جي كي رولينغ روائية بريطانية صنعت بالأسطورة نجاحا أسطوريا

الأحد 2014/09/07
عالم يموج بالسحرة والغرائبيات من صنع هاري بوتر

كان "حجر الفلاسفة" علامة تختصر البحث عن الحكمة والحقيقة ولكنه في الوقت نفسه يختصر تلك العبقرية في تحويل المواد والمعادن والأشياء الرخيصة الى أخرى ثمينة، وهي حصيلة تعود بنا بعيدا إلى أغوار سحيقة في التاريخ وصولا إلى الإغريق وامتدادا إلى عصور لاحقة فيما عرف بالماغنوم آبوس أو بالخيمياء لاحقا التي تتعلق بذلك العلم القائم على تحويل المعادن الرخيصة إلى أخرى ثمينة.

ربما تكون هذه مقاربة مبسطة لمنطلقات الكاتبة البريطانية ذائعة الصيت جي كي رولينغ أو جوانا رولينغ، اسمها الحقيقي، التي تعرضت مؤخرا لعاصفة من الانتقادات السياسية الشرسة على مدونتها، من جانب أنصار استقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة، وذلك بعد تبرعها بمبلغ مليون جنيه إسترليني لحملة الحفاظ على الاتحاد “من الأفضل أن نبقى معاً”، وهذا الهجوم السيبراني ازداد شراسة بعد تشبيه رولينغ للانفصاليين الأسكتلنديين المتشددين بالأشرار من أتباع الشرير “فولدمورت” في رواياتها الشهيرة.

وفي تقرير نشرته أخيراً، رأت صحيفة "إنترناشونال هيرالد تريبيون" الأميركية في الخطوة التي قامت بها رولينغ دعماً مالياً كبيراً لخصوم الانفصال عن إنكلترا، وتأييداً معنوياً كبيراً من أحد أبرز المشاهير في العالم.

علامة جي كي رولينغ الفارقة أنها صانعة أسطورة “هاري بوتر” فهي قد صنعت من معطيات بسيطة منجزا روائيا وسينمائيا مبهرا وغير مسبوق ولا متوقعا أصلا بمثل هذه السرعة المذهلة من النجاح والانتشار.

هي نفسها مع هاري بوتر وصحبه كانوا يفتشون عن تلك الصخرة نفسها في أول رواية لها والتي حملت عنوان (هاري بوتر وصخرة الفيلسوف، نشرت عام 1997) والتي كانت منطلقها إلى ذلك العالم المذهل الذي اجتذب وما يزال يجتذب الملايين من البشر من كل أنحاء العالم.

لم يكن أحد يحسب أن موظفة مغمورة وإنسانة متواضعة هي السيدة رولينغ أن تقفز فجأة وفي مدة قياسية إلى هذه المرتبة الرفيعة والفريدة وتتحول إلى الكاتبة الأكثر شهرة ومبيعا في العالم تقريبا، وتصبح سباعية هاري بوتر علامة تجارية مسجلة في البورصة ليصل ثمنها إلى عدة بلايين من الدولارات وتطبع من سلسلة هاري بوتر عدة ملايين من النسخ وتترجم إلى أكثر من ستين لغة.

ولا تخفي السيدة رولينغ كيف ولدت سلسلة هاري بوتر، فتلك الموظفة البسيطة التي كانت تعمل باحثة في منظمة العفو الدولية في لندن كانت عائدة ليلا في القطار من لندن إلى بيتها في مانشستر وهناك قدحت في ذهنها الفكرة والشخصية منتصف العام 1990 وما إن وصلت منزلها حتى شرعت بكتابة الرواية بلا توقف لتنتهي من طباعتها على آلة طابعة قديمة في عام 1995 وتقدمها إلى 12 دار نشر في المملكة المتحدة فتقابل بالرفض منها جميعا.

