جيوش إلكترونية تستخدم أساليب عنف نادر لتكميم أصوات الصحافيين

وثّقت منظمة مراسلون بلا حدود، ما تعرض له الكثير من الصحافيين حول العالم من هجمات منظمة شنّتها جيوش إلكترونية يعرف أفرادها كيف يستعملون التكنولوجيات الجديدة حتى يُعطوا امتدادا أكبر لنموذجهم القمعي ضد الصحافيين.
الجمعة 2018/07/27
مؤسسات صحافية كاملة ضحية التنمر الإلكتروني

باريس - “صحافجي أو إعلامجي.. ألفاظ يمكن تجاوزها مرة أو إثنتين، لكن لمئات المرات! إنه أمر له تأثيرات على المعنويات”، هذه ليست إلا عيّنة من هجوم مخفف يتعرض له الصحافيون من قبل جيوش إلكترونيّة سواء كانوا أفرادا معزولين أو مرتزقة يعملون لمصلحة الأنظمة الاستبداديّة، وفق شهادات صحافيين لمنظمة مراسلون بلا حدود.

وكشفت المنظمة في تقرير جديد نشرته الخميس بعنوان “التنمر الإلكتروني ضد الصحافيين: عندما تطلق الجيوش الإلكترونية اعتداءاتها”، حجم التهديد المتزايد الذي يتعرّض إليه الصحافيون.

وأطلقت المنظمة من خلال التقرير تحذيرا من اتساع التهديد الجديد على حريّة الصحافة: التنمر الإلكتروني الواسع على الصحافيين. من هم مقترفوه؟ مجرّد “قراصنة”، أفراد أو مجموعاتِ أفراد مختبؤون خلف شاشاتهم، أو مرتزقة المعلومة على الشبكة الذين يمثّلون “جيوشا إلكترونية” فعليّة أسستها الأنظمة الاستبدادية. وفي الحالتين الهدف واحد: تكميم أفواه الصحافيين الذين تزعج أصواتهم باستخدام أساليب عنف نادر.

ووثقت مراسلون بلا حدود، لأشهر، هذه الهجمات الجديدة على الشبكة وحلّلت الأسلوب العَمَلي لهؤلاء المتصيدين لحرية الصحافة الذين عرفوا كيف يستعملون التكنولوجيات الجديدة حتى يُعطوا امتدادا أكبر لنموذجهم القمعي.

وقال كريستوف دولوار، أمين عام مراسلون بلا حدود “التحرش الإلكتروني ظاهرة تنتشر على الصعيد الدولي، وتمثّل اليوم أحد أخطر التهديدات على حرية الصحافة. وقد اكتشفنا أنّ الحروب الإلكترونيّة لا تُشنّ فقط بين الدول، لكنّ أعداء الصحافة أسسوا جيوشا إلكترونية لمهاجمة وإضعاف كل الذين يسعون إلى الحقائق بصدق”.

وأضاف دولوار “يدفع هؤلاء الطغاة مرتزقتهم لاستهداف الصحافيين وإطلاق رصاص حيّ عليهم في العالم الافتراضي، تماما كما يفعل آخرون في ميدان الحرب”.

وأشار  التقرير إلى أنه من الصعب تحديد الرابط المباشر بين المجموعات الإلكترونية، التي تهاجم الصحافيين، والأنظمة. ووثقت مراسلون بلا حدود حالات من التنمر الإلكتروني على الصحافيين في 32 بلدا، فكشفت حملات كره ممنهجة ضد الصحافيين من قبل الأنظمة القمعية أو الاستبدادية كالصين وروسيا والهند وتركيا وفيتنام وإيران والجزائر.. إلخ.

وهذه الحملات العنيفة من التحرش على الشبكة، تطلقها أيضا مجموعات يلتقي فيها أفراد أو مجموعات سياسية في بلدان تعرف بكونها ديمقراطية، خاصة في المكسيك، وأيضا في بلدان متقدّمة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة على غرار السويد وفنلندا.

كريستوف دولوار: أعداء الصحافة أسسوا جيوشا إلكترونية لمهاجمة الذين يسعون إلى الحقائق
كريستوف دولوار: أعداء الصحافة أسسوا جيوشا إلكترونية لمهاجمة الذين يسعون إلى الحقائق

وسلطت “مراسلون بلا حدود” الضوء على الجانب التنفيذي الذي تعتمده الأنظمة المعادية لحرية الصحافة، والتي تنسق الهجمات الإلكترونية ضد الصحافيين من خلال ثلاث مراحل، أولها: التضليل حيث يتم إغراق المضمون الصحافي على شبكات التواصل الاجتماعي بفيض من الأخبار الزائفة التي تخدم النظام.

