حاتم علي سوري خجول يغير وجه الدراما العربية

الأحد 2016/09/11
لعبة الحاكم والمحكوم من "ربيع قرطبة" إلى "العراب"

باريس - بمحاولته الدمج ما بين شكل المافيا الإيطالية المقتبسة من الفيلم العالمي الشهير “العرّاب”، وعقلية المسؤول السوري الكبير الفاسد التي يتناولها العمل، يقدّم المخرج السوري حاتم علي “هارموني” متيناً لمتلازمة السلطة الفاسدة والمال الأسود، بروح الرواية المعروفة لتجميل المشهد الذي لم يكن ينقصه إرخاء ظلّ الفيلم العالمي عليه لتقديم الفكرة عن واقع معقد.

بعد غياب طويل عن الظهور أمام الكاميرا، يكسر حاتم علي المخرج المتمرس خوفه، ربما، ليأخذ دورا رئيسياً أمام الكاميرا وخلفها في مسلسله “العرّاب”.

“نورس” الأستاذ الجامعي صاحب الآراء السياسية الناقدة للفساد والاستبداد، والصحافي الذي أودت به جرأته إلى الاعتقال، لم يمر مرور الكرام كما في الجزء الأول من العمل.

عاد حاتم علي هذه المرة بدور أكبر في الجزء الثاني، ليخوض صراعه من أجل الاستمرار ضد كبار الشخصيات المتنفذة، بعد أن قاده القدر في الجزء الأول للقاء بهم بشكل بسيط. فتطورت الشخصية في الجزء الثاني لتمثّل شريحة من المثقفين من غير الراضيين عن أحوال البلد والفساد المستشري والمتمثل في شخصيات العمل الأساسية.

اتسم أداؤه بالهدوء والتأني واللجوء بالتعبير إلى الإيحاءات وقلّة التعبير الكلامي. ما سهّل عليه المهمة. الأمر الذي لا ينقص من حرفيّته في الإخراج بعد مسيرة تميّزت بانتقاء عال للنصوص والإنتاجات الضخمة التي كان من أبرزها “التغريبة الفلسطينية”، “الزير سالم”، “صلاح الدين الأيوبي”، “عُمَر”، “قلم حمرة”، “أحلام كبيرة”، “صقر قريش”، “الملك فاروق” وغيرها.

أعماله تتميز بالمعالجات الجادة للشخصيات وإظهار البعد الحقيقي للشخصية المؤداة من قبل أيّ ممثل. فرفع حاتم علي الكثير من الأسماء التي اشتهرت بعد العمل معه، وكان هو عرّابها بحق. منهم نجوم الشاشات اليوم مثل باسل خياط وتيم حسن ونسرين طافش وآخرين.

يظهر أداء الممثل مختلفاً في الأعمال التي يخرجها حاتم علي، لإصراره على فرض رؤيته للشخصية وإخراج أفضل ما لدى الممثلين من طاقات، بإيصال الفكرة لهم بأكبر قدر من المعالجة النفسية الجاهزة. تجربته في السينما كان لها أثر طيب على أعمالة التلفزيونية، يبدو ذلك بشكل واضح من حيث زوايا التصوير، التوظيف الصحيح للموسيقى، والقطع غير المربك للمَشاهد وإعادة ربطها بذكاء.

تغريبة المخرج

ولد حاتم علي في العام 1962 في الجولان السوري الذي تحتله إسرائيل. ولجأ مع عائلته نازحاً إلى تخوم العاصمة دمشق بعد العام 1967. بدأ حياته كاتباً للقصة القصيرة، ثم ممثلاً عرفه المشاهدون في مسلسل “دائرة النار” في العام 1988.

واصل مسيرته كممثل حاصداً إعجاب المشاهدين، فشارك في العديد من الأعمال، وبأدوار تراوحت ما بين الدرامي والكوميدي والفانتازي. حتى قرر العمل في الإخراج التلفزيوني في منصف تسعينات القرن العشرين. وتمكن خلال زمن قياسي وبعدد كبير من المسلسلات التلفزيونية من تغيير وجه الدراما العربية، بإضفاء الصورة والواقعية علاوة على الفكر المضمن داخل الأعمال، ولم يعد المسلسل مجرد مادة للتسلية والترفيه والإبهار، ولا رسالة موجهة كما في بعض الأعمال، بل كان حواراً متواصلاً ما بين المشاهد والكاتب والأبطال، حوار يديره حاتم علي كل مرة.

