كيري ليست أقل من انتقال ثقافي عالي الدلالة، من طور الترفيه الاستهلاكي الذي مثله الفن في العقود الماضية، بكل صنوفه ومجالاته، إلى طور آخر مفتوح على المعرفة الجادة

في زمن آخر سيقول كيري “حين مثلت كل تلك الشخصيات التي أحبها الناس، بدأت أشعر وكأن شخصيتي الحقيقية رقيقة للغاية أساسا. ثم سألت نفسي: ولكن من هو جيم كيري؟ وعرفت أنه شخص غير موجود أصلا في الواقع، ولكن جاد أحدهم وأعطاه اسما وجنسية وبضعة أفكار، لكنه غير موجود”.

الصدمة التي لا يمكن أن تغفل عنها عينا من يتابع مسيرة كيري، والتي بدأت تظهر أعراضها عليه اليوم، هي ذات الصدمة التي عصفت بكبار الفنانين والمبدعين والأدباء في مختلف الحقول، صدمة جعلتهم يتوقفون عند لحظة تحوّلهم من الإنسان العادي إلى الأيقونة والرمز. وهو أمر تميز كيري دونا عن غيره من نجوم التمثيل بمقاومته، ليس عن طريق الانهيار والانتحار أو الغرق في الضجيج، بل في رفض أن يكون رمزا بين الرموز.

رفضه ذاك كان منبع تحوّله. ومنعطف اكتشافه موهبته الجديدة؛ الرسم. فذهب إلى من يشبهه في ذلك العالم التشكيلي الواسع والمعقد. ذهب إلى آندي وارهول.

وارهول لا تكمن قيمته في كونه فنانا تشكيليا شهيرا من بنسلفانيا الأميركية وحسب، بل في كونه قدم نموذجا جديدا للرسام، لم يسبقه إليه أحد. تدخل في تخصصات الآخرين، وقاد الصورة إلى حيث أن تكون كل شيء في اللحظة ذاتها، إعلانا ولوحة وملصقا وعلامة عبادة ورفضا سياسيا واجتماعيا، فكرة ومشروعا، بهجة وغضبا وحزنا. كان وارهول نبي الرسم الأميركي الذي قام بغزو العالم بالفعل.

أحتاج إلى الألوان

وحين تنظر إلى لوحات كيري التي يحاول أن يكمل بها رسالة وارهول، ستجد بروس لي ومارلين مونرو والألوان الفوسفورية اللامعة في مواضع غير متوقعة، ستجد زعانف القروش مجسمة، وستجد البوب آرت في كل مكان.

وبينما يؤسطر وارهول الشخصيات والأشياء من حوله، بدءا من صورة ممثلة شقراء ووصولا إلى علبة صلصة الطماطم، يعمل كيري اليوم، ومن خلال اتباع تقنيات وارهول ذاتها، إلى هدم تلك الأسطرة وإعادة الرموز إلى طبيعتها البسيطة. يقول كيري “لا أؤمن بالرموز، ولا بالأيقونات. أؤمن أنها أعمق بكثير مما تبدو عليه”.

يعطيك كيري الدرس الذي كنت تنتظره، دون أن تتوقعه بالطبع. وكما أضحكك من قلبك في أفلامه، يجعلك تكتشف أن الرسم أيضا ضرورة مثله مثل الضحك. يقول في فيلم وثائقي أنتج عنه بعنوان “أحتاج إلى الألوان” إنه يحب الاستقلالية التي يعطيها اللون. إنها “حريته التي لا يمكن أن يملي فيها عليه أحد ما الذي يجب أن يفعله”.

حرية كيري في استعمال جسده أثناء أداء الأدوار الكوميدية كانت نمطا جديدا، لم يكن تهريجا بقدر ما كان انسيابا للأطراف والرأس والملامح، كما لو أنها تسيل في المشهد، تتشكل أمام عين المشاهد، كما لو أنه كان يرسم، وهو اليوم يرسم بالألوان ما كان يرسمه بجسده.

وهي في كل حال ألوان جديدة، سواء كانت ثلاثية الأبعاد أم ذات بعدين، مساحات هائلة يقدمها كيري في لوحاته تقلب إدراكنا لوظيفة اللون. هو ليس موجودا الآن من أجل نقل رسالة الرسام، بل لأنه كائن حقيقي يقوم بما يريد أن يقوم به في فضاء اللوحة بعيدا عن سيطرة كيري.

“تستطيع ألا تختار فعل هذا” يقول كيري. ويضيف “وبوسعك أن تفعل ما تشاء، لكن موقعك من العالم هو من يختارك”.

لا تظهر الشخوص في لوحات كيري كما يظهر غيرها في لوحات الرسامين الآخرين، هي هنا متحفزة للحركة، للانتقال من اللوحة وليس للبقاء فيها والخلود في عالمها حيث ستعرض في بيت أحد الأثرياء أو في متحف أو في أي مكان، تبدو اللوحة لحظة من حياة شخوصها، كان لهم ما قبلها وسيكون لهم ما سيأتي من بعدها.

التوق إلى الخلق

في الفيلم الوثائقي ”جيم وآندي” يقول كيري إنك “في مرحلة ما، عندما تخلق لنفسك شخصية لتنجح، سيكون عليك إما التخلي عن هذه الشخصية التي خلقتها والمخاطرة بأن تصبح محبوبا أو مكروها بسبب شخصيتك الحقيقية، وإما أن تقتل شخصيتك الحقيقية وتموت متمسكا بشخصية لم تكنها يوما”. لذلك يريد اليوم أن يكون كيري الجديد، كيري الرسام المتألق أيضا، لأن الرسم كما يعترف من “الماضي والمستقبل، من الندم والقلق”.