تلك كانت انطلاقة هاري بوتر فلما يئست تماما من نشرها فوجئت بخطاب يصلها من شركة النشر “بلومسبيري” تبدي موافقتها على نشر الرواية مع مبلغ مقداره ألف وخمسمائة جنيه إسترليني وكانت تلك مفاجأة حقيقية لرولينغ، لم تكن في الحسبان ولا في التوقع على الإطلاق.

المزج بين الأسطورة والخرافة والفانطازيا كانت الشغل الشاغل لرولينغ في مجمل أعمالها والعلامة الفارقة لها، فهي تغوص عميقا في الأساطير لتستخلص منها كثيرا من ملامح أعمالها الروائية

طبع من الرواية في حينها 1000 نسخة فقط ووزع منها 500 نسخة على المكتبات ولم يكن يدور في خلد رولينغ يوما أن ثمن النسخة الواحدة من تلك الطبعة سيصل اليوم إلى أكثر من عشرين ألف جنيه إسترليني وتعد نسخا نادرة تباع في المزادات وذلك خلال مدة قياسية هي قرابة عقدين من الزمن.

المزج بين الأسطورة والخرافة والفانطازيا كانت الشغل الشاغل لرولينغ في مجمل أعمالها والعلامة الفارقة لها، فهي تغوص عميقا في الأساطير لتستخلص منها كثيرا من ملامح أعمالها الروائية وتبرز هنا المغامرات السحرية والخروج عن المألوف كعنصر ملازم للسلسلة ذائعة الصيت.

تستذكر رولينغ في مقابلاتها الصحفية، رغم أنها ليست على ود دائم مع الصحافة، كيف أنها تقدمت إلى جامعة أوكسفورد ورفض قبولها لتتجه لدراسة الأدب الفرنسي في جامعة أكستر فتكون من بين المتميزين ثم لتعمل باحثة لدى منظمة العفو الدولية حتى انطلاق شهرتها الواسعة وربما كان قربها من هموم العالم من خلال عملها في “أمنستي” أحد أسباب مساهماتها الواسعة والمشهودة في دعم الجمعيات الخيرية التي تعنى بالطفولة ومكافحة الفقر في أنحاء العالم.

رولينغ المولودة في 31 تموز/يوليو 1965 في بريطانيا لأب يعمل مهندسا لدى (رولس رويس) وأم تعمل باحثة في التكنولوجيا والعلوم اتخذت لنفسها مسارا آخر فقد كانت منذ طفولتها أكثر ميلا لما هو خيالي وغرائبي وهو ما انعكس بشكل واضح في كل أعمالها فقد حرصت بشدة على انتشال شخصياتها من حياتها الواقعية لتطلقها في عالم سحري وخرافي بديل وأكثر رحابة، عالم ينطوي في كل مراحله على كثير من المفاجآت غير المتوقعة.

وبصدد هاري بوتر وحجر الفلاسفة فمن المدهش حقا بالنسبة إلى رولينغ أن تفاجأ بقيام دار نشر في الولايات المتحدة بالموافقة على نشرها مقابل عقد زاد على مئة ألف دولار وهو ما تتحدث عنه رولينغ بإسهاب قائلة: “كادت أنفاسي تنقطع من شدة المفاجأة والحصول على هذا المبلغ ثم لتتوالى المفاجآت بحصول الرواية على العديد من الجوائز الرفيعة منها جائزة أفضل كتاب بريطاني وجائزة أفضل كتاب للفتيان وجائزة مؤسسة “نستله” وغيرها من الجوائز الأخرى”.

واستمرارا للحديث عن قصص النجاح التي أصابتها رولينغ فكتابها “هاري بوتر وكأس النار” وهو الجزء الرابع من السلسلة طبع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في آن واحد محطما الرقم القياسي في عدد النسخ المباعة ساعة نزوله في الأسواق والمكتبات حيث بيع منه 350 ألف نسخة فورا وبيع منه 3 ملايين نسخة في الولايات المتحدة لوحدها خلال مدة 48 ساعة، أما الجزء السابع فقد بيع منه 11 مليون نسخة في اليوم الأول لإطلاقه، والحاصل أن الأجزاء الأربعة الأخيرة من السلسلة احتلت موقع الكتب الأكثر والأسرع مبيعا في العالم على مدى التاريخ.

