حاتم المكي القادم من جاوة بجناحي خرافة

الأحد 2017/05/07
حاتم المكي الحالم بفينوس تونسية

لندن – "لقد وجدت فيك ما كنتُ أبتغيه. لأنني كنت أريد أن أكتب موضوعا عن تأثر الرسام وتفاعلاته مع اللوحة" قال له غاستون باشلار فيلسوف الجمال الفرنسي بعد أن رسم حاتم المكي صورته.

"الرسام لسان المدينة" جملته التي تكشف عن قوة التزامه فنانا بقضايا الناس بالرغم من أنه كان بعيدا عن الثقة بالعقائد السياسية التي تقيد الفن بالأفكار الجاهزة.

واقعيته المفرطة لم تقف حائلا بينه وبين نزعة تعبيرية اكتسبها من صداقات عميقة ربطته بعدد من أدباء فرنسا وهو الذي عاش قريبا منهم بحكم عمله في الصحافة الأدبية أيام شبابه.

تونسي بملامح آسيوية

الأهم تاريخيا في حاتم المكي أنه لم يستسلم لغواية الانتماء إلى مدرسة تونس وهي الجماعة الفنية التي أسسها رسامون فرنسيون وانضوى تحت لوائها عدد من رواد الرسم الحديث في تونس.

رأى تونس وأهلها بعينيه لا بعيون المستشرقين لذلك لم تتسلل الرموز الفلكلورية إلى رسومه.

"لئن كنت مصورا فليس لأن التصوير حرفتي التي لا أحسن غيرها وما كنت لأرضى بأن أكون مصورا لمجرد حاجة معيشية بل أنا أصور اضطرارا لأني قد وهنت وعييت. أعياني كياني وأوهنني كوني إنسانا عاجزا لا طموح له إلا القضاء على نفسه. أودّ لو أتخلّص من نفسي وأفرّ منّي وإلى الأبد ومع ذلك فأنا أخاف الانتحار، أخشى ألاّ يكون فيه فرار، وقد علّمتني الحياة أن أحذر وأحتاط من الموت وغشه كحذري وحيطتي من شيكات التجار المفلسين”.

ذلك ما كتبه المكي على الغلاف الأخير لكتابه “من جاوة إلى قرطاج” وهو تعبير صادق عن طريقته في النظر إلى وظيفته رساما وقيمة الرسم في حياته التي عاشها بزهد الناسك.

كان مقدّرا له ألاّ يُولد في حلق الوادي وأن يجتاز آلاف الكيلومترات ليصنع قدره فنانا تونسيا ولد في بيئة وهبته الفن مثلما وهبته الحياة. لذلك كان المكي يلتفت إلى نصفه الأنثوي ليذكر أمّه التي منحته ملامحه الآسيوية وفي الوقت نفسه وهبته الشغف في الفن.

إكساب فينوس الإغريقية هالة شرقية

كان حاتم المكي هو الآخر التونسي الذي يبحث عن جذوره.

عام 1918 ولد حاتم محمد الهاشمي بن عثمان المكي في جزيرة جاوة بإندونيسيا لأب تونسي من الجريد وأم إندونيسية. كان أبوه صاحب امتياز جريدة يحررها بنفسه اسمها “بروبودور” ومعناها بلاد الآثار العظيمة.

حسب رواية المكي فإنّ جدّه لأمّه انحدر من سين كيانغ التي تقع غرب الصين، وقد سافر ذلك الجد إلى الصين ونزل ضيفا على ماوتسي تونغ. عام 1924 عاد الأب بعائلته إلى تونس ليلتحق الابن بمعهد كارنو بعد مدرسة خيرالدين الابتدائية غير أنه تعثر في دراسته بعد أن عثر في الرسم على ضالته وتعرف على عدد من الرسامين كان أبرزهم جلال بن عبدالله وعدد من الأدباء وكان أبرزهم محمود المسعدي. عام 1938 حصل على منحة لدراسة الرسم في باريس.

كانت فرنسا يومها على موعد مع الحرب التي أفشلت أحلام الفتى القادم من الجنوب فعاد إلى بلاده وفي قلبه شيء من باريس. عام 1947 عاد المكي إلى باريس باعتباره فنانا ليقيم معارضه ويعمل في عدد من الصحف والمجلات المعروفة يومها، وفي مقدمتها صحيفة كومبا التي كان ألبير كامي يرأس تحريرها.

بين الناس.. بعيدا عنهم

تعرّف المكي على الرسام الفرنسي جان دي بوفيه ونشأت بينهما صداقة دامت زمنا طويلا. ما حدث لحاتم المكي في ما بعد يضفي عليه بعدا أسطوريا مضافا. كانت رسومه متداولة شعبيا وبشكل يومي من غير أن يقع اسمه في فخ التداول الشعبي.

