جين شارب ميكافيلي اللاعنف والعنف أحيانا

السبت 2014/06/28
شارب: الأب الروحي لحركات التغيير في العالم

كيف تستطيع الشعوب منع الأنظمة الديكتاتورية والقضاء عليها بالكفاح السلمي، باعتباره خياراً براغماتياً للانتصار، مع أن البعض يعتبرونه خياراً أخلاقياً أي أولئك الذين يستبعدون استخدام العنف لأسباب دينية أو أخلاقية؟

هذه القضية شكلت جزءا من الاهتمامات الرئيسة عند بروفسيور علم الاجتماع الأميركي جين شارب الملقب بـ«مكيافيلي اللاعنف»، حيث استطاع، أن يبلور نظرية اللاعنف كسلاح سياسي.

ولد جين في ولاية أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية، بتاريخ 21 كانون ثاني 1928 لأب يهودى وأمّ مسيحية، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية عام 1949 من جامعة ولاية أوهايو، كما تخرج في الجامعة ذاتها بعد حصوله على درجة الماجستير في علم الاجتماع عام 1951.

وقد تعرض جين للسجن مدة تسعة أشهر ما بين عامي 1953-1954، وذلك على خلفية احتجاجه ضد عملية التجنيد للمشاركة في الحرب الكورية. وتلقى في العام 1968 درجة الدكتوراه في الفلسفة في مجال النظرية السياسية من جامعة أكسفورد. وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموث ومرشح للحصول على جائزة نوبل للسلام.

شارب لم يكن الأول في ابتكار أفكار المقاومة السلمية، فقد سبقه غاندي بالتأكيد، الذي منه استفاد مارتن لوثر كنغ في صراعه من أجل حقوق السود في الولايات المتحدة الأميركية، وهنري ديفيد ثورو، وليو تولستوي وغيرهم، إلا أنه بالتأكيد أول من وضع كل هذه الأفكار في إطار الإستراتيجية السياسية من أجل التغيير السلمي والنضال ضد الديكتاتوريات.

العصيان المدني

تميز المسار العلمي لـجين شارب بدراسته، خلال سنوات الخمسينات، لنظرية العصيان المدني لصاحبيها هنري تورو والمهاتما غاندي فالكتاب الأول لجين شارب الذي صدر سنة 1960 ، والذي خصصه لدراسة المناهج الغاندية، كتب افتتاحيته ألبرت إنشتاين. فالطاعة والعصيان، في منظور الشخصيتين، هما مسألتان أخلاقيتان أو دينيتان قبل أن تكونا سياسيتين.

كما تعارضان قانونا فوقانيا لنظام مدني. غير أن تجسيد قناعاتهما كانت له تبعات سياسية، بحيث أن ما كانا يعتبرانه غاية في حد ذاته يمكن فهمه على أنه وسيلة فقط. لذلك يمكن إذن اعتبار العصيان المدني تقنية في العمل السياسي، لا بل العسكري. فغاندي آمن باللاعنف لأنه فعال سياسياً وليس لأنه نقي أخلاقياً.

نجح شارب في صنع انفتاح فكري ساهم في خلق حوار مجتمعي تبنى أسس التغيير بين الشعوب المقهورة وحتميته حيث فصل رؤيته لمجموعة عوامل أثرت وتؤثر على حصيلة المقاومة السلمية منها: عوامل اجتماعية، وعوامل لها علاقة بالنظام الحاكم، وعوامل لها علاقة بالأطراف الثالثة ودرجة تعاطف هذه الأطراف مع أحد المتصارعين أو النظام

من الديكتاتورية إلى الديمقراطية

كتاب “من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”، دخل في موسوعة الكتب التي أثّرت في التاريخ السياسي الإنساني، ومنها كتاب “الأمير” لميكافيلي، أو “صراع الحضارات” لهنتنغتون، أو “نهاية التاريخ” لفوكاياما، وجميعها شكلت نقاط تحول هامة في تاريخ الفكر السياسي وتطوره نحو التطبيق الفعلي للتعددية وأسلوب الحكم الديمقراطي.

