"حابي" للكويتي طالب الرفاعي.. فتاة تعيش بمشاعر رجل في جسد امرأة

الكويتي طالب الرفاعي يكشف أزمة الهوية من منطلق جندري وكيف أنّ المرء يعيش غربة وضياعا حين يكون ضحية خلل جيني في روايته "حابي".
السبت 2019/10/05
قضية إشكالية وتحوّل قاهر

ما زالت المجتمعات العربية تتعامل مع القضايا الجنسية بشيء من الريبة تصل أحيانا إلى العنف والإنكار، مجتمعات تعاني الكبت تخنق كل من يحاول الاختلاف في ذاته ووفق ميولاته. هذا المجال الملغوم كان فضاء الرواية الأخيرة للكاتب الكويتي طالب الرفاعي، التي تصدى فيها بجرأة ودراية لواقعة تحول فتاة إلى فتى.

اختار الروائي الكويتي طالب الرفاعي موضوعا شائكا إشكاليا لروايته “حابي”، وهو التحول الجنسي الذي يصدم المجتمع، وتختلف النظرات إليه، بين رافض ومعاد بالمطلق، وآخر متقبّل على مضض، وثالث مناصر ومدافع عن الحق فيه بعد اقتناع بالنتائج الطبية.

ريّان، بطلة الرواية التي تتحوّل إلى ذكر، تواجه محنتها وتصدم من حولها بتردّدها على الطبيب من أجل الوقوف على حقيقة حالتها، وأنها تعيش بمشاعر رجل في جسد امرأة، وتتعايش مع التناقضات التي تسكنها والتي لا تجد لها تهدئة بأيّ شكل من الأشكال.

صراع النقائض

يقف طالب الرفاعي في روايته، الصادرة عن دار ذات السلاسل الكويت 2019، على أزمة الهوية من منطلق جندري، وكيف أنّ المرء يعيش غربة وأزمة وضياعا حين يكون ضحية خلل جيني، ويسعى لتصحيح الخطأ، أو معالجة العلّة، فيقع رهين حسابات تحاصره وتقيّده وتفرض عليه خيارات تزيد من غربته وأزمته، وتحاول التحجير عليه بهندسة سجن ظلامي له بذريعة المحافظة على السمعة والقيم وتجنّب إثارة القيل والقال، وكلّ ذلك على حساب تأجيج الصراع الداخلي وقهر الشخص ومضاعفة أزمته وإبقائه مقصيا عن ذاته وحقيقته.

يثير الرفاعي أسئلة كثيرة من قبيل: كيف يمكن للإنسان أن يحقق ذاته ويعيش حقيقته بعيدا عن فروض الآخرين وإملاءاتهم عليه؟ إلى أيّ حدّ يكون للأوصياء المفروضين على المرء الحقّ في مصادرة حياته لصالح رغباتهم أو مصالحهم؟ هل بالإمكان أن يبدّد الإنسان غربته ووحشته وضياعه من دون أن يجرح من يعتبرونه من أشيائهم؟ هل هناك علاج لأزمة الهوية الضائعة والمغيّبة في مجتمع يفرض التعتيم على الحقائق ويتعاطى معها كأنّها محرجات للمرء في واقعه ومستقبله؟

 قضية إشكالية وتحوّل قاهر
 قضية إشكالية وتحوّل قاهر

اعتمد الرفاعي مستويات خطاب متعددة تتناسب مع حالة الشخصية، وتواكب التغيّرات والمحطّات التي تمرّ بها على درب تحوّلها من فتاة إلى فتى، وكيف أنّ اللغة بدورها تتحوّل معها وتتطور وفقا لحالتها وما يطرأ من مستجدّات تفرض نفسها، وتفترض صيغة خطابية مناسبة كلّ مرّة.

عنوان الرواية يستلهم اسم إله فيضان النيل الذي يرمز جسده إلى الجنس الأنثوي والذكري معا، ويكون تقسيم الرواية بين قسمين، الأول “حا”، والثاني “بي”، دلالة على جمع الشخصية للصفتين، بحيث أنّ الاسم المقسّم يأتي تفريقا للشخصية نفسها وتغريبا لها عن عالمها، في مسعى للبحث عن مواءمة وانسجام مأمولين.

ريّان في المدرسة طالبة متقبّلة لواقعها، لكنّها تعيش ذكورتها الداخلية ومشاعرها المكبوتة في إطار مغلق، وتتعايش مع الطالبات ولا تحاول أن تكون منفّرة أو صادمة أو مزعجة، بل تساير الخلل الذي يسم جسمها، وتعيش برداء أنثى ناقصة جريحة، كي لا تثير الشبهات من حولها.

وفي البيت تراها متمرّدة على طريقتها، لكن تلازمها الحيرة في حلّها وترحالها، في صحوها ونومها، وتجتاحها الأسئلة التي لا تبقي لها أيّ مجال للراحة أو هدوء البال، وما إن كانت شاذّة أو لا، وكيف ترضي الجانب الذكوري المتنامي في داخلها، والذي يتغوّل مطالبا بحقّه في التجلّي والتجسّد والعيش والتبلور واقعا، وشكلا، لا
فقط بشكل مضمر سري مخبوء، مرعوب منه.

تكون الزميلة المسايرة للأخريات، والابنة الصاخبة التي تشبّهها قريبات لها بالأولاد، تتعايش مع وحشتها، ولكنّها تظلّ مسكونة بأسئلة الهوية الجندرية، وتصرّ على البحث عن إجابات شافية تهدّئ ثورات روحها، عساها تستدلّ إلى طريق للسلام الداخلي الذي يلوح بعيدا كأنّه أمل بعيد يكاد يكون مستحيلا.

