حاجبا الرئيس!

السبت 2017/08/12

كثيرا ما نقرن حسن النية بالجمال، أما الانطباع الأول الذي يتأتي من رؤيتنا لملامح وجه شخص غريب، فهو الذي يقرر ما ستكون عليه طبيعة علاقتنا به وتعاملنا معه وردود أفعالنا على سلوكه. هذه النظرية كانت القشة التي تعلق بها بعض المتهمين في قضايا جنائية، اعتمدوا كثيرا على رسم ملامحهم البريئة في تقرير حسن نيتهم أمام رجال القضاء، بعضهم خرجوا من دائرة الخطر بتأثير هذه المصادفة وبعضهم دخلها من أوسع أبوابها أيضا بتأثيرها المعاكس.

وهكذا، فإن ملامح وجهك إنما تقرر الطريقة التي يراها بك الآخرون، أما الأبحاث الحديثة جدا فتزيد على هذا بدراسات تفصيلية عن طريقة رسم الحاجبين وشكل الذقن واستدارة الوجه وحدود العينين؛ فإذا كان شكل الوجه على طريقة حرف (V) بالإنكليزية، مثلا، وخطوط الفم مضمومة إلى الأسفل عابسة ومقطبة مع خدين غارقين، فإن صاحبها أو صاحبتها غير جديرين بالثقة، أما الحاجبان المرسومان على شكل رقم ثمانية بالعربية مع خطوط فم تتجه إلى الأعلى فإن أصحابها جديرون بالثقة ويتم تقدير هذا الحكم في غضون بضع ثوان لا أكثر؛ حيث تستجيب أدمغتنا بشكل تلقائي لرسم الملامح قبل أن يتمكن وعينا من إصدار حكمه المنطقي!

وقد أوردت هذه الدراسات ملامح وجه النجمة أنجلينا جولي كمثال نموذجي لذلك؛ حيث طريقة رسم الحاجبين والفم إضافة إلى عظمتي وجنتيها البارزتين، توحيان بسهولة أن نثق بصاحبتهما ثقة قد تكون عمياء!

ليس هذا فحسب، بل إن الانطباع الأول سيستمر إلى ما لا نهاية في ما يتعلق بفكرتنا عن الشخص الذي نقابله للمرة الأولى، فهو سيبقى بريئا في نظرنا حتى وإن ثبتت إدانته مرات ومرات.

أما عندما يكون رئيسك في العمل، مثلا، من أصحاب الوجوه الذين يضعهم هذا التصنيف في خانة الثقة المطلقة، فإن أي قرار مجحف يمكنه أن يتخذه بحقك سيكون له وقع سقوط الماء العذب على وجهك في ظهيرة صيفية ساخنة، لا يهم ما ستؤول إليه أمورك المالية من هبوط مفاجئ في مؤشر الإنفاق وتخلل في مستوى ضغط الحياة المعيشية، لا يهم كل هذا ما دام الرئيس يتمتع بملامح طفولية وحاجبين موثوقين.

ومن جانبها، تؤكد البحوث الجنائية على أن معظم الشهود يميزون بين المجرمين وغير المجرمين من خلال ملامحهم في الصور الفوتوغرافية، وربما التكهن بنوعية الجرائم المرتكبة من خلال مقاييس وأحكام مسبّقة، وقد تكون في بعضها غير دقيقة. في حين أثبتت بعض الدراسات في هذا المجال أن الشاهد الوسيم الأنيق قد يوحي لهيئة المحكمة بالاحترام والمصداقية أكثر من غيره!

في السياسة، وعلى وفق هذا المبدأ، لن يتطلب الأمر سوى شاهد بسيط (من أهلها) يمتلك مقومات الوسامة والبراعة اللغوية وشيئا من الملامح البريئة، ليكسب ثقة الجمهور ليبرر جرائم صاحبه (الرئيس)، في حين تتخذ حججه سمة الثبات والمصداقية التي تجعل من محكمة العقل تتوقف لبضع ثوان، تكون كافية في الأغلب لنسف جميع الأحكام والأفكار المسبّقة عن السياسي البريء الذي ثبتت إدانته، ليخرج بصحيفة سوابقه، بوجه ناصع البياض يؤهله لخوض المزيد من الزلات يدعمه في ذلك حاجبان مراوغان على شكل رقم ثمانية ووجنتان بارزتان ثم خطوط فم تتجه إلى أعلى، لترسم شبح ابتسامة نصر، نصر يسجله بثقة على جمهور تعيس.

كاتبة عراقية

21