كيري الزاهد الآن بكل تلك الأبعاد، أول ممثل يطلب مبلغ 20 مليون دولار من أجل دور في فيلم سينمائي، وهو المبلغ الذي حصل عليه بالفعل، فقد صار النجم الأول الذي تضمن شركات الإنتاج الكبرى أرباحها في أي فيلم يشارك به. أرباب الصناعة التي يقول عنها كيري “لم أكن راغبا في الاستمرار داخل هذه الصناعة. لم أكن معجبا بما يحدث، شركات الإنتاج تسيطر على كل شيء. ربما لأنني شعرت بالانجذاب إلى نوع مختلف من الفنون الإبداعية، لقد أحببت حقا قوة الرسم. وعدم وجود لجنة ما تخبرني بالأفكار التي تروق لرباعي هوليوود؛ الذكور والإناث، ومن هم فوق وتحت سن 25 عاما. لم تكن خطتي الانضمام إلى هوليوود وإنما تدميرها، مثل الإمساك بمطرقة ضخمة لتحطيم البطل الرئيسي”.

سر كيري أنه ظل يخلق شخصيات تلو شخصيات، حتى وصل إلى شغف أن يخلق ذاته من جديد. وهو شغف لا شفاء منه ولا عودة عنه بعد اليوم.

في كندا ولد كيري في العام 1962 وقد سحره التمثيل منذ طفولته. دخله بالثقة ذاتها التي يتحدث بها في هذه الفترة عن الألوان. الأزرق والأرجواني. لا يخفي عليك أنك يمكن أن تعرف عالمه العميق من خلال ألوان لوحاته. من خلال العتمة في بعضها، ويمكنك أن تعرف ما الذي يريده من الألوان المتألقة فيها، عبر بريقها الجذاب.

عندما كان كيري طفلا، كان يقضي نصف يومه وهو يمثل أمام الآخرين، لكن النصف الآخر من يومه كان يقضيه في العزلة. كان يكتب الشعر ويرسم. يسخر من تلك اللحظات بالقول “لم يكن بوسع أحد أن يعاقبني ويقول لي: اذهب إلى غرفتك. كان هذا ما أريده بالضبط”.

سيولة الحضارة

سلالم شاهقة الارتفاع يصعد عليها كيري ليلطخ اللوحة باللون الوردي في أقصاها
سلالم شاهقة الارتفاع يصعد عليها كيري ليلطخ اللوحة باللون الوردي في أقصاها

عبر كيري تلك النافذة، لم يعد يكتفي بالرسم، صار ينحت التماثيل، أجساد ذائبة في الفراغ، تشريحها تام ومدرسي لكنه مليء بالسيولة، إنها سيولة الزمن الذي يواجهه كيري ونواجهه معه، سيولة الحضارة.

أعاد رسم عيني المسيح مرارا، كان يبحث فيهما عن شيء محدد يقول إنه يلخص كل الحكاية، حين تدخل أكثر فيهما سترى كيف أن كيري تجاوز قصة الممثل الذي يهوى الرسم، صار رساما حقا وصار علينا أن نراه بعيدا تماما عن حياته السابقة.

قطع صلصالية بيضاء فيها كائنات تفتح ذراعيها للريح، إنها تبدأ الآن في اكتشاف الحياة. كما لو كانت تولد مجددا وهي ناضجة.

ووسط كل تلك الألوان المحتفلة تقف فراشة على إصبع الإنسان، تخلت عنها ألوانها، فبدت بالأبيض والأسود كما لو أنها مسودة فيلم في كاميرا تصوير فوتوغرافي. صورة مقلوبة للفراشة الملونة.

سلالم شاهقة الارتفاع يصعد عليها كيري ليلطخ اللوحة باللون الوردي في أقصاها، ويعود ليتمدد فوق المساحات ساكبا أكثر المواد حرارة. إنه يرد على شيء ما في الوجود. لوهلة تعتقد أن كيري يواصل ذلك الصراع التاريخي ما بين الفن التشكيلي الأوروبي الرصين والآخر الأميركي الذي لطالما اعتبرته أوروبا “منحطا”. كأنه يقدم نفسه كرائد جديد للتعبيرية التجريدية الأميركية الثانية، تعبيرية ترفض الفكرة الأميركية للفن، وتنحاز إلى فنان رحل شابا في مطلع الثلاثين من عمره، إنه الفرنسي إيف كلاين.

وكما عبّر كلاين ذات يوم عن أفكار الفلاسفة العظماء من خلال ثلاثة ألوان فقط هي الأزرق والذهبي والوردي، معتبرا أنها قادمة من الكواكب والفضاء الخارجي، عاكسة قوة الشمس والنار والدم والماء والسماء، يرشق كيري ألوانه للعبرة ذاتها، بحثا عن الحقيقة التي بحث عنها كلاين. كيري لا يرفض الانحطاط البصري الأميركي الذي غزا العالم وحسب، بل يرفض معه المنتج الثقافي الأميركي ذاته بما وصل إليه مؤخرا، بما في ذلك رفضه لترامب وماكينات الصناعة في هوليوود والأيقونات وغيرها من حوامل الدلالات.

حالة جيم كيري ليست أقل من انتقال ثقافي عالي الدلالة، من طور الترفيه الاستهلاكي الذي مثله الفن في العقود الماضية، بكل صنوفه ومجالاته، إلى طور آخر مفتوح على المعرفة الجادة مرة أخرى، ولكنها هذه المرة غاضبة وصاخبة وتعرف ما تريد.

12