جيورجي كفيركاشفيلي رجل الاقتصاد في جورجيا "لؤلؤة القوقاز"

الأحد 2016/04/17
طبيب إصلاحي

بروكسل - في نقطة عميقة على امتداد طريق الحرير القديم تقعُ جورجيا التي تسعى اليوم ضمن منظومة دولية تقودها الصين لإحياء ذاك الطريق الواصل بين عواصم الشرق والغرب معاً.

بلادٌ تصل أوروبا الشرقية بغرب آسيا، لتنام على الضفة الشرقية للبحر الأسود. ففي كل مراحلها التاريخية، التي عبرت بها في تطور جغرافيّتها كمملكة ثم انحسارها تحت سلطة القيصر الروسي وصولاً إلى رضوخها عقب الثورة البلشفية عام 1917 لمظلة الاتحاد السوفييتي، انتهاء بإعلان استقلالِها الثاني في التاسع من أبريل لعام 1991 أسوة بدول القوقاز التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي المنهار، لم تنسَ موسكو أن أحد أهم قادة السوفييت (جوزيف ستالين) كان جورجي الأصل. وربما كان هذا أحد الأسباب غير المباشرة لتقوم الإدارة الروسية بشن عمليات عسكرية ضد جورجيا إبّان فترة حكم الرئيس ميخائيل سكاشفيلي الذي تولى الرئاسة بعد الإطاحة بإدوارد شيفرنادزه.

المدخل التاريخي هذا يضعنا في مواجهة حقيقية كعرب، مع بلاد كنّا نظن أنها بعيدة جداً. بينما هي في حقيقة الأمر لا تبعد أكثر من ثلاث ساعات ونصف الساعة بالطائرة، من أيّ عاصمة خليجية إلى مطار تبليسي الدولي.

من هذه الرؤية الاستراتيجية الجديدة انطلق رئيس وزراء جورجيا جيورجي كفيركاشفيلي في خطواته الأولى نحو العمق العربي ليتلمّس آثار ”حصى العرب” في إشارة للأحجار الكريمة التي كان الصينيون يعتقدون أنّ أرض الجزيرة العربية مفروشة بها، في عصر تجارة طريق الحرير القديم.

لقاءات عديدة أجراها كفيركاشفيلي مع قادة دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أسّس لشراكة جديدة عنوانها الانفتاح التام على مسارات عديدة ذات طابع اقتصادي وتجاري وثقافي ورياضي.

الفضاء العربي الآمن

جورجيا تسعى لجذب الاستثمارات العربية نحو مدنها، من خلال تسهيلات حقيقية تتنوع في عالم العقارات والنقل والملاحة والصناعة والتجارة وغيرها، وتعمل بجدّ من خلال قادتها لمد يد الشراكة للدول العربية على ضفة الخليج العربي.

فاليوم تتحول جورجيا إلى معبر دولي كبير من خلال ميناءي باتومي وبوتي، فضلاً عن مرور الأنابيب الرئيسة التي تزوّد القارة الأوروبية من باكو الآذرية عبر تبليسي الجورجية من خلال خط أنابيب باكو- تبليسي- جيهان. فضلاً عن إدراك المسؤولين هناك وقوفهم في منطقة التصدع الزلزالي السياسي، بالقرب من نفوذ التحالف الروسي الإيراني.

لذا فإن المتابع يُدرك انشدادهم للعمق العربي في ظل الانفتاح والرخاء الاقتصادي والفرص الاستثمارية الهائلة مع قرب تنظيم إكسبو 2020 في الإمارات العربية المتحدة.

جورجيا تسعى لجذب الاستثمارات العربية نحو مدنها اليوم من خلال تسهيلات حقيقية تتنوع في عالم العقارات والنقل والملاحة والصناعة والتجارة وغيرها، وتعمل بجد من خلال قادتها لمد يد الشراكة للدول القوية على ضفاف الخليج العربي

العمق العربي وجدهُ كفيركاشفيلي آمناً لبلاده من الأطماع السياسية. بلاده التي تمتلك موقعاً استراتيجياً هاماً من خلال ساحلها على البحر الأسود من جهة وبين روسيا وتركيا من جهة أخرى، بينما يمثّل المخزون الآذري الحيوي من مصادر الطاقة حالةً من التداخل الاقتصادي السياسي في لؤلؤة القوقاز التي باتت تعتمد على السياحة كمصدر أساسي في ميزانيتها العامة، بعد استتباب الأمن في مدنها، ودخول كثير من الأماكن التاريخية قائمة مواقع التراث الإنساني العالمي.

