جيهان السادات لـ"العرب": الناصريون والإخوان يستهدفون الجيش لا السيسي

سيدة مصر الأولى، جيهان السادات، نجحت في حجز مكان لنفسها في اللقاءات التي تنظمها مؤسسة الرئاسة أو الجيش واستطاعت فرض شخصيتها كامرأة قوية لها رمزية.
الثلاثاء 2019/10/22
خزينة أسرار الحرب والسلام في مصر

يبدو إصرار أرملة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات،على الظهور المتكرر في كل مناسبة مرتبطة بذكرى الحرب أو السلام، عنواناً يشير إلى أنها ما زالت تبحث عن رد اعتبار ما للرئيس الراحل، حتى لو كان ذلك بأثر رجعي، لأنها تشعر بأنه لم يحصل على حقه، وهناك من يصرون على التقليل من إنجازاته لمصر، أو يحاولون النبش وراء خفايا القرارات التي كان يصدرها من حين إلى آخر، لتشويه صورته عند الأجيال الصاعدة.

وقد أصبح شهر أكتوبر من كل عام علامة بارزة لظهور السيدة جيهان السادات، للحديث حول أسرار فترة حكمه، وخبايا حرب أكتوبر 1973 وما تبعها من إبرام اتفاقية السلام مع إسرائيل. وفي كل مرة تظهر وتتحدث تتحول إلى مصدر إلهام للمصريين ومازالت القصص التي ترويها تشكّل واحدة من الاهتمامات الأساسية لصنّاع الحدث والسياسيين والمواطنين العاديين.

الحنين إلى الماضي

هي، بدورها، لا تنكر هذه القناعات، فقد عبّرت عن امتعاضها من جهل الأجيال الشابة بدور أنور السادات في تحرير مصر من الاحتلال الإسرائيلي وإنجازاته على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وقالت إنه من الأمور المعيبة في حق مصر، ألا تتحدث المناهج الدراسية عن دوره، ويمحو بعض المسؤولين عن التعليم هذه الفترة المضيئة من تاريخ مصر.

اعتادت أن تردد هذه العبارة في الكثير من لقاءاتها الإعلامية. صحيح وجّهت اللوم للمسؤولين في وزارة التعليم وحدهم، لكن كلامها يحمل بين ثناياه استياء واضحا من آخرين في مصر، باعتبار أن كل درس يُدرج في المناهج له دلالات سياسية أو يتعلق برئيس سابق يحصل أولا على موافقة من مؤسسات فاعلة في السلطة، لارتباط ذلك بتشكيل وعي أجيال كاملة.

ظهور جيهان وهي تتحدث في شهر أكتوبر من كل عام بات علامة حول أسرار زوجها، وحرب أكتوبر 1973وما تبعها من إبرام اتفاقية السلام
ظهور جيهان وهي تتحدث في شهر أكتوبر من كل عام بات علامة حول أسرار زوجها، وحرب أكتوبر 1973وما تبعها من إبرام اتفاقية السلام

تؤكد السيدة جيهان لـ”العرب”، وهي تستحضر ذكرى زوجها، أن السادات “يكفيه أنه كان قائد الحرب والسلام، ورفع رأس مصر وجيشها واسترد الأرض ورد الكرامة، ويكفيه السلام الذي أقامه مع إسرائيل، واليوم كل من كان ينتقد هذا التصرف عرف قيمة ما حققه السادات من وراء السلام”.

وهي تدرك، بالطبع، أن التلميح إلى مشاركة دوائر سياسية في تجاهل إنجازات زوجها قد يورّطها في أزمة يصعب الخروج منها، لذلك تتعامل مع الأمر بحكمة وذكاء، بأن اعتمدت على فرض نفسها على كل الأطراف لتقوم بدور توعوي وتثقيفي يحفظ لزوجها مكانته ويرمّم شعبيته، ويدفع الناس إلى الحنين للماضي للاعتراف بجميله حتى لو كان متأخرا.

ولا تترك فاعلية أو ندوة تثقيفية أو محاضرة لها علاقة مباشرة بفترة السادات، إلا وتكون حاضرة وتتصدّر قائمة المتحدثين، فهي قارئة جيدة ومثقفة إلى حد كبير، وعلى دراية بالتحديات التي تحاك ضد الدولة المصرية منذ زوال حكم الملكية وإعلان الجمهورية، حيث انخرطت منذ الصغر في متابعة الأحداث السياسية عن طريق أقاربها من ضباط الجيش، حتى بدايات معرفتها بأنور السادات ومعاناته وتدرجه في المناصب ووصوله للحكم.