ونجحت هذه الكتب في صنع انفتاح فكري وساهمت في فتح حوار مجتمعي نتج عنه تبني أسس التغيير بين الشعوب المقهورة وحتميته حيث يفصّل شارب رؤيته لمجموعة عوامل أثرت وتؤثر على حصيلة المقاومة السلمية منها: عوامل اجتماعية، وعوامل لها علاقة بالنظام الحاكم، وعوامل لها علاقة بالأطراف الثالثة ودرجة تعاطف هذه الأطراف مع أحد المتصارعين: المقاومة أو النظام، وعوامل أخرى لها علاقة بالمجموعة المقاوِمة، ليصل بنا إلى نظريته الخاصة في المقاومة السلمية المبنية على تحليل مصادر القوة، مبيناً الفرق بين النظرية الأحادية للقوة، التي تفترض أن القوة السياسية من الأعلى إلى الأسفل، والنظرية المتعددة للقوة، وأن هناك ستة مصادر للقوة، تشكل المفتاح لفهم طبيعتها التعددية، وهي الشرعية والموارد البشرية والمهارات والمعرفة.

وهناك عوامل غير ملموسة الدين مثلاً والموارد المادية والعقوبات، لكن الطاعة هي قلب القوة السياسية. وأن الهدف هو دفع الناس إلى سحب طاعتهم للحاكم من أجل إنجاز التغيير، ولكن قد نفشل أحياناً بسبب الخوف من العقوبة أو لمنافع شخصية، كذلك الالتزام الأخلاقي والتماهي النفسي مع الحاكم، ومنطق الراحة أو ضعف الثقة بالنفس، فالقوة تعتمد على أعمدة دعم داخل أنظمة الحكم الديكتاتورية، وهي الجيش والأمن، السلطة القضائية، الوزارات، المؤسسات الدينية، ومجتمع رجال الأعمال، ويعرض شارب لما يسميه بعض الحقائق المرة المتعلقة بالاعتماد على القوى الخارجية.

يقول جين شارب: «نحن عادة لا نعطي نصائح خاصة لثورة معيّنة حين تكون الثورة قد بدأت سلفاً»

مؤسسة ألبرت أينشتاين

في العام 1983، نجح جين شارب في بلورة البرنامج الخاص بالعقوبات اللاعنيفة في مركز الشؤون الدولية بجامعة هافارد، حيث طور أبحاثا في العلوم الاجتماعية عن إمكانية لجوء ساكنة غرب أوروبا للعصيان المدني لمواجهة الغزو المحتمل لجيوش حلف فارسوفيا.

في الوقت ذاته، أسس “مؤسسة ألبرت أينشتاين” في بوسطن لغرضين أولهما تمويل أبحاثه الجامعية ثم تطبيق نماذجه على أرض الواقع. قبل أن يصدر في العام 1985 مؤلفا عن كيفية جعل غزو أوروبا أمرا مستحيلا، والذي كتب مقدمته السفير جورج فورست كينان، الأب الروحي للحرب الباردة. وفي العام 1987، استفادت “مؤسسة ألبرت أينشتاين” من الإعانة المالية لـ“مؤسسة الولايات المتحدة من أجل السلام”.

كما نظمت منتديات ومؤتمرات لتشكيل حلفاء للدفاع عبر العصيان المدني ضد المحتل الشيوعي المحتمل. كذلك أدخل الجنرال جورج فريكو شانو مفهوم «الردع المدني» إلى “مؤسسة دراسات أنظمة الدفاع الوطني”.

ولقد ألحقت مؤسسة جين شارب بآليات شبكة التدخل “ستاي بهايند” الأميركية في الدول الحليفة بفضل الجنرال إدوارد .ب. أتكيسون، الذي كان حينها قد فصل من الجيش الأميركي.

إن التركيز على مغزى الوسائل المستعملة يمكننا من إجلاء أي نقاش عن مشروعية الفعل ذاته. فسياسة اللاعنف، المسلّم بنجاعتها ذاتها والمقارنة بالفعل الديمقراطي، تشجع تبييض العمليات السرية غير الديمقراطية في جوهرها.


العداء للشيوعية

ومنذ ذلك الوقت وجين شارب لا يبخل بنصائحه على الحركات المعادية

للشيوعية. كما ساهم بعد ذلك في تشكيل التحالف الديمقراطي لبيرماني، وهو ائتلاف من الوجهاء المعادين للشيوعية الذين سينجحون سريعا في الالتحاق بالحكومة العسكرية، والحزب الديمقراطي التايواني المناضل من أجل استقلال الجزيرة عن الصين الشيوعية في الوقت الذي تتعارض فيه معها الولايات المتحدة بشكل رسمي.