برنامج التنمية الواسع

كفيركاشفيلي المولود في تبليسي العاصمة في العشرين من يوليو من العام 1967، التحق بالجيش السوفييتي بين عامي 1986 و1988. ليتابع بعد ذلك دراسته الأكاديمية في جامعة تبليسي، حيث حصل على بكالوريوس في الطب الباطني، وإجازة في الاقتصاد، قبل أن ينتقل للولايات المتحدة الأميركية حيث أكمل في جامعة إلينوي درجة الماجستير في الاقتصاد المالي.

أدار كفيركاشفيلي في بداية حياته العملية العديد من المناصب التنفيذية في بنوك جورجيا. وبعد عودته من الولايات المتحدة دفعت به إمكاناته العلمية ليكون في مركز القرار الاقتصادي كنائب لرئيس المكتب المالي والنقدي في رئاسة الدولة. إضافة إلى تواجده كعضو برلماني بين عامي 1999 و2004، لكنه فضّل عقب ثورة الزهور التي أوصلت ميخائيل سكاشفيلي للحكم، أن يعود لممارسة أعماله التجارية التي انشغل بها عبر العديد من المناصب المصرفية الخاصة حتى العام 2011 حيث أطاح ائتلاف “الحلم الجورجي” بالحركة الوطنية الجديدة التي يقودها سكاشفيلي.

وبناء على هذا الانتصار تم تعيين كفيركاشفيلي في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام 2012 وزيراً للاقتصاد والتنمية المستدامة، لغاية الأول من سبتمبر، حيث تولّى حقيبة الشؤون الخارجية، إلى جانب كونه نائباً لرئيس مجلس الوزراء حتى الثلاثين من ديسمبر من ذات العام، حيث دفع به ائتلاف الحلم الجورجي الحاكم كمرشح لرئاسة الوزراء وقد نال ثقة البرلمان بأغلبية واسعة عقب استقالة إيراكلي.

منذ أن استلم كفيركاشفيلي السلطة التنفيذية في جورجيا، طرح في برنامجه الرئاسي إصراره على العمل بوتيرة متسارعة نحو تنمية الاقتصاد، وتعزيز ريادة الأعمال، من خلال عمله الدؤوب على مبادرات التكامل الأوروبي التي سعى عبرها لتسليط الضوء على جورجيا كموقع حيّ وجذاب للاستثمار الأجنبي.

الإمارات وجورجيا توقعان اتفاقية تعاون اقتصادي وفني وتعلنان تأسيس لجنة اقتصادية مشتركة لتعزيز التواصل وتسهيل دخول رجال الأعمال والمستثمرين بين البلدين

مناخ التنافس الدولي

لم تبحث دول الخليج العربي يوماً ما عن موقع لها في مساحة التنافس الروسي-الأوروبي، أو الروسي- الأميركي. بقيت واحة آمنة بعيدة عن التجاذبات السياسية العالمية. لكن مع عودة سياسة الأقطاب العالمية المبنية على أسس اقتصادية، عقب الأزمات المالية المتلاحقة التي ضربت اقتصادات العالم وأدخلت دولاً كبرى في دورة ركود مالي، صارت دول الخليج العربي التي تمتلك الثروة النفطية ملاذاً للراغبين بجلب الاستثمارات إلى بلدانهم وتنمية المشاريع الاقتصادية فيها.

وأمام هذا المشهد نأت الدول الخليجية بنفسها عن الدخول في الصراع الإيراني الأميركي الذي انتهى بتوقيع الاتفاقية النووية الأخيرة، بعد مفاوضات طويلة في جنيف السويسرية. هذا النأي أكسبَها موقع القويّ ووضعها في دائرة الضوء لدى الدول التي لا ترغب في الارتماء بالحضن الروسي أو الإيراني على حدّ سواء في ظلّ التحالف المعلن في ميادين عديدة بين موسكو وطهران.