خلال السنوات الماضية، لم يتوقف حاتم علي عن إنتاج المسلسلات، فكان مسلسل “عمر” الذي تناول شخصية الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، أول تلك الأعمال المؤثرة في مناخ الشحن الذي عرفته المنطقة العربية، وكان المغامرة التي خاضها حاتم علي تتمثل في إظهار وجه عمر بن الخطاب وبعض الصحابة، وهو أمر لم يكن مألوفاً من قبل.

مسلسل “قلم حمرة” الذي قدمه حاتم علي كان أيضاً شديد الجرأة، وهو يروي حكاية المعتقلات في سجون الأسد، وكذلك المناخ الذي يدور خارج تلك المعتقلات في سوريا.

المشاهدون العرب ينتظرون رؤية الكثير، من متابعة عمل حاتم علي الأخير، حاملين في أذهانهم ما تراكم من صور وأحداث وموسيقى رسخت في الذاكرة عن رائعة فرانسيس فورد كوبولا بأجزائها الثلاثة لرواية مارلو بوزو الشهيرة "العراب"

وحتى وصل صاحب الأعمال الكبيرة، إلى مسلسل “العرّاب”، كان قد قطع مشواراً طويلاً، زاخراً بالتأمل والبحث، وهو كما يقول مهجوس بالعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، عبّر عن ذلك في أعماله الأندلسية، وكذلك في معالجته لقصة الزير سالم في التراث الشعبي، أو في تناول شخصية مثل شخصية الملك فاروق التي أثارت ضجة كبيرة، فهاجمه الفنانون والمثقفون المصريون بذريعة أنه يحاول تبييض صفحة الملك المخلوع. مع أن العمل من كتابة المصرية لميس جابر وغالبية أبطاله من النجوم المصريين، باستثناء بطله الرئيسي تيم حسن الذي لعب دور فاروق.

عالم المافيا وعالم الواقع

في الجزء الأول من مسلسل “العرّاب” الذي عُرض في رمضان عام 2015، عمَدَ المخرج، بالاستناد إلى النص، إلى استعمال الإيقاع البطيء في سير الأحداث، ما سرّب حالة من التململ لدى المشاهدين الذين كانت تشدّهم قوّة الأسماء المشاركة بالعمل وقبل ذلك اسم العمل نفسه.

المشاهدون كانوا ينتظرون رؤية الكثير، حاملين في أذهانهم ما تراكم من صور وأحداث وموسيقى رسخت في الذاكرة عن رائعة فرانسيس فورد كوبولا بأجزائها الثلاثة لرواية مارلو بوزو الشهيرة “العرّاب”.

إلا أنه لا بد للعمل، على ما يبدو، من أن يحمل البُعد المحلّي في الصناعة الدرامية بمجملها، لكن حاتم علي الذي تكفّل بِحَمل المهمة الثقيلة لصناعة مسلسل تلفزيوني عن فيلم أنتج الجزء الأول منه في العام 1972 ليبقى في المراتب الأولى للتصنيفات السينمائية العالمية حتى يومنا هذا، أخذ يصنع العناصر الدرامية التصعيدية لخط سير العمل، فالسرد البطيء للأحداث كان تمهيداً لسرد متسارع شهده العمل في الحلقات الست الأخيرة من الجزء الأوّل، ليظهر للمشاهد أن كل ما سبق كان مجرّد شبك خيوط وتقديم للشخصيات الرئيسية، ببعدها النفسي الأول، الخاضع لسيطرة شخصية “نوح ـ أبو عليا” والتي تعتبر كنقطة البداية في العمل، والتي يؤديها الممثل السوري جمال سليمان بطريقة مذهلة، استجمع فيها الأخير كل معرفته العميقة بشخصيات حقيقية متسلطة ومتنفذة مشابهة، ليقدم نوح بشكل درامي حقيقي، حتى صدّقه كل من شاهد المسلسل، وذلك لارتباط صورة هذه الشخصية، بأخريات كثر في مجتمعنا السوري والعربي بشكل عام، وهو الأمر الذي خدم المسلسل بشكل كبير ليلامس الحس الجمعي للمشاهدين، لتبدأ خيوط الحكاية التي توضّح للمشاهد بأنّ العمل لا يحمل من عمق رواية ماريو بوزو أحداثها، إلا الصبغة المافيوية العائلية، وبعض التفاصيل التي أُعيدت صياغتها بشكل يناسب بيئة العمل إلى حد كبير.