كرسي جيهان

نجحت في حجز مكان لنفسها في اللقاءات التي تنظمها مؤسسة الرئاسة أو الجيش، واعتادت الجلوس في الصفوف الأولى إلى جوار القادة وكبار رجال الدولة، واستطاعت فرض شخصيتها كامرأة قوية لها رمزية وليست مجرّد زوجة لرئيس سابق يتم دعوتها كنوع من التكريم.

في نظر مؤسستيْ الرئاسة والجيش هي شخصية وطنية لها شعبية وقبول لدى الأوساط الجماهيرية، وشاهدة عيان على مراحل الإخفاق والانتصار وتستطيع التمييز بين الوطنيين والأعداء بحكم قربها من دوائر صناعة القرار لأكثر من 11 عاما اعتلى خلالها السادات كرسي الحكم.

كثيرا ما تُمنح لها الكلمة في المناسبات الرسمية لتخاطب الشارع بلسان السلطة وتتحدث عن الإنجازات والنوايا الحسنة للنظام ومؤسساته في مسار بناء الدولة المصرية بحكم التعاطي الشعبي معها، وتأثيرها في الناس وقبولها لدى فئات تتعامل معها على أنها زوجة البطل.

سيدة مصر الأولى

تظل أزمتها مع معارضي الرئيس عبدالفتاح السيسي، أنها تحولت إلى مدافع باستماتة عن سياساته، وفي بعض الأحيان تتقمص دور الناطق بلسان السلطة لتبرير بعض القرارات والتمجيد فيها، لدرجة أنها صرّحت بأنه يخوض حربا أشرس من تلك التي خاضها السادات ضد إسرائيل.

برّرت كلامها، بأن السيسي يحارب أعداء مصر في الداخل والخارج، وأكثرهم غير ظاهر، بينما كان السادات يعرف من هو العدو الحقيقي، لذلك انتصر عليه، ورغم ذلك هناك محاولات دائمة للتشكيك في نواياه ووطنيته.

جيهان ومع كل مرة تتحدث فيها عن خبايا فترة حكم السادات، يشعر الناس بأنها كانت شريكة في صناعة القرار، على النقيض من صورة تحية عبدالناصر
جيهان ومع كل مرة تتحدث فيها عن خبايا فترة حكم السادات، يشعر الناس بأنها كانت شريكة في صناعة القرار، على النقيض من صورة تحية عبدالناصر

في سياق ذلك، تقول لـ”العرب” إن، “الرئيس الذي تخلّى عن نصف راتبه ونصف ثرواته لا يمكن أن يطمع في قصر، ولا بد أن يفهم الناس أن الهدف ليس السيسي، بل الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكا، وهناك من يحاول إسقاطها بالطعن فيها”.

يتسبّب هذا النوع من الكلام وتكراره في تصنيف جيهان السادات ضمن المغضوب عليهم، حتى أن البعض رأى أن استمرارها على هذا النهج يأكل من رصيدها وشعبيتها اللذين تعتمد عليهما في الحفاظ على مكتسبات السادات.

وبمرور الوقت تخرج كتابات وتلميحات تسيء لفترة السادات، وتظهر بعض سلبياته وقراراته التي يزعم البعض أنها تختلف مع العقيدة العسكرية، وفي أحيان أخرى، كانت تطال التلميحات السيدة جيهان وتأثيرها على قرارات زوجها الراحل. لكن تبقى لدى جيهان قناعة راسخة بأن المعركة التي تحاك ضد حكم السادات يقف وراءها ناصريون وإخوان، وهي لا ترى مبررا لذلك، لأنه كان شغوفا بالتجربة الناصرية ومنبهرا بشخصية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وعلى الجانب الآخر، منح الإخوان المسلمين أكثر من فرصة للاندماج في المجتمع وممارسة العمل السياسي بشكل علني وليس من وراء ستار.