وتاليا يأتي التضخيم،  فيتم الرفع من قيمة هذه المواد، بشكل مصطنع، عن طريق معلقين تؤجّرهم الأنظمة لوضع رسائل على شبكات التواصل أو باستعمال برامج إلكترونية (روبوتات) تنشر المضمون أوتوماتيكيا.

ثم ثالثا وفق ما أكدوا في شهاداتهم لمنظمة مراسلون بلا حدود التهديد باستهداف الصحافيين بشكل شخصي وشتمهم وتهديدهم بالقتل وتشويه سمعتهم من أجل إسكاتهم.

ولا يمكن الاستهانة بهذه التهديدات فأحيانا تكون النتائج مأساوية، حيث يجنح أغلب الصحافيين ضحايا التنمر الإلكتروني، إلى الرقابة الذاتية في ظلّ موجة العنف التي لم يتخيلوا مداها.

وتعتبر النساء الصحافيات الأكثر تعرضا للهجمات الالكترونية، حيث كان ثلثي الصحافيات اللواتي تحدثن للمنظمة ضحايا التحرش، و25 بالمئة منهنّ تمّ التحرش بهن عبر الشبكة الإلكترونية. وتحدثت الصحافيّة رانا أيوب عن تجربتها المريرة في هذا المجال فقد كانت هدفا لمساندي النظام من “اليوداها ” التابعة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي، والذين يستهدفون الصحافيّة بسبب تحقيقاتها حول وصول مودي إلى الحكم.

وتقول أيوب “وصفوني بالمومس. وضعوا وجهي على صورة جسد عار. وأخذوا صورة أمّي من حسابي على انستغرام ليعبثوا بها بكلّ الأشكال”.

ويضيف التقرير أن الصحافيين الاستقصائيين هم أيضا من أهداف الجيوش الإلكترونية، على غرار ألبرتو اسكورسيا الذي تم تهديده بالقتل على خلفية تحقيقاته حول استعمال “الحسابات النائمة” للتأثير على الحملات الانتخابية خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في المكسيك.

كما تم استهداف الصحافية ماريا روسا في الفلبين من قبل الجيوش الإلكترونية، في حين يواجه الموقع “تذكّر” الذي تديره روسا مضايقات قضائيّة. ومنذ انتخاب رودريغو دوترتي رئيسا، في 2016، يجري استهداف الصحافيين الفلبينيين الذين ينجزون تحقيقات مستقلّة بخصوص النظام.

وفي فرنسا، تمّ الحكم على شخصين بستة أشهر سجنا مع وقت التنفيذ وغرامة مالية قدرها 2000 يورو بعد تهديد الصحافية نادية دام عبر شبكة الإنترنت. كما تم الحكم على شخص ثالث ستة أشهر مع وقف التنفيذ بعد أن هدّدها بالقتل على خلفيّة القضية الأولى.

وتتحمّل الشركات التي تبيع الحسابات المزيفة، مثل دوفيمي، مسؤولية اجتماعيّة مباشرة عن انتشار هذه التهديدات الجديدة: فتهديد صحافي بشكل واسع ليس بالأمر السّهل، لكنّه بالمقابل غير مُكلف. وفي ظل هذه النتائج التي توصلت إليها “مراسلون بلا حدود”، قدمت 25 توصية وجّهتها إلى الأنظمة والجماعات الدولية والمنصات الإلكترونية ووسائل الإعلام والمشاهير من أجل الانتباه إلى هذه التهديدات الإلكترونية الجديدة.

واقترحت المنظمة في تقريرها، برنامجا تدريبيا عنوانه “صحافيون: كيف يمكن التصدي للجيوش الإلكترونية؟” ومن خلاله تذكّر المنظّمة بالممارسات الجيّدة في مجال السلامة المعلوماتيّة.

ويؤكد صحافيون أن هذه التهديدات لا يمكن الاستهانة بها، لكنّ الآخرين لا يشعرون بمخاطرها الحقيقية، ويفيد صحافي تعرّض للتنمر الإلكتروني “كثيرا ما قلت في نفسي أن الأمر ضريبة ما نقوم به. ولكن هذا لا يعني أن يبقى من دون عقاب”. بينما يعبّر مسؤول تحرير مؤسسة إعلامية عاش صحافيوها التجربة “الذين يقولون: لا بأس ما هي إلا تهديدات. هؤلاء لم يسبق لهم أن عاشوا الأمر”.

18