مسلسل “العراب” يقدم فيه حاتم علي إسقاطا رهيبا على حالة علاقات السلطات في المجتمع العربي، بنفس التركيبة الظاهرية لسمات الشخصيات وماضيها والتركة العميقة التي بنيت عليها، واستمرارها بأكثر من وجه.

خلط الواقع بالرواية

أقحم كاتب العمل رافي وهبي بعض الأحداث الحقيقية بين سطور النص المميّز، ليمرّ على بعض الأمور التي حدثت في سوريا على مستوى عالٍ من السرية والأهميّة. كموضوع ترخيص افتتاح “كازينو” في دمشق، يشابه كازينو لبنان، ليكون بوتقة للمال، والذي لم يسمع الكثيرون عنه في العقد الأول من الألفية الثانية. وهي الحقبة التي يتناول فيها المخرج والكاتب أحداث العمل. ويظهر هذا بوضوح في نوعية الهواتف المحمولة التي تستعملها شخصيات العمل وبعض الأزياء والسيارات الفخمة المستخدمة في التصوير، والتي جاءت مختارة بعناية.

“كازينو دمشق” كان نقطة التقاء وتباعد بين الشخصيات المؤثرة في الحكاية، والتي لامس بعضها شخصيات سورية حقيقية في بعض ملامحها إلى حدٍ بعيد، فعمد هنا كل من الكاتب و المخرج، إلى التمليح و التصريح، الاقتراب والابتعاد عن أمور لها حساسيتها في عمق التكوين الخفي للاقتصاد السوري القائم بشكل أساسي على العديد من الشخصيات المعروفة جدا للشارع السوري، والتي تمسك بالاقتصاد السوري من جميع أطرافه، وعلاقتها بالسلطة الحاكمة، ما يكشف الستار عن أحد جوانب الدولة العميقة التي لا عجب لما كان وما زال يحدث فيها من تحركات تجارية واقتصادية وقرارات سياسية غريبة، كاحتكار الكثير من المنتجات، من حيث تصنيعها أو استيرادها أو تصديرها، لفئة ضيقة من التجار ذات الأسماء الرنانة في السوق السورية.

تحت الحزام

استهلّ الجزء الأول بحفل زفاف ابنة البطل “أبوعليا” المسؤول النافذ والتاجر الكبير، ليكون استعراضاً للشخصيات المؤثرة في الخط الدرامي الأول للعمل، في محاكاة للفيلم الشهير الذي بني عليه المسلسل، حيث بدأ الجزء الأول من الفيلم أيضاً بحفل زفاف ابنة العرّاب الذي كان يؤدي دوره الممثل العملاق مارلون براندو كما هو معروف. ولتقديم الرابطة العائلية المتينة لعائلة “أبوعليا” التي استغلّها الأخير في أعماله وبسط سلطته ونفوذه، كان لكل فرد من أفراد عائلته، من أبناء الشخصية إلى أبناء أخوته وهكذا، موقع حساس في الدولة.

من هؤلاء كان ضابط المخابرات، ومنهم التاجر، ومنهم مالكة مؤسسة تعليمية كبرى، وصاحب أكبر صحيفة خاصة، حتى أن المخرج لم يهمل إقحام فكرة “الشبيحة” الذين وظفهم أبوعليا للقيام بأعماله القذرة عوضاً عنه وبعيدا عن اسمه، لتأتي خاتمة الجزء الأول من العمل الضخم بمشهد اغتيال الشخصية الرئيسية “أبوعليا” على يد أحد شركائه من كبار المتنفذين والمسؤولين لتعارض مصالحهم، بعد أن أصبح العراب من الشخصيات المغضوب عليها من قبل القيادات العليا.