وقد رأت في تصريحات خاصة أدلى بها للصحيفة، أن الإخوان لم يتغيروا، ولن يتركوا أيّ شخصية وطنية دون تشويه لإبعاد الناس من الالتفاف حولها، والاستمرار في مسلسل الخراب ببث شائعات تهدد أمن المواطن البسيط وتفتيت الوحدة الوطنية، فهم لن يخوضوا حربا في ساحة معركة، ولن ينزلوا الشارع مجددا، وسوف يستخدمون الشائعات للتحريض فقط، لأنهم أجبن من المواجهة المباشرة.

أزمة البعض مع جيهان، أنها لم تنس بعد أنها كانت سيدة مصر الأولى، وتأبى أن تخلع عنها هذا اللقب الذي ارتبط معها منذ وصل السادات إلى الحكم، في حين أن لقب السيدة الأولى ينظر إليه المصريون بريبة واستهجان بحكم ما يحمله من دلالات وذكريات سيئة في أذهانهم، لأنهم يعتبرونه مرادفا لتدخل زوجة الرئيس في الحياة السياسية والشأن العام.

في كل مرة تتحدث عن خبايا فترة حكم السادات، يشعر الناس بأنها كانت شريكة في صناعة القرار داخل القصر الرئاسي، لأنها اعتادت أن تذكر معلومات وأسرارا وكواليس دقيقة يصعب أن يعرفها سوى الدائرة الضيقة القريبة من الحاكم، خاصة ما يرتبط منها بالقوات المسلحة والعلاقات الخارجية مع الحكومات والسياسيين.

أزمتها مع معارضي الرئيس السيسي، ترجع إلى أن جيهان السادات تحولت إلى مدافعة باستماتة عن سياسات الرئيس وناطقة بلسان السلطة
أزمتها مع معارضي الرئيس السيسي، ترجع إلى أن جيهان السادات تحولت إلى مدافعة باستماتة عن سياسات الرئيس وناطقة بلسان السلطة

صحيح أن السادات نفسه لم ينكر أنه كان يتشاور مع السيدة جيهان في بعض القضايا، لكن ما يؤخذ عليها عند ظهورها، أن ما ترويه أو تسعى لتوصيله للناس، يعكس أحيانا حجم تدخلاتها في بعض السياسات، ولم يكن الأمر مجرد “أخذ رأي” أو تشاور من بوابة أنها زوجة الرئيس.

حتى عندما تخرج وتدافع عن اقتراحاتها التي كانت تعرضها تعترف بأنه اقتنع بوجهة نظرها، ما قد يشعر البعض بأنها تدافع عن نفسها وقراراتها التي كانت تشارك فيها خلال فترة حكم زوجها، ما يضعف حجتها ويجعلها أحيانا محلّ انتقاد من المعارضين للسلام مع إسرائيل.

وبسبب قناعات البعض بفرضيات تدخلات السيدة جيهان، لم تشعر أنها وضعت أمام نفسها عراقيل كثيرة في طريقها لترسيخ صورة ناصعة البياض عن فترة حكم السادات، فهي بدلا من تأكيد استقلالية القرار الرئاسي وابتعاده عن أهواء وتدخلات الدائرة المقربة، لقطع الطريق على المشككين في نوايا السلطة آنذاك، منحتهم بطريقة غير مباشرة فرصة التشويه والنقد، لأنها اعتادت التطرّق إلى تفاصيل تبدو خطيرة وسرية، ولا يُفترض أن تعلمها أو تقولها إذا علمت بها.

يرتبط ذلك بالتركيبة الشخصية لجيهان السادات، فهي طموحة لأقصى درجة وتحب أن تقود ولا تُقاد، وتميل إلى الاختلاط بالناس وكثرة الظهور، فضلا عن شغفها بممارسة نشاطات اجتماعية، بل تستهويها المواجهة والجرأة وقوة الشخصية وإبداء الرأي في أي قضية شائكة.

حرصت جيهان على تغيير مفهوم زوجة الرئيس منذ دخلت القصر الرئاسي، وثارت على تقاليد جمال عبدالناصر الذي كان يحرص على عدم ظهور زوجته تحية في المجال السياسي أو الاجتماعي، وحظر عليها ارتداء المجوهرات الثمينة والملابس التي تناقض عادات المجتمع الشرقي، وأصرّ على إلغاء كل مظاهر التكلّف، ما عجّل باصطدام جيهان بطقوس المصريين وتقاليدهم مع وصول السادات للحكم، بعدما انتهجت مسارا معاكسا لفكر الحقبة الناصرية المرتبط بالسيدة الأولى.