السلسة هي على التوالي:

رولينغ المولودة في 31 تموز/يوليو 1965 في بريطانيا لأب مهندس وأم تعمل باحثة في التكنولوجيا والعلوم اتخذت لنفسها مسارا آخر فقد كانت منذ طفولتها أكثر ميلا لما هو خيالي وغرائبي


*

هاري بوتر وصخرة الفيلسوف 1997


*

هاري بوتر وحجرة الأسرار 1998


*

هاري بوتر وسجين أزباكان 1999


*

هاري بوتر وكأس النار 2000


*

هاري بوتر وجماعة العنقاء 2003


*

هاري بوتر والأمير الهجين 2005


*

هاري بوتر ومقدسات الموت (جزأين) 2007

ولعل العنصر الأهم المكمل للسلسلة في شكلها المقروء هو مساهمة السينما في انتشارها على أوسع نطاق، فقد ظهرت الأجزاء الثمانية على الشاشة في المدة من عام 2001 حتى عام 2011 وكان بطلها جميعا والذي أدى شخصية بوتر هو الممثل البريطاني (دانييل رادكيلف) الذي طالما عبر عن دهشته إزاء تحولات شخصية الفتى هاري خلال بضع سنوات؛ فهو الذي نشأ كأي صبي بريء فاقد للوالدين دون أن يعلم أنهما كانا ساحرين ليرث السحر عنهما، ويكتشف ما في داخله من قدرات مثل الطيران والتكلم بلغة الثعابين ومقارعة السحر الأسود وخاصة مقارعته للقوة الشريرة الممثلة في فولدمورت الذي ألحق اللعنة بوالدي هاري، وتستمر مقارعته حتى الانتصار عليه في الجزء السابع والأخير من السلسلة الشائقة.

فقد كان إقدام شركة (وارنر بروذر) بشراء حقوق جزأين من الرواية عام 1998 المنطلق الذي أتاح مزيدا من الانتشار للسلسلة وللشخصية وللمؤلفة إذ ظهر الجزء الأول في صالات العرض عام 2001، والجزء الثاني في العام التالي 2002 وكلاهما من إخراج (كريس كولومبوس) حيث بلغت تكلفة الفيلم الأول 100 مليون دولار فيما بلغت تكلفة الثاني قرابة 125 مليون دولار بينما حققا إيرادات على مستوى العالم وصلت إلى قرابة ثلاثة بلايين دولار. أما الجزء الثالث فقد عرض على الشاشات عام 2004 وهو من إخراج ألفونسو كوارون وقد بلغت تكلفة الفيلم قرابة 130 مليون دولار فيما حقق إيرادات تجاوزت 900 مليون.

وأخرج الجزء الرابع المخرج مايك نيويل وعرض عام 2005 بتكلفة 150 مليون دولار وبإيرادات بلغت قرابة مليار دولار، أما الأجزاء الأربعة اللاحقة فقد أسند إخراجها للمخرج ديفيد ييتس وعرض الجزء الخامس عام 2007 بتكلفة 150 مليون دولار وبإيرادات قاربت المليار وعرض الجزء السادس عام 2009 بتكلفة 250 مليونا وإيرادات قاربت 900 مليون، أما القسم الأول من الجزء السابع فقد أنتج عام 2010 بتكلفة مقاربة لإيرادات الجزء السادس وعرض الجزء الأخير عام 2011 بنفس التكلفة والإيرادات تقريبا، ومع ظهور الجزء السابع وتحقيقه كل ذلك النجاح كتابا وفيلما أعلنت الكاتبة رولينغ عن اختتام سلسلة هاري بوتر ونهايتها وأنها غير مستعدة لكتابة أي أجزاء أخرى لكنها تفكر في إصدار موسوعة تتضمن كل شيء عن السلسلة، يذكر أن السلسة في شكلها السينمائي رشحت عدة مرات وطيلة 15 عاما إلى جائزة الأوسكار إلا أنها لم تفز بأي منها.

20