القلق الأوروبي

دائرة العلاقات المتشابكة هذه دفَعت بأطراف عديدة للتحالف بدوافع اقتصادية مع دول الخليج العربي، في ظل تزايد احتمالات تصاعد الصراع في جغرافيات متنوعة. وهذا ما أدركه رئيس وزراء جورجيا كفيركاشفيلي الذي لا يريد لبلاده أن تنسحق تحت عجلات الصراع في ظل إعلان الانحياز لأحد الأطراف.

الصراع المقصود هنا هو مجال الطاقة “النفط و الغاز”، وخريطة الأنابيب التي تنقلهما عبر بحر قزوين إلى أوروبا. تلك الأنابيب التي تشكل في جوهر الأمر حالة قلق أوروبي دفعت بالمفوضية الأوروبية في بروكسل إلى ضم تبليسي وكييف الأوكرانية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي لفك ارتباط جورجيا وأوكرانيا بموسكو.

وكذلك لضمان عدم اعتماد عواصم القارة العجوز على خطوط الأنابيب التي تمر عبر الأراضي الروسية، وفي مناخ انعدام الثقة الذي يسود العلاقات الأوروبية الإيرانية، فإن دول اليورو تجنّبت في الماضي مدّ خط أنابيب عبر إيران إلى دول الخليج العربي، بل ابتعدت عن طهران باتجاه عمق دول القوقاز وتركيا، ومما لا شك فيه أن عواصم القرار الخليجي تدرك واقع التنافس الحاد بين روسيا والغرب حول هذه القضية تحديداً.

الدولة ذات الموقع الاستراتيجي تتحول إلى معبر دولي كبير من خلال ميناءي باتومي وبوتي، فضلا عن مرور الأنابيب الرئيسة التي تزود القارة الأوروبية من باكو الآذرية عبر تبليسي الجورجية من خلال خط أنابيب باكو- تبليسي- جيهان

تحالفات جديدة

الشكل الجديد للتحالفات المرتقبة سيحكمها على ما يبدو طريق الحرير الجديد وحزامه الجغرافي الذي أعلنت عنه الصين في وقت سابق من الآن. وفي سبيل حجز مكان أساسي في محطات الطريق الطويل، بدأت الدبلوماسية الجورجية حركتها الواسعة نحو العمق الآمن لتتكامل مع الإمارات العربية المتحدة بالموقف والرؤى.

هذه الدبلوماسية التي شكّلت -بحسب قارئين للمشهدـ قلقاً لموسكو، التي أوفدت رئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفينكو إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي في زيارة رسمية لبحث آفاق التعاون في شتى المجالات وزيادة تنسيق المواقف بين الأطراف كافة.

المشهد الاقتصادي في العالم يشي بكثير من المفاجآت خلال السنوات القادمة، خاصة مع قرب تنظيم إكسبو 2020 في الإمارات العربية المتحدة وتنظيم كأس العالم في الدوحة 2022 حيث ستكون الفرص الاستثمارية مفتوحة على كل المسارات والأصعدة والمجالات، وكذلك مع تهاوي أسعار النفط عالمياً وبدء بوادر أزمة عالمية جديدة تلوح في الأفق، وثبات صحة السياسة الخليجية الاقتصادية القائمة على عدم الاعتماد على النفط كعمود أساسي في اقتصادها. وهذا بالتالي سيُعمّق الدور الخليجي باتجاهات عديدة، ربما ستقلب معادلة التحالفات الدولية الحالية القائمة على التبعية أو المصالح القُطبية بين طرفين متصارعين. فالسياسة الناعمة التي تنتهجها الإمارات، مثالاً، دفعت برئيس الوزراء الجورجي للسعي وراء تحقيق أحلامه الاقتصادية في مدن بلاده انطلاقاً من التحالف الاقتصادي القادم.

ولا بدّ من القول إنها ليست المرة الأولى التي تتجه فيها جورجيا نحو العالم العربي. فقَد سبَقت ذلك محاولات انفتاح من الرئيس الجورجي المدعوم أميركياً آنذاك ميخائيل سكاشفيلي، لكن هذا التقارب حينها كان يخضع للأجندات الجورجية القائمة على زرع النكد السياسي لموسكو في مناطق عديدة من العالم. أما اليوم وفي عهد كفيركاشفيلي فإنه يأخذ طابعاً آخر قوامه اقتصادي بحت ضمن إطار العمل السياسي الذي تحدّه مصالح متنوعة.

7