قانون جيهان

لا ينسى قطاع من المواطنين أنها أدخلت على المجتمع المصري تقاليد لم تكن معروفة عن السيدة الأولى، حيث كانت ترافق الرئيس في الزيارات الخارجية، وتقوم بنشاط اجتماعي وصل حد تدخلها لتمرير قانون الأحوال الشخصية عام 1979 الذي نص على أن منزل الزوجية من حق الزوجة، وعرف آنذاك بـ”قانون جيهان”، وهي لم تنكر ذلك، وبررت ذلك بأنها “تدخلت لإنصاف المرأة”.

ساعدت الأنشطة الاجتماعية جيهان السادات على تكوين شعبية بين الأوساط النسائية خلال حكم زوجها، وهو ما نفعها حتى اليوم، في استثمار المرأة في إزالة أي لغط مجتمعي أو سياسي يُثار حول حقبة زوجها، واعتادت أكثر من مرة أن توجه خطابها للسيدات، باعتبارهن الأقرب للأبناء والأزواج، وتشرح لهن أبعاد وخبايا الحرب والانتصار والسلام، وتحذرهن من الصمت أمام محاولات جر البلاد إلى الخراب مرة أخرى.

تقول “إن الذي عاش ويلات الحرب يعرف جيدا قيمة الاستقرار والأمان الذي نعيشه اليوم، ولا بد أن يبادر كل وطني مخلص بتقديم النصيحة ومخاطبة الفئة التي يحظى بشعبية بين أوساطها حتى يكون كلامه مقبولا وله مصداقية، لإعادة تشكيل الوعي واستكشاف ما يدور من مخاطر”.

دليل براءة مبارك

جيهان يحسب لها أنها جريئة في التمسك بمبادئها، فهي التي أنصفت مبارك وقالت عنه إنه «شخصية عسكرية منضبطة»
جيهان يحسب لها أنها جريئة في التمسك بمبادئها، فهي التي أنصفت مبارك وقالت عنه إنه «شخصية عسكرية منضبطة»

تأسست شعبية جيهان بين النساء، منذ بدأت تظهر كسيدة تحاول أن تحسن وضع المرأة وترسخ لثقافة جديدة كانت غائبة عليها بأن تتحرر من القيود المنزلية وتخرج للعمل وتظهر قدراتها للمجتمع، حيث ساهمت في الأعمال التطوعية للسيدات، والعمل على تغيير قوانين تستهدف الحفاظ على حقوق المرأة وقامت بتأسيس جمعية الوفاء والأمل التي تهتم بإنشاء مشروعات نسائية لغير القادرات والمعيلات.

وأسست جمعيات تعاونية في مناطق نائية كنوع من الاهتمام الخاص بالمرأة الريفية، وعملت من خلالها على تمكينها وتعليمها بعض الحرف اليدوية وإدارة الأعمال، وأقامت المعارض التسويقية، وما زالت بعض هذه الجمعيات والمؤسسات قائمة وتستفيد منها السيدات وأسرهن.

ما يُحسب لجيهان السادات، أنها جريئة في التمسك بمبادئها حتى لو تسبب لها ذلك في منغصات سياسية واجتماعية، فهي التي أنصفت الرئيس الأسبق حسني مبارك في ذروة الاتهامات الشعبية التي طالته بالفساد وإهدار المال العام، وقالت إنه “شخصية عسكرية منضبطة يصعب أن ترتكب هذه الأفعال”.

لم تصمت أو تلتزم الحياد أمام اتهام مبارك بالتآمر والمشاركة في التخطيط لقتل زوجها، بل خرجت في أكثر من مناسبة ولقاء إعلامي وبرأته وتحدثت عنه بشكل إيجابي غير عابئة بما يمكن أن تتعرض له من انتقادات، مع أن مبارك وأسرته تجاهلا الاستجابة لبعض طلباتها كزوجة رئيس سابق.

هي شخصية يصعب أن يتطرق خطابها إلى استخدام مسميات تحض على الكراهية والبغض والتمييز والعنصرية مهما بلغ الخلاف، ويرتبط ذلك بنشأتها وسط أسرة مختلفة في الانتماء الديني، فقد كان والدها مسلما ويعمل في وزارة الصحة المصرية، بينما كانت والدتها مسيحية ومن أصول إنكليزية، ما زرع داخلها احترام الأديان وقبول الآخر بغض النظر عن العقيدة.

13