وسِمَ بأنه أصبح من “الحرس القديم” الذين باتت تصفيتهم بطريقة ما، جلية في سوريا من بعد العالم 2006 وفي ذلك إشارة واضحة و جريئة وإسقاط مهم بحيادية جذبت الجمهور السوري بشكل جارف، لمشاهدة العمل، على اختلاف مشاربه ومواقفه السياسية.

في الجزء الثاني من “العرّاب”، استمر المخرج على نفس الوتيرة متوسطة السرعة في السرد. فالأحداث هنا مدروسة ولا ترمى كيفما اتفق. يتضح هنا أن الكاتبين الجديدين للعمل خالد خليفة وأحمد القصار استمرّا ببناء النص على أحداث الفيلم. بينما يجري تقديم تلك الأحداث بنفس الإسقاط الجريء على الواقع. وبتفكيك بعض الخيوط وإعطائها بعدا واقعياً تلفزيونياً أكثر من كونها عملا دراميا سينمائيا، تستمر شخصية “العرّاب” في الجزء الثاني بشخصية جاد ابن أبوعليا الأصغر، الذي كان يعيش معظم حياته في الخارج.

في مسلسل العراب يقدّم حاتم علي إسقاطاً رهيباً على حالة انتقال السلطة في سوريا من الأسد الأب للابن، بنفس التركيبة الظاهرية لسمات الشخصية وماضيها والتركة العميقة التي بنيت عليها، واستمرارها بأكثر من وجه

كان جاد بعيداً كل البعد عن أعمال العائلة ولم يكن يعجبه سلوك والده وأخيه الأكبر قيصر الأمني السلطوي، إلى أن اغتيل الأب. ليظهر بعدها جاد بشكلٍ جديد، وليتسلّم مكان والده في إدارة الأعمال وشؤون العائلة. فهو الوجه الجديد لها، الوجه المثقف الشاب النظيف يداً وسمعةً، على خلاف أخيه الأكبر قيصر الذي توّرط مع والده بكل ما كان يقوم به.

قام بأداء شخصية جاد الممثل السوري باسل خياط والذي قدّم مظهرا للتناقض النفسي الذي تعيشه الشخصية بين واقع أمسها المبتعد عن “البزنس″، وحاضرها الحامل لكل أعباء تركة والده الثقيلة.

يعالج باسل خياط الصراع النفسي للشخصية بأسلوب هادئ، فيبرع بتقديم الانقلاب الكبير لدى جاد، والذي ساقه بطريقة تبرر كل ما تحولت إليه، ليقف خلفه أخوه الأكبر قيصر، فيكون ظلّه الذي يحميه ويدير الأمور القذرة بعيداً عنه، واضعاً إياه في الواجهة حسنة المظهر.

لعب الممثل السوري باسم ياخور شخصية قيصر بإتقان عال، فكان هو وباسل خياط كذراع يمنى قوية لحاتم علي في تقديم العمل بالصورة المطلوبة. وفي هذا التحوّل المقتبس أيضاً من رواية “العراب” الأصلية، يقدّم حاتم علي إسقاطاً رهيباً على حالة انتقال السلطة في سوريا من الأسد الأب للابن، بنفس التركيبة الظاهرية لسمات الشخصية وماضيها والتركة العميقة التي بنيت عليها، واستمرارها بأكثر من وجه.

في الجزء الذي سمّاه “تحت الحزام”، لم يتخلّص حاتم علي من الإيقاع البطيء في السرد، فلجأ إلى غرز شخصيات جديدة دارت في فلك الخيوط الرئيسية، فتتقاطع معها وتبتعد. إلا أنها أضافت للعمل ميزة “السوريّة” في الحكاية، فلم تعد توقعات المشاهد مبنية فقط على أحداث الفيلم وشخصياته التي ألفها، بل صار العملان (الفيلم والمسلسل) أشبه “بهارموني” حقيقي يتلمّس من خلاله المشاهد ما هو جديد وما هو مألوف بالنسبة إليه.

لم يعد الأمر هجينا إذن، كما كان في الجزء الأول، بل أخذه حاتم علي إلى مرحلة التصديق في وجدان المشاهد، لإدخاله عالم خيال الشاشة في صميم بنية الواقع اليومي.

8