جينات الأنانية

الجمعة 2018/01/19

تعكس المآسي الاجتماعية الكثيرة والصراعات السياسية التي يشهدها العالم العربي في الوقت الراهن، نزعة النرجسية المفعمة بنهم لا يرتوي من حب التملك، والرغبة في السيطرة على الآخرين ومحاولة إخضاعهم بكل الطرق والسبل.

تكفي المشاهد التي تبثها وكالات الأنباء عن الأطفال الجائعين والمشرّدين، وصور الأبرياء التي تمتزج فيها الدموع بالدماء، لتكشف الوجه القبيح لعلاقتنا مع الآخر.

لماذا أصبحنا نتعامل مع الآخرين بعيون معصوبة وبقلب أبكم خال من المشاعر والأحاسيس، ولا تهمنا سوى ذواتنا ومصالحنا الشخصية؟ رغم أن حلقة حياة جميع البشر متصلة مع بعضها، فالآخر الذي يعيش معنا في هذا المكان وفي ذاك البلد وعلى تلك الرقعة من الكرة الأرضية هو جزء منا وامتداد.

ليس الآخر مجرد شخص نكرة لا صلة لنا به ولا رابطة تجمعنا معه، على العكس هناك رابطة قوية ضمنية تجمع جميع البشر الموجودين على هذا الكوكب.

حتى لو اختلفنا مع الآخر حول العديد من المسائل، هناك دائما مساحات مشتركة تجعلنا نتواصل معه، فالحياة صعبة بما فيه الكفاية بوجود العديد من المشاكل من حولنا، فلِمَ لا نكسوها بغطاء من مشاعر الاحترام المتبادل، لتسير حياتنا جميعا بسلاسة ويكون العالم بحالٍ أفضل من حولنا؟

المشكلة أن جينات الأنانية الكامنة فينا تجعلنا لا نسمع إلا صدى أصواتنا، فلا نرى في الآخر غير العيوب التي هي في الأصل فينا، ونريد أن نبحث لها عن مرآة تجميلية لتكون مبررة ومستساغة في نظرنا.

ومن الأمور الباعثة على الأسف أن نيران العداء لم تعد بين الدول فقط أو مقتصرة على ما يدور في أروقة السياسة ودهاليزها الملغمة بالمكائد والضغائن والأحقاد، بل هناك أطياف من العلاقات الاجتماعية والأسرية أصبحت تحركها الكراهية والعنصرية إلى أبعد الحدود.

لقد بات قطع الصلات مع الجيران والأهل والأقارب من الأمور الشائعة جدا، جراء النزاعات الشخصية والمشاكل التافهة، كما ساهم الاختلاف في الاتجاهات السياسية والانتماءات المذهبية في مزيد من فتور العلاقات وتلبدها، وتحول حتى الأشقاء إلى ألدّ أعداء، يمقتون بعضهم بعضا وأحاديثهم تغص بالإهانات المعلنة والمبطنة، وكل ما يكنونه تجاه بعضهم ليس سوى شعورا بالكراهية تغلب على جميع الأحاسيس الجميلة التي تعبّر عنها لفظيا كلمة “أشقاء”.

هناك قصة من الواقع آلمتني كثيرا، شاهدتها في أحد برامج الواقع المعروضة على التلفزيون التونسي، لرجل يرقد على فراش الموت وكانت أمنيته الوحيدة قبل أن يفارق الحياة رؤية شقيقته وضمها إلى صدره للمرة الأخيرة، ولكن من المؤسف أن شقيقته التي استدعاها أحد أقاربه ليطلب منها أن تعفو وتصفح عن شقيقها، وتفتح أحضانها له حتى يرقد بسلام، رفضت أن تلبّي رجاءه رغم أنه مصاب بمرض عضال ويعيش أيامه الأخيرة. تقول الكاتبة مارغريت لي رونبيك “الاعتذار هو العطر الجميل الذي يحوّل أكثر اللحظات حماقة إلى هدية جميلة”، وكم كانت بليغة في وصفها للحظات انقشاع غمة الأحقاد من قلوبنا وتطهّر سرائرنا.

بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبها هذا الرجل بحق أخته وتصرفاته تجاهها، يجب أن تبقى هناك دائما مساحة كبيرة في أفئدتنا للعفو والتسامح مع غيرنا، يكفي أن تعود هذه المرأة بالذاكرة إلى الوراء لتستعيد ذكريات الحب الجميلة التي كانت تتشاركها مع شقيقها والأوقات الرائقة التي كانت تستمتع بها معه في طفولتهما، لتدرك أن خير ما يكتسب المرء في هذه الحياة الإخوان، فهم معونة على حوادث الأيام، ونوائب الدهر، وهم أغلى كنوز الحياة التي لا تنضب.

من المؤسف أن الحياة العصرية بدلا من أن تجمع الأشقاء والأهل والأصدقاء حول بعضهم وتقوّي روابطهم فرّقتهم وشتتت مشاعرهم، وتكمُن المشكلة في عدم قدرة الكثيرين على تحييد المصالح الشخصية وتغليب المصلحة العامة لإتاحة المجال للتعايش السلمي وتوطيد العلاقات وتماسكها عبر الزمن.

كاتبة تونسية مقيمة في لندن

21