كما تسجل له مبادرته في جمع مختلف تيارات المعارضة التيبتية حول الدلاي لاما، ومحاولته أيضا تشكيل جماعة من المنشقين داخل منظمة التحرير الفلسطينية، بقصد الدفع بالوطنيين الفلسطينيين إلى العدول عن أنشطتهم التي صنّفت “إرهابية”. وهو ذاته من نظم حصصا تكوينية سرية لفائدة جماعة المنشقين تلك داخل سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب بمساعدة الكولونيل روفن غال، مدير لجنة علم النفس داخل القوات المسلحة الإسرائيلية.

وبما أن حضوره في أي مكان يقترن دائما بوجود شيء ما، فإن جين شارب ومساعده بريس جونكينز حلا بالعاصمة الصينية بكين في يونيو 1989، أسبوعين قبل وقوع أحداث “تيين آن من”. غير أنهما لم ينعما طويلا بإقامتهما هناك، حيث طردتهما السلطات الصينية بعد وصولهما.

في الوقت ذاته، طالبت دول البلطيق باستقلالها. وبعد شد وجذب مع ميخائيل غورباتشوف، وافقت تلك الدول على تأجيل قرارها سنتين أو ثلاث حتى يتسنى لها التفاوض على التعويضات.

وفي شهر أكتوبر من العام 1990، وبلا إبطاء، سارع جين شارب وفريقه إلى السويد حيث سيعينان مجموعة من السياسيين اللتوانيين في تنظيم مقاومة شعبية ضد الجيش الأحمر.

وبعد أشهر من ذلك، حين اندلعت الأزمة في مايو ـ أيار من العام 1991، وما تلاها من نشر غورباتشوف لقواته الخاصة، كان جين شارب يغدق بنصائحه على الحزب المنشق ساجيدس مجموعة المبادرة للبريسترويكا، وهو ما لم يشغله عن الرئيس فيتوتاس رانتسبيرغس.

وفي يونيو من العام 1992، نظم وزير دفاع ليتوانيا المستقلة أودريوس بيتكيفيتشوس ندوة لتكريم العمل الجبار والحازم الذي قامت به “مؤسسة ألبرت أينشتاين” في سبيل تمكين دول البلطيق من نيل استقلالها.

كتاب شارب «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»، دخل في موسوعة الكتب التي أثرت في التاريخ السياسي الإنساني، ومنها كتاب «الأمير» لميكافيلي، أو «صراع الحضارات» لهنتنغتون، أو «نهاية التاريخ» لفوكاياما، وجميعها شكلت نقاط تحول هامة في تاريخ الفكر السياسي وتطوره نحو التطبيق الفعلي للتعددية وأسلوب الحكم الديمقراطي


خدمات للثورات

في سبتمبر من العام 2002، حل جين شارب بلاهاي، حيث سيسهر بنفسه على تكوين أعضاء “المجلس الوطني العراقي ” الذي كان يتأهب لمرافقة جيش الاحتلال الأميركي إلى العراق.

وفي نفس الشهر والسنة، عادت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين ” لتنصح المعارضة الجورجية بالطعن في نتائج الانتخابات وبالتظاهر والمطالبة باستقالة إدوارد شيفرنادزي، وهو ما تأسست عليه “ثورة الورود” في جورجيا.

في أبريل من العام 2002، وبعد أن فشل الانقلاب الذي نظمته السي آي إيه في فنزويلا، استنجدت وزارة الخارجية الأميركية مرة أخرى بـ“مؤسسة ألبرت أينشتاين”، التي لم تبخل بنصائحها لأرباب العمل، وخاصة دعوتهم إلى تنظيم استفتاء لإلغاء فوز الرئيس هيغو تشافيز.

كما تكفل جين شارب وفريقه بتأطير قادة جمعية “سيمايت” خلال مظاهرات آب من العام 2004.

وحسب إحدى التقنيات التي أصبحت كلاسيكية في يومنا هذا، فإن أولئك القادة كانوا مدعوين إلى التشكيك في الانتخابات والقول بأنها مزورة، ثم المطالبة برحيل الرئيس الشرعي للبلاد.

ولقد نجحوا في إنزال الطبقة البرجوازية في كاراكاس إلى الشوارع، إلا أن الدعم الشعبي الكبير للنظام حال دون ذلك. فلم يبق أمام المراقبين الدوليين من خيار سوى الاعتراف بمشروعية الانتصار الذي حققه هيغو تشافيز.

1