والرغبة في السلام الداخلي لا تكون متحقّقة بيسر، تحتاج من ريّان إلى صمود وقوّة ويقين وثبات، تدخل في صراع يكاد يكون حربا عائلية معلنة، فوالدها الذي لطالما كان يحلم بولد يرفض القبول بفكرة مراجعة الأطباء للوقوف على حالتها، وبعد أن يذعن مضطرا لذلك، يندم، ويتراجع عن موقفه، ويتعامل بعنف معها ومع أمها التي تناصرها، ويعرب عن سخطه واشمئزازه منها في كلّ موقف، ويحرص على إزعاجها وتتفيهها، ولعنتها.

موقف الشقيقات كذلك يكون مزعجا لريان، ويزيد من قهرها وغربتها، فشقيقاتها يفكّرن بأنفسهن وحياتهن، وكيف سيؤثّر خبر تحوّل أختهنّ إلى ذكر على عالمهن واستقرارهن الأسري، ويولين الاعتبار لحديث الناس المفترض، على حساب ريّان التي تكون مطالبة من قبلهن بالرضوخ للأمر الواقع والقبول بالخلل الجيني الذي يدمّر روحها وجسدها.

غربة مركبة

غربة عارمة في الحالتين (لوحة للفنانة سارة شمة)
غربة عارمة في الحالتين (لوحة للفنانة سارة شمة)

تمرّ ريّان في رحلة تحوّلها من فتاة إلى فتى بعدّة محطات طبية، تكون سبقتها محطّات نفسية أكثر، تمهّد لها طريقة الوصول إلى سلامها وحقيقتها الجسدية والشعورية، وتتخلّل تلك المحطات صدامات عنيفة مع أهلها، ومحيطها، لكنّها تجاهد بحثا عن كوّة خلاصها، وبروح قتالية عنيدة لمعالجة الخلل الذي يشوّه روحها وجسدها.

الغربة المتعاظمة في روح ريّان لا تهدأ إلا برفقة صديقتها جوى، وهي الكويتية التي تطلق عليها صفة الأميركية، لأن أمها أميركية، وتعيش بدورها غربتها عن محيطها الأسري والاجتماعي، وينظر إليها على أنّها غريبة عن ذاك الواقع والمجتمع، وتكون ملاذ ريّان التي تكون ملجأها الآمن بدورها.

تلاقي الغربتين يكون متجليا في لقاء الصديقتين ريان وجوى، كلاهما تعيش وتعاني أزمة هوية ومحنة غربة على طريقتها الخاصة، وبنسخة مختلفة، فتكون إحداهما للأخرى درعا ودريئة في الوقت نفسه، تتقبّل اختلافها وتحتفي به معها، وتساندها للتغلّب على المشقّات التي تعترض سبيلها، وتشدّ من عزيمتها في مواجهة جنون المتربّصين بها.

تعيش ريّان صراعاتها الداخلية القاسية، تجد نفسها متعلّقة بشكل لافت بجوى، وتحاول تمييز مشاعرها، والابتعاد عن توصيف حالتها بأنّها شكل من أشكال الرغبة السحاقية، لأنّ هرموناتها ذكورية، ومشاعرها ذكورية، وحبّها المكتوم حب نقي طاهر، لكنّها حائرة في آلية التعبير عنه وتوصيفه بصيغة لا تدرج في سياق خاطئ أو مغلوط، وتصابر وتكابر على صراعاتها ومشاعرها إلى حين إكمال العلاج والوصول إلى نقطة التجسّد بهيئة فتى قادر على عيش حياته كرجل بجسد رجل ومشاعر رجل، لا هيئة امرأة.

ينوّه الروائي بأنّ الكتابة تؤدّي مفعولا علاجيا، وريان الراوي يكتب مذكراته ويومياته التي تأتي في الرواية بخطّ غامق، لتمييزها عن السرد الذي يرويه الراوي العليم، وتكون الكتابة ملجأ آخر رئيسا لريان الهارب من الضغوطات التي تنهك روحه، وترهق كيانه، وتضعه في حرب خفية مع كلّ ما ومن حوله.

الأزمة الجنسانية، وضياع الهوية الفردية، وخيبة الواقع المتجلية بردود الأفعال الكارثية القاهرة من قبل مَن يفترض بهم حماية المرء، لا تشكيل أعباء مضاعفة عليه، من دوافع ريان للبحث عن سبل للخلاص، ويكون الخلاص متمثلا في الهروب إلى الخارج، والابتعاد عن تلك البيئة التي لا تتقبل اختلافه، وتسجنه بقيد مدمّر ينهب روحه ويفتّتها بقسوة ووحشيّة.

يشير صاحب “النجدي” إلى أن بطلته ريّان تنجح في تحقيق حلمها الذي كان يوصف بأنّه في عالم الاستحالة والتعذّر، وتصبح ريان الذكر، الذي يعيش رجولته كما ينبغي له أن يكون، ويكون الثمن ابتعاده عن بيئته، ووطنه، وأسرته، ومجتمعه، يفقد انتماءه إلى محيطه، لكنه يكسب تصالحه مع ذاته، وعيش حقيقته، من دون أي نفاق أو خداع، وإن كان في أرض أخرى، إلى حين التمكّن من تهيئة أرضية له في أرض وطنه وبين ذويه.

14