ما بين عامي 1957 و1995 رسم 454 طابعا إضافة إلى العملات المعدنية والورقية. لقد انتهى المكي إلى أن يعيش وضعا مزدوجا. فهو الفنان الأكثر شعبوية والأكثر نخبوية في الوقت نفسه. وهو الموقع الذي تمناه المكي دائما لنفسه.

يمكن اعتبار تجربة حاتم المكي الفنية منطقة عازلة بين فضاءين شكلا المجال الحيوي الذي نشأ فيه فن الرسم في تونس. الأول هو فضاء مدرسة تونس برساميها الفرنسيين أولا ومن تبعهم ثانيا من الرسامين المحليين مثل الهادي التركي وعمار فرحات والزبير التركي والفضاء الثاني كان حاضنة لدعاة الحداثة التي خرجت بالرسم من إطاره المحلي إلى محاولة تمثل التحولات الفنية العالمية والتماهي معها وقد ظهر ذلك جليا في تجارب الرسامين رفيق الكامل وعبدالرزاق الساحلي ومحمود السهيلي ونجيب بلخوجة ورضا بالطيب.

فالمكي الذي لم تشدّه طروحات مدرسة تونس في ما يتعلق بمفهوم الجمال لذاته وهو مفهوم أعلى من شأن الوصف الخارجي لمشهد المدينة التونسية من غير أن يظهر اهتماما بالإنسان، كان في الوقت نفسه قد سعى إلى أن يولي قضايا الإنسان جلّ اهتمامه.

المكي آثر العزلة ليرسم ألوانه الخاصة

فكان فنه قريبا من الالتزام الإنساني الذي لا يخضع لفكر سياسي بعينه. ولهذا فقد شكّل وجود المكي نوعا من الجدار الصلب الذي استند إليه الفنانون الذين ظهروا في ستينات وسبعينات القرن الماضي وهم يقاتلون من أجل عدم خضوعهم لأفكار مدرسة تونس التي كانت في الجزء الأكبر منها تحمل طابعا سياحيا ذا نزعة استشراقية.

ينتمي حاتم المكي بحكم سنه وسبقه الفني إلى الجيل المؤسس، غير أن انفتاحه على ثقافات شرقية وغربية جعله مؤهلا لفهم ما يجري من حوله من تحولات في مفهوم الفن وفي تقنياته وأساليبه على حدّ سواء. وهو ما ظهر في رسومه التي نأى بها بعيدا عن الوصف الذي يجعل من الرسام مشاهدا سلبيا لا يهتم بشيء بقدر اهتمامه بنقل ما يراه من مناظر تقع عليها عيناه.

بعكس ذلك كانت رسوم المكي لا تكتفي بمحاكاة الواقع بل تسعى إلى إظهار تناقضاته بما يجعل منها مسرحا للنقد. كانت رسوم المكي مختبرا نقديا لوقائع مستعارة من الواقع. وهو ما جعل منها مرآة لمجتمع يستلهم قدرته على العيش بقوة أحلامه التي تمزج الحياة بما لا يُرى من تفاعلاتها.

بسبب نوعته المتمردة كان المكي هو الأقرب من أفراد جيله الرائد إلى توجهات الرسامين الشباب الذين أخرجوا الرسم التونسي من عزلته إلى الفضاء العالمي.

خرافة شرقه البعيد

مقبول من المكي وحده أن يكون الغزل هنديا، وهو عنوان مجموعة من اللوحات، أنجزها بداية خمسينات القرن الماضي. من حقه أن يكسب فينوس الإغريقية هالة شرقية وهو المحلّق بجناحي خرافة تمتد بعصفها من الصين إلى إندونيسيا. غير أن ذلك الساحر الشرقي وقد عاش تفاصيل هويته الحقيقية كونه تونسيا سرعان ما التفت إلى المرأة التونسية فصار يرسمها باعتبارها الوجه الآخر للخرافة.

لقد اتخذت آلهة جماله هيأة المرأة المغطاة التي كان يراها في الأسواق ويحلم بلذائذ الحديث إليها. لقد استخرج المكي تلك المرأة من أعماقه مثلما كان يفعل بالوجوه التي شغف برسمها منذ بداياته. كانت لديه فكرة عن الحياة وجدها مجسدة في المرأة وفي الوجوه التي انتقلت من لوحاته إلى الطوابع التي تسافر من مكان إلى آخر.

لقد صنع ابن جاوة جزءا من فجر الرسم الحديث في تونس. لم يرتض لنفسه أن يكون شاهدا بل عمل كل ما في وسعه لكي يفتح الباب أمام أجيال من الرسّامين، سيكون في إمكانها أن تغير مصير الرسم في تونس مفعمة بالاعتراف بجميله.

10